واحة القراءة
21 ذو الحجه 1438
د. صفية الودغيري

إذا أَحْببت القراءة فستحْمِلْها في صدرك كشَهيقِك وزَفيرِك، وسترسم معانيها وصورها على صفحاتك  البيضاء، وتختلط بحِبْر مِدادك وصَبيب دمك، وستشُدُّ وِثاقَها بأنفاسك وأنفاس قلمك، وتتَّحِد بحروفها والكلمات على سطور كلِّ كتاب تختاره بذوقك، وسيَسْري إلى روحك ذاك العِشْقُ الصَّادِح، فيوقِـظ النَّبْضَ الخافِق على عرشِ قلبك الصَّامِت، ويوقِد في أركانك شُموعَ الأفراح الأمل، ويُذيب على  دَفاترِ أحلامِك حُروفَ الألم، وحينها ستَتعلَّم أن تكتب وأنت تقرأ، وأن تتنفَّس بلا اخْتِناق كلَّ معنى مُعْتبَر، وستعبِّر عما يتحرَّك في خيالك وتتَّسِع ذاكرتك لرحابَة الحياة حبن تولَد على ثَغْر الورق ..

 

 

فكُن قارِئًا مُخْتلفًا عن بقِيَّة القُرَّاء كي تمسِك بمفتاح العلوم والمعارف، وتَصْنَع في وجودك ووجود من حولك واحة من القراءة والكتابة، وواحة من العِلم والتعلُّم،والنَّظر والتأمُّل، والتحليل والشرح والاستنتاج، فتَرى الوُجودَ أَفْسَح ممَّا كان عليه في عَيْنٍ ضاقَت في مُحيطِها الرُّؤى والعَواطِف والأفكار، فما عادَت تُبْصِر إلا بمِقْدار ..

 

 

1 ـ القراءة .. إِمْتاعٌ ومُؤانسَة

إذا أَدْمنت القراءة سيصبح الكِتاب هواءَك العَليل، ونسيمَك الرَّقيق، ومُتَنفَّسَك المُنْعِش اللَّطيف، وخَلْوتَك وصَفْوك، وراحتك وسعادتك، وأمانَك وسلامَك، وراحِلتَك ومَرْكب سِياحَتك في البرِّ والبحر، وأنيسَ وحدتك ووطنك في اغْتِرابك، وأليفَك المٌلازِم المُنافِح، وصديقَك الأمين الصَّادِق، ومُكْرِمك السَّخِيَّ المِعْطاء، المُتَفضِّل عليك بالخيرات، الجالِب للمنافِع والدَّافِع للمَضار، والمُتحَلِّي بالمَحاسِن والفضائِل، ونُزْهَة روحك واسْتِجمامك في اللَّيل والنَّهار، وجَليسك المُحِب الذي يَحْتويكَ بتفاصيلك وأجزائك، ويصِلُك بالتَّآلُف والتَّعاوُن والتَّقارُب محَلَّ التَّجافي والتَّناكُر والتَّباعُد، ورفيقَك الصَّالح وخَدينك النَّاصِح، وصَديقك الحَميم المخلص لصُحْبَتك ومَودَّتك، الذي لا يخونُك في سرِّه ولا علانِيَّته، ولا يَصدُّ عنك أو يُجافيك عند ضَعْفِك وانْكسارِك، ولا يَخْذلُك عند كَرْبِك وشِدَّتك، ولا تَفْتقِدُه في موطِن إِعْسار أو ضيق حال، ويكفيكَ حاجاتَك ومؤونتَك، وتَسْتغني بأحاديثه عن أحاديث المُداهنين، ويكفيكَ تحَذْلق المتصنِّعين وخِداع المنافقين والماكرين، ويُمْتِعُك بمُؤانسَتِه ويَسُرُّك بمَجامِع مَحامِدِه، ويَصْرِفُك عن جليس السُّوء وفُضول الكلام وعَوارِه، ويشغلُك بالنَّظَر في بواطنِه لاكتشاف أسراره وإدراك مقاصده، ويحثُّك على الإبحار في محيطاته والغَوْص في أعماقه،لإِحْراز السَّبْق في الْتِقاط دُرَرِه وجَمْع فوائده وضَمِّ جواهره، والانْصِراف عن النَّظر والاشتغال بما ليس من ورائِه نفعٌ ولا طائِل، ويسمو بك عن التَّلبُّس بالألفاظ السَّاقطة والمعاني الفاسدة، ويَقيك من مخالطَة ذوي الأخلاق الرَّديئة والاتِّصاف بصفاتهم الذَّميمَة ..

