أمانة الصنعة في الإسلام
25 ربيع الثاني 1438
د. خالد رُوشه

الصنعة مهارة يتميز بها البعض ، يتخذها سببا للكسب المال ، ويتفاوت الناس فيها ويتنوعون ، وعليها كانت تقوم المجتمعات بالاساس ، ومع تقدم الآلة قل عدد الصناع وكثرت الآلات ، لكن بقى أثر الصناع حتى مع وجود الآلات ، وظل الناس يتفاوتون بآلاتهم في صناعاتهم ..

 

 

وللصنعة في الإسلام معنى متميز ، ورؤية حضارية خاصة ، أساسها الإصلاح والنفع للناس ، وخصوصيتها تقوى الله سبحانه ومراقبته .

 

 

ولقد كنا في عهود سابقة نتميز - كبلاد إسلامية بصنعتنا المتميزة المتقنة ، وترتب عليها رواج تجاري واسع ، لكننا تراجعنا عن مواقعنا المتميزة تلك ، وتنازلنا عن مبادئنا في العمل بأسباب مختلفات ، فتصدر الغرب الصناعة ، وأخذوا بمبادئنا التي هي سبب أصيل في تميز المنتج الصناعي  ، ثم وسعت الفجوة تدريجيا حتى صارت سحيقة بيننا وبينهم ..!

 

والإسلام عندما يهتم بشأن الصنعة ، يراها كمقوم اجتماعي لنجاح المجتمعات وتميزها ، ورقيها ، وتحضرها ، ورأى الإهمال فيها والتهاون والتراجع وعدم الاهتمام نذير سلبي لكل مجتمع ..

 

 

فاهتم الإسلام بنية الصانع ابتداء ، وأمره أن تكون نيته حسنة ، فهو يخرج من بيته يطلب الرزق من ربه سبحانه ، فينبغي أن يكون العمل الذي يقوم به عملا صالحا , وملاك العمل الصالح أن يكون مصحوبا بنية صالحة , أن يعمله لله سبحانه , فحرم الإسلام كل عمل بنية خبيثة , حتى حرم الإسلام الحيل في العمل والعقد ( بوب البخاري رحمه الله بابا في صحيحه : باب منع الحيل ) وهي التحايل بوسائل غير مشروعة , بل عقد الإسلام قاعدة تقول : إن الوسائل لها أحكام المقاصد , حتى تكون الوسائل كلها مشروعة , كما عقد لقاعدة سد الذرائع , حتى لا يتوصل لهدف غير مشروع بوسيلة مشروعة ..وهكذا

 

 

 

ولذلك منع الإسلام من كل عمل يأمر بمنكر أو يحض على معصية أو ذنب , فرفض أعمال الفجور كلها والمعونة عليها  والمشاركة فيها , كما في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم " لعلن الله آكل الربا وموكله " , فالإثم واقع على صاحب العمل وعلى من شاركه فيه عارفا بحرمته .

 

 

كذلك لا عمل مأمور به إلا وينبغي أن يكون نافعا , فكل عمل ضار هو عمل ممنوع في الشريعة الإسلامية , حتى لو تراضى عليه طرفاه و فلا تراض فيما حرم الله , فلو أن اثنان تراضيا على عقد ربوي أو عمل يضر الآخرين كان عقدهما فاسدا وكانت شركتهما ضالة .

 

 

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه " , فالنفع مبدأ هام من مبادىء العمل , والنفع إما أن يكون خاصا بحيث يعود على العامل وحده وأسرته مثلا وإما أن يكون متعديا بحيث يعود على المجتمع والأمة , وكلاهما نوع من نفع صالح .

 

 

 

وانكر سبحانه على من يعمل بلا نفع فقال سبحانه في سورة البقرة على من تعلم عمل السحر " وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ  "

 

وأما الأعمال غير النافعة وإن لم تكن ضارة فقد كرهتها الشريعة ولم ترغب فيها , ومنها أعمال اللهو والاشتغال بسفاسف الأمور وحقيرها .

 

 

كما أمر المنهج الإسلامي بإتقان العمل بقوله ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وصححه الألباني ، فالإتقان إذن سمة أساسية ووصف ملاصق لكل ما أمر به الشرع من عمل صالح ..

 

 

وتخيل معي مجتمعا قد أتقن أفرادة مسئولياتهم فيه فأدى الحاكم حق الرعية وأدى القائمون على الأعمال حقوق الناس وأدى الصانع عمله متقنا وأدى المراقب عمله مخلصا وأدى القاضي عمله متجردا لربه ..تخيل معي حال هذا المجتمع النظيف المتقن لعمله ..

 

 

 

وبالمقابل فانظر معي لصورة كثير من مجتمعاتنا وقد دب فيها التهاون والتغافل عن الحقوق والمسئوليات , وحمل البعض أعمالهم على الآخرين , وصار نصب عين الموظف كيف ينتهي يوم عمله سواء أتقن أو أهمل , وتكاسل العمال عن آداء مهامهم وتقاعص المسئولون عن أدوارهم ..فأي مجتمع إذن أنت ترى ؟! إنه مجتمع هش متآكل من الداخل ما يلبث أن ينهار ..

 

 

 

إن الإتقان في العمل والمسئولية قيمة تربوية ومرتكز نفسي مؤثر , على أساسه ينبني الإنسان المسلم من بدايات حياته الأولى فاعلا ومؤثرا وناجحا , فيدع العجز والكسل , والقعود والخمول , وينطلق حيث الفعالية المؤثرة في شتى المجالات

 

 

 

وأما السياج المحيط بصنعة الصانع فهو سياج الأخلاق ، فالأخلاق تحيطه وتحميه من النقص أو الخلل , فأمر بكل خلق يصلح به العمل , فلا عمل بغير أمانة , بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يوضح توضيحا أكيدا على دور الأمانة في تحمل المسئوليات العملية فيجيب على من سأله عن علامات الساعة بقوله :" إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " , فلما سئل عن كيفية إضاعتها قال :" إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة "

كذلك فالصدق في العمل , وعدم الغش فيه شرط من شروط صلاحه , فيقول صلى الله عليه وسلم " من غش فليس منا " , وهكذا قل في الأخلاق الأخرى

 

 

3 + 2 =