من معوقات الاستقامة .... الشهوات
29 صفر 1439
د. عامر الهوشان

لا شك أن الاستقامة على طاعة الله تعالى والثبات على التزام أوامره واجتناب نواهيه هي غاية كل مؤمن ومطلب أي مسلم , وكيف لا وهو يدعو مولاه وخالقه عشرات المرات في صلواته كل يوم بأن يهديه الصراط المستقيم وأن يجنبه طريق المغضوب عليهم والضالين : {  اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } الفاتحة 6-7 

 

 

كثيرة هي المعوقات التي لا بد و أن تعترض طريق استقامة المؤمن وتقف حاجزا دون مواصلة سيره إلى الله على هدى وبصيرة , وعديدة هي الانحرافات والالتواءات عن جادة صراط الله المستقيم التي لا محالة ستواجه السائر إلى الله لحرفه عن طريقه إن لم تُجد معه محاولات إيقافه .

 

 

معوقات وانحرافات الصراط المستقيم حذر من خطرها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم , ففي الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ : ( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ : ( هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ مُتَفَرِّقَةٌ - عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ) ثُمَّ قَرَأَ { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }الآية . مسند الإمام أحمد وحسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط .

 

 

تتصدر الشهوات قائمة معوقات طريق استقامة السائرين إلى الله لما لها من فتنة وتزيين وتأثير في النفوس التي جُبلت على حبها وسرعة الانجذاب إلى بريقها وسحرها المخادع , وقد ورد في القرآن الكريم بيان حقيقة حب الناس للشهوات ومدى تأثير فتنتها في النفوس فقال تعالى : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } آل عمران/14 

 

 

لا يمكن حصر عدد المرات التي قطعت فيها الشهوات طريق استقامة أحد الموحدين أو عرقلت استمرار ثبات آخر على منهج الله القويم أو حرفت ثالثا عن خط سبيل الله إلى السبل المتفرقة التي يقف على ناصية كل واحد منها شيطان رجيم ....خصوصا في هذا العصر الذي كثرت فيه موارد الشهوات ومصادرها وتنوعت وتضخمت إلى حد هائل , وأضحت في متناول الصغير والكبير وبين يدي كل إنسان ومن أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله ومن فوقه وتحته .

 

 

فهذا شاب يشتكي كثرة تعثره في طريق استقامته بسبب شهوة النظر إلى المحرمات وعدم قدرته على مقاومة فتنتها أو وقف قوة تأثير زينتها على نفسه التي لم تستطع الصمود أمام إغواء الشيطان  , ويعبر عن مدى خجله من تكرار إخلافه لوعده بعدم العودة إلى هذه الآفة و نقضه لعهده بمواصلة الاستقامة على طريق العفة وغض البصر والتعفف عن النظر إلى ما حرم الله .

 

 

وهذا آخر يتحدث عن شهوة اللهاث وراء جمع المال من غير تفريق بين حلاله وحرامه التي أثقلت خطاه و تنكبت به مرات ومرات عن مواصلة السير في طريق الاستقامة , وهذا ثالث لم يخف فشله وخيبة أمله في مقارعة شهوة الجاه وحب الشهرة التي جعلته قاب قوسين أو أدنى من الانحراف عن منهج الله إلى سبل الشيطان ومنزلاقته - عياذا بالله - .

 

 

لا تكمن خطورة الشهوات في كونها أحد أهم معوقات ثبات الكثير من أبناء الأمة على منهج الله وصراطه المستقيم فحسب , بل ربما يكون الأخطر من ذلك هو دفعها الكثير من شباب المسلمين إلى الركون إليها والاستسلام لزخرفها والتنازل لفتنتها والرضوخ لزينتها والانخداع بوهم عدم القدرة على مقارعتها أو مواجهتها و فقدان الأمل من إمكانية التخلص من غوايتها أو الوصول إلى مرحلة اعتقاد عدم جدوى معالجتها بالتوبة والإنابة بدعوى كثرة عدد الجولات التي خسرها السائر في طريق الله المستقيم أمام نوع من أنواع الشهوة المختلفة .

 

 

ومن هنا كان من واجب الدعاة والمربين والمصلحين أن يحذروا أبناء الأمة - وشبابها على وجه الخصوص - من خطر الانزلاق في اليأس من صلاح توبتهم و قبول أوبتهم إلى الله مهما تكرر منهم السقوط في الزلات واقتراف الذنوب والخطايا , وأن يذكروهم على الدوام أن الله يقبل توبة عبده وأوبته إليه مهما عاد إلى الذنب مرة تلو أخرى ما دام قد استجمع شروط قبول التوبة في كل واحدة منها .

 

 

ففي الحديث عن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه سبحانه وتعالى قال : ( أذنب عبد ذنبًا ، فقال : اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تعالى : أذنب عبدي ذنبًا ، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب ، فقال : أيْ رب اغفر لي ذنبي، فقال تعالى : أذنب عبدي ذنبًا ، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ، ثم عاد فأذنب فقال : أيْ رب اغفر لي ذنبي، فقال تعالى : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء) متفق عليه وفي رواية مسلم : ( اعمل ما شئت فقد غفرت لك ) .

 

 

قال أهل العلم : المراد بـ " اعمل ما شئت فقد غفرت لك " أي : ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك , كما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ببلاد الحرمين ما يؤكد أن معنى الحديث لا إشكال فيه فالعبد ما دام يذنب ثم يستغفر استغفار النادم التائب المقلع من ذنبه العازم أن لا يعود فيه فإن اللَّه يغفر له، ولا يُفهم من قوله: "فليفعل ما شاء" إباحة المعاصي والإثم ، وإنما المعنى هو ما سبق من مغفرة الذنب إذا استغفر وتاب .

1 + 0 =