 

 

وقديما أهدى بعض الكُتَّاب إلى صديق له دفتراً وكتب معه: «هديتي هذه، أعزَّكَ الله، تَزْكو على الإِنْفاق، وتَرْبو على الكَد، لا تُفْسِدُها العَواري، ولا تَخْلقها كثرة التَّقْليب، وهي إِنْسٌ في اللَّيل والنَّهار، والسَّفَر والحضَر، تصلُح للدُّنيا والآخرة، تُؤْنِس في الخَلْوة وتَمْنَع من الوحدة، مُسامِرٌ مُساعِد، ومُحَدِّثٌ مِطْواع، ونَديم صِدْق»[1] .

 

 

وقال بعض الحكماء: «الكُتب بساتين العلماء» [2]، وقال آخر: «ذهبت المكَارِم إلا من الكُتب»[3] .

 

 

وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: <<الكتاب نِعْم الذُّخْر والقعدة، والجَليس والعُمْدَة، ونِعْمَ النُّشْرَة ونِعْمَ النُّزْهَة، ونِعْمَ المُشْتغل والحِرفَة، ونِعْمَ الأَنيس ساعةَ الوحدة، ونِعْمَ المعرفة ببلاد الغُربة، ونِعْمَ القَرين والدَّخيل والزَّميل، ونِعْمَ الوزير والنَّزيل. والكتاب وِعاٌء مَليء عِلماً، وظَرْفٌ حُشِيَ ظرفاً، وإناءٌ شُحِن مِزاحاً، إنْ شِئْتَ كان أَعْيا من باقِل، وإنْ شِئْتَ كان أَبْلَغ من سُحْبان وائِل، وإنْ شِئْتَ سَرَّتْكَ نَوادِرُه، وشَجتْكَ مَواعِظُه، ومَنْ لك بواعِظٍ مُلْهٍ، وبناسِكٍ فاتِك، وناطِقٍ أخرس؛ ومَنْ لك بطبيب أعرابي، ورومي هندي، وفارسي يوناني، ونَديمٍ مُولَّد، ونَجيبٍ مُمْتِع؛ ومَنْ لك بشيء يَجْمَع الأوَّل والآخر، والنَّاقص والوافِر، والشَّاهِد والغائب، والرَّفيع والوَضيع، والغَثَّ والسَّمين، والشَّكل وخِلافه، والجِنْس وضِدَّه؛ وبعد فما رأيت بستاناً يحمل في رَدَن، وروضة تنقل في حجر، ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء، ومن لك بمُؤنِس لا ينام إلا بنَوْمِك ولا ينطق إلا بما تهوى، آمَن من الأرض وأَكْتَم للسِّر من صاحِب السِّر، وأَحْفَظ للوديعة من أرباب الوديعة؛ ولا أعلم جاراً آمن، ولا خَليطاً أَنْصَف، ولا رفيقاً أَطْوَع، ولا معلماً أَخْضَع، ولا صاحباً أَظْهَر كِفاية وعِناية، ولا أَقلَّ إملالاً وإبرامًا، ولا أَبْعَد من مِراء، ولا أَتْرَك لشَغَب، ولا أَزْهَد في جِدال، ولا أَكفَّ في قِتال من كِتاب، ولا أَعمَّ بيانًا، ولا أَحْسَن مُؤاتاة، ولا أَعْجَل مكافأةً، ولا شجرة أَطْوَل عُمراً، ولا أَطْيَب ثمراً، ولا أَقْرَب مُجْتَنى، ولا أَسْرَع إدراكاً، ولا أَوْجَد في كلِّ إبان من كِتاب. ولا أَعْلَم نِتاجاً في حَداثة سنِّه، وقُرْبِ ميلاده، ورَخصِ ثمنه وإِمْكان وُجودِه، يجمع من السِّيَر العَجيبة، والعُلوم   الغريبة، وآثار العُقول الصَّحيحة ومَحْمودِ الأَذْهان اللَّطيفَة، ومن الحِكَم الرَّفيعَة، والمذاهِب القديمة، والتَّجارِب الحَكيمة والأَخْبار عن القرون الماضِيَة، والبلاد النَّازِحَة، والأمثال السَّائِرَة والأمم البائِدَة ما يَجْمعه كتاب .. ومن لك بزائر إن شئتَ كانت زيارته غباً ووِرْده خمساً، وإن شئتَ لزِمَك لُزومَ ظِلِّك، وكان منك كبَعْضِك . والكِتاب هو الجليس الذي لا يُطْريك، والصَّديق الذي لا يَقْليك، والرَّفيق الذي لا يمَلّك، والمُسْتمِع الذي لا يَسْتَزيدُك، والجار الذي لا يَسْتَبْطِئُك، والصَّاحِب الذي لا يريد اسْتِخراج ما عندك بالمَلَق، ولا يُعامِلُك بالمَكْر، ولا يَخْدعُك بالنِّفاق»[4] .

