أين نحن من اليقين بالله ؟!
6 جمادى الثانية 1438
د. عامر الهوشان

سؤال تبدو الحاجة لطرحه في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها الأمة من الأهمية بمكان , فكثير من النفوس محبطة ومتشائمة , و بعضها قد وصل – وللأسف الشديد – إلى مرحلة الشك بتحقق موعود الله لعباده المؤمنين , وآخرين من أبناء الأمة قد نهبتهم مشاعر اليأس والقنوط من إمكانية استعادة الأمة لسالف عهد عزتها ومجدها الذي كانت عليه .....

 

يمكن قراءة ملامح الإحباط والتشاؤم في وجوه الكثير من أبناء الأمة أثناء الحديث عن مستقبل أمة وصفها الله تعالى في كتابه العزيز بأنها خير أمة أخرجت للناس , بل يستطيع المتابع ملاحظة كثرة التعابير والألفاظ التي تشير إلى مدى الشك الذي وصل إليه البعض من قدرة الأمة على النهوض من جديد بإذن الله , وانبعاث حضارتها وإشراق رسالتها على العالمين مرة أخرى تحقيقا لموعوده سبحانه ...

 

حال الأمة الذي لا يسر احدا من المؤمنين , واوضاع عواصم دولها المحزن والأليم , وتسلط أعدائها على مقدراتها وخيراتها , بل وعلى هويتها الإسلامية وعقيدة التوحيد في المقام الأول .....هو ما دفع الكثير من أبناء الأمة إلى هذا المنحدر الخطير من الإحباط واليأس والقنوط المنهي عنها في دين الله .

 

 

إن مزيدا من اليقين بالله هو ما يحتاجه أبناء الأمة في هذه الفترة العصيبة , وجرعة من الثقة بحتمية تحقق ما وعد به عباده المؤمنين ولو بعد حين هو ما ينبغي التركيز الآن عليه من قبل الدعاة والوعاظ والمصلحين , فهو قارب النجاة لتخليص الأمة من درك الشك بموعود الله , وسفينة الخلاص من الغرق في  محيط ظلمات اليأس والقنوط والإحباط .

 

ولعل أول ما نحتاجه في هذا المقام هو تذكير المسلمين بعظيم منزلة اليقين بالله تعالى , وتنبيههم إلى ضرورة التسلح بالثقة بحتمية تحقيق الله ما وعد به عباده المؤمنين , وتحذيرهم من عواقب الشك بشيء من ذلك بسبب ما يرونه من تسلط أعداء الإسلام على المؤمنين , وحالة الهوان والضعف التي تعاني منها الأمة منذ حين .

 

 

وخير ما يمكن استعراضه لإعادة الأمة إلى عقيدة اليقين وإخراج أبنائها من حالة الإحباط واليأس والقنوط هو : ما جاء في كتاب الله تعالى من الآيات التي تشير إلى تلك الثقة المطلقة بالله تعالى التي كان يتحلى به الأنبياء والمرسلون , والتي ينبغي أن تكون مثالا للأمة يقتدى به , وما جاء في سنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من الأحاديث والأحداث التي تذكر المسلمين بضرورة عودة المسلمين إلى رحاب الثقة بالله ومعين اليقين بحتمية إنجاز ما وعد به عباده المؤمنين .

 

لقد كان همّ نبي الله نوح عليه السلام ومنتهى سعيه منصب في إنجاز ما أمره الله تعالى به , والائتمار بما أمره به من صنع السفينة , رغم بعد البحر عن تلك البقعة التي كان يعيش فيها قومه , بل ورغم السنوات الطوال التي استغرقها إنجاز صنع السفينة .

 

لم يكترث نوح عليه السلام بسخرية قومه منه ومما يفعل , ولم يعبأ بطول الوقت الذي تطلبه تنفيذ أمر الله , فيقينه بحتمية إنجاز الله ما وعده كان دافعا له للتركيز على ما أمره الله به فحسب , و ثقته بوقوع نصر الله له ولمن معه من المؤمنين ولو بعد حين أعظم من أن يهزها استهزاء قومه وسخريتهم , قال تعالى : { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } هود 37-39

 

 

إن أعظم درس يمكن أن يتعلمه أبناء الأمة اليوم من قصة نبي الله نوح عليه السلام مع قومه التي ذكرتها الآيات السابقة هو تركيزه عليه السلام على تنفيذ أمر الله , ويقينه أثناء ذلك أن نصر الله سيأتي لا محالة إن عاجلا أم آجلا , دون أن يرهق نفسه كثيرا بالتفكير بكيفية مجيء ذلك النصر , وهو ما ينبغي أن تتمثله الأمة اليوم , من خلال تركيز المسلمين على تنفيذ أمر الله تعالى وتحقيق شروط نزول نصره وتأييده لهم , مع اليقين باستحالة إخلاف الله تعالى لوعده وعهده .

 

 

لقد كانت عاقبة يقين نبي الله نوح عليه السلام وثقته بالله خيرا , فجاء نصر الله وتأييده من حيث لا يحتسب أحد , قال تعالى : { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } القمر 9-13 .

 

 

وفي أحلك الظروف وأشد الأزمات وقمة مشاعر الخوف والهلع والفزع الذي أصاب قوم موسى عليه السلام حين اقترب جيش فرعون وجمعه من جموع بني إسرائيل الفارين حتى { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } , كان اليقين بالله والثقة بموعوده الذي عبر عنه نبي الله موسى عليه السلام بحسم وحزم ويقين وثقة : { قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } الشعراء 61-62 ... هو طوق النجاة الذي أنقذ نبي الله موسى عليه السلام وقومه , والقوة التي شقت البحر نصفين بقدرة الله فكان كل فرق كالطود العظيم .

 

ولو عادت الأمة إلى سنة خاتم الأنبياء والمرسلين وسيرته العطرة لوجدت فيهما الشفاء من داء الشك بموعود الله , والبلسم من مرض الإحباط والتشاؤم من واقع المحنة التي يمر بها المسلمون اليوم , فقد مر أصحاب رسول الله صلى الله وسلم و السلف الصالح بمثلها فصبروا واشتغلوا بتنفيذ أمر الله وأخذوا بأسباب التمكين فحقق الله لهم ما وعدهم به .

 

 

والحقيقة أن الأسماع لا تمل من ترداد حديث خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رضي الله عنه في هذا المقام حيث قال : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا : أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا . فَقَالَ (..........وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) صحيح البخاري برقم/6943

 

 

نعم ....ما تمر به الأمة اليوم محنة عظيمة وخطب جلل , ولكن المواجهة لا تكون أبدا بالإحباط أو التشاؤم , ولا بإشاعة مظاهر الشك بحتمية تحقق موعود الله تعالى , بل تكون المواجهة بدعوة المسلمين إلى التمسك باليقين بالله تعالى والثقة بصدق وعده لعباده المؤمنين , وتذكيرهم أن واجبهم الأهم هو الاشتغال بتنفيذ أوامر الله والتزام طاعته , والتأكيد لهم بعد ذلك بأن النصر والتمكين قد يتأخر بعض الشيء لحكمة يعلمها الله سبحانه , ولكنه سيأتي يقينا لا محالة في نهاية المطاف .



7 + 3 =