أطفالنا .. المتألمون بصمت .. الضاحكون ببراءة
7 محرم 1439
د. خالد رُوشه

قلوبهم الصغيرة تصدق كل ما يقال لهم من كلمات ، وتصادق كل ما حولهم من مخلوقات ، وتحب الناس جميعا ، وتتمنى الخير للعالم كله ..

 

براءتهم تلك التي نضرب بها الأمثال تجعلهم يضحكون دائما ، ويلعبون طوال دقائقهم ، ويغفلون عن الطعام والشراب لأجل البسمات ..

 

لكنها ايضا تجعلهم يبكون سريعا ، ويكرهون سريعا ، وينفرون سريعا ..

 

قلوبهم الصغيرة لا تنسى المواقف عادة, كما أنها لاتنسى الوجوه , وتنطبع فيها ردود الأفعال كما تنطبع فيها أساليب معاملات الأشخاص من حولها , فتبدو وكأنها شريط ذكرى قد تم طبعه وتخزينه بعناية بالغة..

 

إننا في الحقيقة كثيرا ما ننسى أن صرخاتنا ولطماتنا وتخويفنا لهم ينطبع في مخيلتهم اشكالا تؤذيهم ، وصورا تقلقهم وتؤثر في بنائهم النفسي حتى بعد سنين .

 

كثير منا يهمل كلماته وسلوكياته وتعليقاته وردود أفعاله أمامهم ، بحجة أن هؤلاء لايزالون أطفالا ، وأنهم لن يدركوا المعاني ولن يذكروا المواقف ..

 

كثيرون يغفلون أن قلوبهم تتأثر بها ، وأن هذا التأثر قد يظل طوال أيام حياتهم , ولربما أثر ذلك في دواخلهم تغيرا سلبيا ، بل ربما تأثرت بذلك طباعهم بعدما يكبرون .

 

 بل لا نستبعد أن يكون للبيئة السلوكية السلبية أثر كبير فيما يمكن أن يصل لمستوى الانحراف النفسي لدى البعض من هؤلاء الأطفال , فتنبت القسوة في قلوبهم أو ينبت الحقد أو عدم الثقة أو الانطواء عن الناس أو غيره من الأمراض النفسية الباطنة..

 

أطفالنا قطع صغيرة من النقاء والطهر لم تتلوث بعد ولم تعتد سوء أو شرا أو مكرا أو خديعة ، يحبون من يتبسط معهم ويعايشهم وكأنه واحد منهم , وينفرون من الغليظ , ويتحفزون للجاد .

 

المنهج الإسلامي التربوي اهتم بذلك بوضوح ، وتعامل مع نفسية الأطفال ارقى معاملة ، وانتبه كثيرا لهذه المعاني اهتماما ظاهرا ..

 

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى ذاك المعنى بأساليب عملية تطبيقية , تنشىء قلوبا صغيرة كريمة نقية , لاتحمل غلا ولاحقدا ولا أذى لأحد , بل تنشأ على معاني المودة والنقاء والشفافية والمروءة .

 

 يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : " ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إبراهيم – ولده - مسترضعاً في عوالي المدينة وكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت.... قال : فيأخذه ويقبله ثم يرجع " مسلم

 

ورآه رجل يوماً يقبل بعض ولده فقال : أتقبلون أبناءكم ؟ فوالله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم , فرد عليه صلى الله عليه وسلم غاضبا بقوله : " من لا يرحم لا يُرحم "البخاري .

 

وعن البراء رضي الله عنه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي – حفيده – على عاتقه , وهو يقول : اللهم إني أحبه فأحبه " البخاري

 

 

فعن ابي هريرة رضي الله عنه قال : " كنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فإذا سجد رسول الله وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذا رقيقا ووضعهما على الأرض فإذا عاد إلى السجود عادا إلى ظهره حتى قضى صلاته ثم اقعد أحدهما على فخذيه   , يقول أبو هريرة : فقمت إليه فقلت يا رسول الله أردهما ؟ فبرقت برقه في السماء فقال لهما الحقا بأمكما " فمكث ضوءها حتى دخلا " أخرجه أحمد .

 

وعن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم على طعام فإذا الحسين بن على يلعب في الطريق فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يديه ليأخذه فطفق الغلام يفر هنا ويفر هنا , ورسول الله يلاحقه ويضاحكه , بل كان يأخذ أسامه بن زيد والحسن بن علي فيقعدهما على فخذه كل على ناحية ثم يضمهما ويقول : " اللهم ارحمهما فإني أرحمهما " البخاري

 

وحتى في لحظات التعبد جاءته أمامه بنت ابنته زينب فحملها في صلاته فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها .الموطأ

 

وعن محمود بن الربيع رضي الله عنه :" عقلت مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهى وأنا ابن خمس سنين من دلو " البخاري , يعني لازال يذكر كيف دفع صلى الله عليه وسلم الماء من فمه في اتجاهه يداعبه به وكان عمره يومها خمس سنين .

 

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه :" صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج الى أهله وخرجت معه , فاستقبله ولدان , فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا , قال : وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليديه بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطر " مسلم .

4 + 4 =