 

 

2 ـ القراءة .. شَحْذ للطِّباع وبَسْط للِّسان

إذا أَدْمنت القراءة فلن تحتاج إلى المحاكاة والتَّقليد وأنت تكتب، ولا إلى المغالاة في الاقتباس المذموم، بل ستحفظ الكلمات وتضمُّ حروفَها والجُمَل، وتحتوي أسرارَها فتستقٍرُّ في الفؤاد والمُهَج، وتتنفَّس روحَ معانيها بأنفاسِ روحك وتتوحَّد  على مِهاد الفِكر، وتحفظها الذاكرة في سجِلِّ تاريخك المًمَجَّد، ولن تنساها نبضاتُ القلب  والصَّدر ..

 

 

فالقراءة تعلِّم اللسان الدُّربْةَ على البيان والأِفْصاح، وترتيب المعاني باتِّساقٍ وانْتِظام، وتُرَوِّض النفس على التعبير بانْطِلاق، بلا حُبْسَة  في الكلام والمَقال، أو اخْتلال في ميزان التَّركيب وصِياغة الأفكار ..

 

 

والقراءة تُمَرِّن القلم  على الاستقامة والإصلاح، وشَدِّ ساعِد الهِمَّة لإدراك منتهى الغايات وأقصى الحاجات، والتزوُّد لطريق المشقَّة للظَّفْر بغنائِم الصبر،  بالنَّظر والتَّأمل الطويل، ففي ذاك مجتمع القوّة ورباط التَّسديد، وصرف العِنايَة بالمقاصِد والتمسُّك بالغايات الحميدة، وتمكين البصيرة من التَّمحيص والتَّدقيق، واكتساب عادة التَّنقُّل بين طبقات المعاني، والتَّدرُّج في ارتقاء مراتبها، وسَبْر أغوارها وخَباياها العميقة، والاجتهاد والحِذْق في امتلاك ناصِيَة التعبير بلا مشقة، وكفاية المحتاج مُؤْنَة الرجوع إلى من يَقْدَح زنده  ..

 

 

قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رحمه الله: << والكتاب هو الذي إنْ نظرتَ فيه أطالَ إِمْتاعَك، وشَحذ طِباعَك، وبسَط لسانَك، وجَوَّد بيانَك، وفَخَّم ألفاظَك وبجَّح نفسَك، وعَمَّر صدرَك، ومنحَك تعظيم العَوام وصداقة الملوك، يُطيعك باللَّيل طاعتَه بالنَّهار، وفي السَّفر طاعتَه في الحضَر، وهو المُعلِّم إن افْتقَرت إليه لا يَحْقِرُك، وإن قطعتَ عنه المادَّة لم يَقْطَع عنكَ الفائدَة، وإن عَزلْت لم يدَع طاعتَك، وإن هَبَّت ريحُ أعدائك لم يَنْقلِب عليك، ومتى كنتَ مُتَعلِّقاً منه بأدنى حَبْل لم تَضْطرَّك معه وحشة الوحدة إلى جليس السُّوء، وإنَّ أَمْثَل ما يَقْطَع به الفراغ نهارهم وأصحاب الكِفايات ساعات ليلهم، نظرٌ في كتاب لا يزال لهم فيه ازْدِياد في تجربة، وعقل ومروءة وصَوْن عِرْض وإصلاح دين، وتَثْمير مال، ورب صنيعة، وابْتِداء إِنْعام. ولو لم يكن من فضلِه عليك، وإحسانِه إليك، إلا مَنْعُه لك من الجلوس على بابِك، والنَّظَر إلى المارَّة بك مع ما في ذلك من التَّعَرُّض للحقوق التي تلزم، ومن فضول النَّظَر ومُلابسَة صِغار الناس، ومن حضور ألفاظهم السَّاقطَة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الرَّدِيَّة، وجهالتهم المذمومة، لكان في ذلك السَّلامة والغنيمة، وإِحْراز الأصل مع استفادة الفرع؛ ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سُخْف المنى، واعْتِياد الراحة، وعن اللعب، وكل ما تشتهيه، لقد كان له في ذلك على صاحبه أَسْبَغ النِّعَم، وأَعْظَم المٍنَّة ..>> [5] .

 

 

وقال محمد بن الجهم : «إذا غَشِيني النُّعاس في غير وقت النوم تناولت كتاباً فأجِد اهْتِزازي للفوائد الأريحية التي تَعْتريني من سرور الإِسْتنباه وعز التبين، أشد إيقاظاً من نهيق الحمار، وهدَّة الهدم، فإني إذا استحسنت كتاباً واستجدته ورجوت فائدته، لم أوثر عليه عوضاً، ولم أبغ به بدلاً، فلا أزال أنظر فيه ساعة بعد ساعة، كم بقي من ورقة مخافة اسْتِنفاده، وانقطاع المادة من قبله>>[6] .

 

 

وقد قالوا: «القلم أحدُّ اللِّسانين» ، وقالوا: «كلّ من عرف النّعمة في بيان اللِّسان، كان بفضل النّعمة في بيان القلم أعرف»[7] .

 

 

3 ـ القراءة .. اكتشاف للحقيقة في كتُب الحياة

القراءة الحقيقية تدفع الكاتب إلى البحث عن الحقيقة فلا يرتاح ولا تسكن غلَّته حتى يروي ظمأه من سِقائها، وتهدأ حرارة أشواقه حين إدراكها، ولن يموت بعدها مرتين بل سيموت مرة واحدة، وستَحْيا أفكاره وكلماته، وسيحيا بها القارئ بعده ليُذيعها بين الناس، وسينجِب غيرها من المعاني والأفكار، وسيحملها كل من سَما إلى قمَّة شعوره وعانق رهَف إحساسه، وأَصْغى إلى صدى كلماته وحروفه عند اهتزازها على سطوره وانبعاث معانيها من ألفاظه، وسينقلها عنه كل مُحٍبٍّ ومُريد لطريقته في القراءة، المُوَلِّدَة لذاك الشَّغف المَوْصول بشِرْيان الكاتِب المَوْهوب، الذي شقَّ طريق حياته مكافحا وسط الأشواك وصامدا في وجه الأعاصير والمضايق، وحَبس نفسه وأنفاسه وسط مكتبته، مُتَوسِّدا مهاد رفوفها لسنوات من شبيبته، فأَمْطَرته وأَمْطَرت قلمه غيث المداد، وبذرت موهبته وزرعت حبَّ القَرائح، وأَنْبتَت الكتب روضة غَنَّاء، فانطلق يَجْتَني ثمار المعارف، واسْتَحقَّ أن يكون القائِد للقلم المُعَاِّم الذي يحمله، وللكلمة التي يكتب رَسْم خطها العربي، ويضمُّ حرفها العربي، والقائد للمعنى الذي يصوغُه بدقةَّ وعناية، وللفكرة التي يشدُّ متنها بحدِّ يَراعه، فتفجِّر خير ينبوع من الحكمة، تفيض على قارئها ومُتَلقِّيها وتَتدفَّق على حاملها ومبلِّغِ رسالته وفحوى خطابه ..

