مواجهة الظروف الصعبة .. رؤية إيمانية
7 ربيع الأول 1439
د. خالد رُوشه

الظروف الصعبة اختبار شاق يمر بالمرء ، تظهر فيه صفاته الحقيقية ، وخفاياه الدفينة ، كما تظهر فيه قدراته الكامنة وإمكاناته المخبوءة ..

والمرء في مواجهة الظروف الصعبة يحتاج قلبا مطمئنا ، وعقلا ناضجا ، ونفسا هادئة سوية .

 

ويختلف الناس امام ظروفهم الصعبة بحسب قلوبهم هل هي قريبة من الله سبحانه او بعيدة ، وعقولهم ، هل هي ناضجة أو هامشية ، ونفوسهم هل هي هادئة سوية أم أنها نافرة مضطربة !

 

فالمرء الذي يعود إلى ربه في أزماته ويتوكل عليه سبحانه في حلها , ويرجوه ويلح في دعائه أن يفرجها عنه واثقا في ذلك وموقنا به ومسَلما أمره له سبحانه فهو الأجدر أن تحل مشكلاته وينجو من أزماته .

 

والذي يلتفت إلى الماديات بعيدا عن ربه سبحانه , ويظن أن الحياة المادية تكفيه في حل مشكلاته ومواجهة ظروفه الصعبة فهو مغرور ما يلبث أن يفجع في نفسه وفي دنياه , قال سبحانه : " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يغيظ ,, "

 

ان القلب المطمئن الذي تملؤه السكينة الإيمانية يتلقى الأزمات بثبات وهدوء , فهو يعلم أن ماأصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه .

 

 فهو راض بقضاء ربه سبحانه , صابر صبرا جميلا , أما القلب المكدوس في الدنيا وزخرفها فهو يعتصر ألما عند المشكلات ويحترق غيظا إذا ماأصابته مصيبة فيما يراه من مكتسباته مما أنفق فيه زهرة حياته , فهو مصدوم مشلول الحركة تجاه مصائبه وأزماته , أو أنه متخبط متردد ثائر تائه !

 

وفي الحديث لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة تبكي ابنها بكاء شديدا وتصرخ قال لها :" اتق الله واصبري " .. " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " أخرجه مسلم

 

وفي الحديث ايضا " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيرا منها ، إلا أخلف الله له خيرا منها " أخرجه مسلم

 

الرؤية الصائبة للازمة عامل آخر مهم للغاية ومؤثر في صحة حلها أو مواجهتها , وصوابية الرؤية تؤدي إلى صوابية الحل ،  فكثير من الناس يصاب بتشويش الرؤية فلا يرى الأمور على حقائقها , وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه " اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه وارني الباطل باطلا وارزقني اجتنباه "

 

فانظر إلى الازمة التي تمر بك من أعلاها لا من جانبها , فصفها لنفسك وصفا دقيقا بغير تهويل ولا تهوين , واعرف أطرافها جيدا , والعوامل المؤثرة فيها , ومدى اثرها المتوقع عليك وعلى من حولك ولا تفتح لنفسك مجالا لتداخل الرؤى بين ما يمر بك من مؤثرات أخرى وبين مشكلتك .

 

الجانب الأهم في المواقف لصعبة هو أن نواجه مشكلاتها ولا نهرب منها  , وأقصد بمواجهتها وضعها على طاولة التفكير والنظر والبحث لدراستها دراسة جيدة , فالذين يهربون من مواجهة مشكلاتهم تظل مشكلاتهم وأزماتهم بغير حل أو انقضاء , بل إن بعضهم يظل قيد مشكلته حتى بعدما تنقضي المشكلة .

 

والبعض يلحق به أزى مرضي سواء أكان نفسيا أو عضويا بسبب عدم مواجهة مشكلته أو الانزواء عنها أو الخوف من مواجهتها , فتجد كثيرا من أمراض الاكتئاب وكثرة النوم والانطواء سببه ضغط الأزمات وعدم الرغبة في مواجهتها .

 

وبدلا من تضييع وقتك وجهدك تأسفا على ما حدث لك , وسقوطك في التيه النفسي تقليبا في أحداث مااصابك , فأولى لك أن تتفكر في أسباب ما حصل لك , فإن كان أمرا قدريا ليس لك فيه دور فعليك بقبوله والصبر عليه , وسؤال الله التثبيت لنفسك و فإنما هو ابتلاء يبتلي الله سبحانه به عباده و وعليك أن تدرب نفسك على تقبله .

 

وإن كانت أزمة ذات جذور فتفكر في اسبابها , فالتفكير في الاسباب جزء من التفكير في الحل , والموفق من وفقه الله الى مسببات الأشياء فتوكل على الله في الأخذ بأسبابها .

 

ومن الحكمة في مواجهة الأزمات ان تضع لها حلولا مختلفة , وألا تقتصر على حل واحد , بل إن بدائل الحلول هي كلمة السر في حل الأزمات , وكلما كان البديل واقعيا وقريبا من الإمكانات والقدرات كلما كان أقرب للتطبيق . ويجب ان تعلم نفسك أنك إذا اخترت حلا بديلا وبدات فيه فإياك أن تتردد , بل سر فيه مادمت قد اتخذت خطواتك سليمة كما بينا لك . ( من المهم دراسة مواقف النبوة في الاختيار والحزم عند القرار وعدم التردد بعد الوصول للحلول - موقفه في أحد كمثال ) 

 

و بعد تفنيد اسباب ما تواجهه , ووصفه وصفا دقيقا بعيدا عن التوتر , ووضع خيارات الحلول الذاتية , جاء الدور على استشارة أهل الخبرة والعلم , فاستشارتهم تضيف علما إلى علمنا وخبرة إلى خبرتنا في مواجهة الأزمة , ثم علينا أن نضيف آراءهم وما تفضلوا به من اقتراحات ورؤى الى ما سبقناهم فيه ثم نضع وصفا جديدا وصورة نهائية للازمة وحلها .

 

وتأتي استخارة الله العظيم سبحانه قبل الهموم والبدء بالعمل وبالحل كأمر أساسي ومبارك في حل الأزمة ومواجهتها , بل أنا دائما أنظر إلى الاستخارة وكأنها بوصلة في الطريق توجهنا نحو هدف مرجو صحيح .

لماذا ﻻيوجد كتاب يدرس في معاهد المسلمين لمثل هذا الموضوع على غراركتاب دع القلق وابدأ الحياة لكارنيجي
1 + 3 =