8 ربيع الأول 1439

السؤال

حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ،وهجرته ،وغير ذلك ؟.

أجاب عنها:
محمد بن إبراهيم آل الشيخ

الجواب

الحمد لله ـ لم يكن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مشروعاً ولا معروفاً لدى السلف الصالح رضوان الله عليهم ، ولم يفعلوه مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه،ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، فهم أحق بالخير وأشد محبة للرسول صلى الله عليه وسلم وأبلغ تعظيماً له ، وهم الذين هاجروا معه وتركوا أوطانهم وأموالهم وأهليهم ،وجاهدوا معه حتى قتلوا دونه ،وفدوه بأنفسهم وأموالهم رضي الله عنهم وأرضاهم ، فلما كان غير معروف لدى السلف الصالح ولم يفعلوه وهم القرون المفضلة دل على أنه بدعة محدثة ، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :" أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " وروى أصحاب السنن عن العرباض ابن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " قال شيخ الإسلام ابن تيمية : لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية وهي قوله :" كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها ، وأن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل ،وقال : إن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده .

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه وفي رواية لمسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " تعرف بذلك أن هذا العمل لما كان مخالفاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه ، لأنه محدث لم يكن عليه عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم .
إذا عرف هذا فالاحتفال بالمولد بدعة محدث مردود على فاعله ، وهو يختلف بحسب على فاعله ،وهو يختلف بحسب ما يعمل فيه من البدع والمحرمات ، فإن خلا من المحرمات عموماً واقتصر فيه على عمل الدعوة من طعام وشراب وطيب ولم يحضره مردان ولا اختلط الرجال بالنسوان واعتقد فاعله أن هذامن الدين الذي يتقرب به إلى رب العالمين فهذا بدعة محدث مردود على فاعله .
وإن انضم إلى ذلك مايفعله كثير ممن يقيمون الاحتفالات بالموالد من استعمال الأغاني وآلات الطرب وقلة احترام كتاب الله تعالى ، فإنهم يجمعون في هذه الاحتفالات بينه وبين والأغاني ويبدؤن به وقصدهم الأغاني ، ولذلك ترى بعض السامعين إذا طول القارئ القراءة يملون ويتثاقلون منه لكونه طول عليهم .
وكذلك الافتتان بالمردان فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شاباً لطيف الصورة حسن الهيئة فتجدهم يتثنون ويتكسرون في مشيتهم وحركاتهم ويرقصون ويتعانقون فتأخذهم أحوال النفوس الرديئة ويتمكن منهم الشيطان وتقوى فيهم النفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله من ذلك .
وكذلك ما يحضره من النساء وافتتان الرجال بهن ، وتطلعهم إليهن ،وسماع أصواتهن ،وتصفيقهن ، و غير ذلك مما يكون سبباً لوقوع مفاسد عظيمة ،إلى غير ذلك من الفتن والمفاسد التي لا تخفى على من عرف أحوالهم .

وهذه البدعة أول من أحدثها أبو سعيد كوكابوري بن أبي الحسن علي بن باتكين في القرن السادس الهجري ، ولم يزل العلماء المحققون ينهون عنها ، وينكرون مايقع فيها من البدع والمحرمات منذ حدثت حتى الآن ،وإليك بعض ما قالوا :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلكواتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ، ولا يستحب ذلك إلا لجاهل أو زنديق .
وقال العلامة تاج الدين علي بن عمر اللخمي الكندري المشهور بالفاكهاني في رسالته في المولد المسماة " بالمورد ، في الكلام على المولد " قال في النوع الخالي من المحرمات : لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ،ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون ، وشهوة اعتنى بها الأكالون ، بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة : إما أن يكون واجباً ، أو مندوباً ، أو مباحاً ، أو مكروهاً ، أو محرماً ، فليس بواجب إجماعاً ،ولا مندوباً ، لأن حقيقة المندوب ماطلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت , ولا جائز أن يكون مباحاً بإجماع المسلمين ، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو محرماً .

ثم صور الفاكهاني نوع المولد الذي تكلم فيه بما ذكرناه : بأن يعمل رجل من عين ماله لأله وأصحابه وعياله ، ولا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ، ولا يقترفون شيئاً من الآثام وقال : فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروه وشناعة ، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام ، وعلماء الأنام إلى أن قال الفاكهاني في " النوع الثاني " من المولد : وهو أن تدخله الجناية ، وتقوى به العناية ، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملئى بآلات الباطل من الدفوف والشابابات ، واجتماع الرجال مع الشبان المرد والنساء الفاتنات ، إما مختلطات بهم أو مشرفات ، ويرقصن بالتثني والانعطاف والإستغراق في اللهو .
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان ، ولا يستحسنه ذو المروءة من الفتيان ، وإنما يحلو لنفوس موتى القلوب ، وغير المستقلين من الآثام والذنوب ،وأزيدك أنهم يرونه من العبادات ، لا من الأمور والمنكرات ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وقال ابن الحاج في " المدخل " : إن نية المولد بدعة ، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بقراءة صحيح البخاري .
وقال ابن حجر الهيثمي في " الفتاوى الحديثة" : إن الموالد التي تفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور ، ولو لم يكن منها إلا رؤية النساء الرجال الأجانب لكفى ذلك في المنع ، وذكر إنما يوجد في تلك الموالد من الخير لا يبررها مادامت كذلك القاعدة المشهورة : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
وأما كونهم يرون أن من لم يفعل هذا فهو مقصر بحقوق النبي صلى الله عليه وسلم ومتنقص له .

فجوابه : وأي تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الاحتفالات التي وصفها العلماء بما تمجه الأسماع ، وتنفر منه سليمة الطباع ، أليس المرجع في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره إلى ما يفعله به أصحابه وأهل بيته ، وما فعله التابعون وتابعوهم بإحسان المشهود لهم بالخير ، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم " كلّ بدعة ضلالة " وقوله " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وعن حذيفة رضي الله عنه : كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها ، فإن الأول لم يترك للآخر مقالاً .
وأيضاً فأكثر ما يقصد من تلك الاحتفالات التي تقام للرؤساء ونحوهم إنما هو الذكرى وبقاء أسمائهم ،والنبي صلى الله عليه وسلم قد أُعطى من ذلك ما لم يعطه أحد غيره ، فقد رفع الله له ذكره دائماً قال تعالى :[ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذين أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك] فذكره صلى الله عليه وسلم مرفوع ومقرون بذكر ربه كما في الأذان والإقامة وخطبة الجمعة وغيرها .
وفي الصلوات ،وفي التشهد ،وغيرها ، فهو صلى الله عليه وسلم أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط .
وقال السيد محمد رشيد رضى في كتابه " ذكرى المولد النبوي" : إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم في أمر الدين والدنيا ، لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس ، فيعملونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوى بها أمر المعظم ويعتز بها دينه .

وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل ، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني ، ولاشك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم ، وليس من تعظيمه أن يبتدع في دينه شيء نعظمه به وإن كان بحسن نية ، فقد كان جل ما أحدث أهل الممل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية ، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم ، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع لضاع أصل ديننا أيضاً ،ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل ، فعلينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ . انتهى .
وفيما ذكرنا كفاية لإيضاح حكم الاحتفالات بالموالد ، وبيان مايفعل فيها من البدع والمفاسد .

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أ. د. عثمان جمعة ضميرية
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي
د. عبد الرحمن بن عوض القرني
عبد الله بن صالح الفوزان