 

 

ولن تُنْتِج لنا القراءة كاتِبا أديبا إلا إذا نظر في كُتُب الحياة الحبْلى بألف مخاض، ولفَّه قماطُها وثوبها الخشن، وشَبَّ وترعرع وسط اليَسار والإٍعْسار، ونَما ونضَج وهو يقرأ في أسفار المارَّة والسَّابلة، ويُقلِّب صفحات الوجوه، ويَتجرَّع كؤوس الحياة بكل طعم ولون، ويَشقُّ الطَّريق الشاقَّ الوَعْر، ويمضي حافِيًا على الأشواك قبل أن يصِل إلى المتَّسع الرَّحيب الفَسيحِ الجَنبات، لا أن يظلَّ حبيسَ صومعته لا يخرج منها إلا عند ميقات رفع صوته بالنِّداء، أو حَبيس بُرْجِه العاجي مُنَعَّما بموائد الترف والبَذْخ، والرَّاحة والهدوء، مُتَربِّعًا على عرش فخامَتِه مُتَوسِّدًا مُتَكَأَه المخملي، وإلا سيظلُّ أديبَ اللَّفظ الفارغ، والمعنى التَّافه، والفكرة بلا جودة السَّبك وحُسْن الصِّياغَة، وستظلُّ الكتابة بالنسبة له ترفًا فكريًّا تختفي معانيها خلف الزُّخْرف والزِّينة المفرطة بلا روح ولا جوهر ..

ولقد تحدث قديما الأستاذ أحمد أمين عن هذا الأدب في التعبير والكتابة في مقالته : " أدب اللفظ وأدب المعنى" فقال :<<إن الأديب إذا رُزِق حُظْوة في السَّبْك، وأُصيب بفَقْر في المعنى، كانت شهرته وَقْتِيَّة وقيمته محدودة الزمن، ولا يلبث الناس أن يدركوا ضعفه وفقره فيَنْبذوه، والأديب الخالد من زاد في معارفنا ومشاعرنا بما في قوله من معنى وقوة. أديب اللفَّظ فارِغ الرأس قليل العِلم بما حوله، قريب الغَوْر، قد ستر كل هذا بزخرف القول كما تستر الشَّوهاء عَيْبَها بالأصباغ، رخصت بضاعته فبالغ في التَّجمل في عرضها ولفت الأنظار إليها. وشعر إنها مزيفة فغضب لنقدها والتَّلويح بامتحانها. والأمة في طفولتها وشيخوختها يعجبها هذا النوع من الأدب، لأن خِفَّة رأسها من خِفَّة رأس أدبائها. ولأن العقول السَّخيفة يعجبها السِّحر والشَّعوذة وألعاب البهلوان، والأدب اللَّفظي المحظ نوع من هذا اللعب. فإذا نضج عقلها تغير ميزانها ونفذ نظرها إلى أعماق الشيء، لتعرف ما وراء الظَّواهر. وإذ ذاك تُقَدِّر المعاني أكثر ممّا تُقَدِّر الألفاظ، ترى الألفاظ جِسْما والمعنى روحَه. وترى المعني غاية واللَّفظ وسيلة. وتستحسن اللَّفظ لا لذاته، ولكن لأنه لفق المعنى..

 

تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظ زائِنات المعاني>>[8] .

 

 

 

[1]  المحاسن والأضداد/ الجاحظ ـ دار ومكتبة الهلال، بيروت 1423ه : 1/ 21

[2]  المصدر نفسه

[3]  المصدر نفسه

[4]  المصدر نفسه : 1/ 21 ـ 22

[5]  المصدر نفسه : 1/ 22

[6]  المصدر نفسه : 1/ 20

[7]  الحيوان / الجاحظ ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط. الثانية 1424 ه: 1/ 34

[8]  مجلة الرسالة/العدد 11/ بتاريخ: 15 - 06 – 1933م

2 + 17 =
وليد قاسم
د. عامر الهوشان
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه