أنت هنا

حتى لا تكون وحدة مغشوشة
8 رجب 1425

موضوع الوحدة الإسلامية أو الحوار بين الفصائل الإسلامية أو بين الدعاة و العلماء أو أي شكل من أشكال التقارب المبني على أسس راسخة ، كل هذا مطلوب ، بل هو في الواجبات ، وقد كتب عن هذه الوحدة الكثير ويتحدث الناس حولها دائماً ، وذلك للحاجة الماسة إليها خاصة في مثل الظروف التي نمر بها ، ولكن هل يعني هذا أن نقوم بأي عمل يكتب عليه لافتة ( الوحدة ) أو التجمع ولو كانت أسسه واهية، هل نجتمع على ( غش ) حتى نرضي بعض الناس أو حتى يقال: إننا نعمل للوحدة ، وحتى لو أن بعض الجهات تستغل هذه الوحدة لمصالحها الخاصة أو مصالحا الأنانية .
إن من أسباب نجاح التجمعات الكبيرة أن يتفق الجميع على أسس مشتركة، والانسجام في كثير في المواقف، ووجود الجذور الثقافية و التاريخية ، ولذلك مثلت كثير في الحوارات و مشاريع الوحدة؛ لأنها لم تبن على أسس واضحة بينة أو كان كل طرف يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة، ولنضرب أمثلة في تجارب وقعت وهي تجارب كبيرة، مثل: المؤتمر الجزائري الإسلامي الذي دعا إليه الشيخ عبدالحميد بن باديس _رحمة الله_ في عام 1936 م، والتقى فيه معظم اتجاهات الشعب الجزائري ، وعقد المؤتمر وتشكلت لجان ولكن سرعان ما تراخت الجهود وتوقف المؤتمر؛ وذلك لغياب الانسجام الثقافي ، فالذي تولى رئاسة المؤتمر كان في السياسيين الانتهازيين ، وتحولت جهود المؤتمر إلى طلب حقوق الشعب الجزائري ، وكان الأولى أن يفرض شروطه على فرنسا .
ومثال آخر في مؤتمر غير إسلامي وإن حضرته دول إسلامية، وهو: المؤتمر الأفريقي الآسيوي الذي انعقد في ( باندونغ ) في إندونيسيا عام 1955 م ، وبعد ثلاث سنوات من إقامته فشل المؤتمر؛ لعدم وجود الانسجام الضروري ثقافياً وسياسياً و اقتصاديا، وأما نجاح السوق الأوربية المشتركة رغم اختلاف المذاهب الدينية و اختلاف المذاهب الدينية و اختلاف اللغة وبعض المصالح فيرجع إلى أنه بني على روية وهدوء خلال خمسين سنة دارت فيه حوارات و مناقشات مع وجود المصالح المشتركة لقارة أوربا، فالمصالح سياسية و اقتصادية، والذي قام بعبء هذه الوحدة الدولتان الكبيرتان فرنسا و ألمانيا .
فهل تقوم وحدة بين المسلمين – من غير الدول – مع استبعاد الاتجاه الأصل الذي يتبن منهج أهل السنة والجماعة عقيدة وسلوكاً و فكراً ؟ لقد أصل شيخ الإسلام ابن تيميه لهذا الموضوع ورسم الدوائر ووضع كل في دائرته الحقيقة دون ظلم ولا هضم.
ففي الدائرة الأولى أهل السنة من الفقهاء و المحدثين الذين تابعوا الأجيال الثلاثة المفضلة في مسائل الإيمان و غيرها من مسائل العقيدة، وفي منهج فهم و دراسة القران و السنة ، وفي الدائرة الثانية أهل السنة ممن التزم علم الكلام، و في الدائرة الثالثة ذكر المعتزلة ، فإنهم مع بعدهم عن المنهج الصحيح في مسائل كثيرة، لكن لهم حسنات في الدفاع عن الإسلام أمام أهل الإلحاد و الزندقة ، ونشرهم الإسلام في أماكن بعيدة و مؤلفاتهم النافعة في الدفاع عن الرسول _صلى الله علية وسلم_ ثم الخوارج الذين و إن جاءت الآثار بذمهم، ولكنهم بعيدون عن الكذب و الافتراء ، صادقون في معاملاتهم و ليسوا كالرافضة و الباطنية، الذين هم أكثر الناس تصديقاً للكذب و تكذيباً للصدق كما وصفهم ابن تيمية .
فهذا هو العدل و الإنصاف ، وهو الميزان الذي أمر الله به في كتابه الحكيم ولا يوضعون في ( سلة واحدة ) كما يقال .
وعند ما قام الخوارج بثورة على الدولة العبيدية الباطنية في شمال أفريقيا ، وهاجموا عاصمتهم ( المهدية ) أيدهم علماء المالكية وخرجوا معهم وقالوا: نكون مع أهل البدعة في مواجهة الكفر، ولكن الخوارج بطشوا بأهل السنة أيضاً، وقالوا: هؤلاء أعداؤنا أيضاً .
إن الذين يقيمون المؤتمرات التجميعية و يصفون اللافتات الكبيرة هؤلاء يقلبون الدوائر التي تكلم عنها ابن تيميه .
فيضعون في الدائرة الأولى من هو في الدائرة الأخيرة، وهذا ظلم لا يوفق الله من يمارسه ويعلنه للناس، و إنني أخشى أن يكون بعض أهل السنة باجتهاداتهم الخاطئة يمثلون حصان طراودة ، فيدخل من خلاله أهل البدع الكبيرة والباطنيون وكل أفاك أثيم .

في هذا الزمن كثرت الصيحات في طلب وحدة للأمة وهو قول حق لكن المشكلة أن الكثير ممن يطالب بتلك الوحدة يريدنا أن نتحد مع الكل باسم التراب أو اللغة أو أي شكل ؟ وهذا محال (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ () إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود : 118 - 119)<br>

مقال جميل .. رغم مايشوبه من أخطاء إملائية مزعجة..نرجو انتباه الإخوة المحررين لذلك ..<br>

جزاك الله خيراً شيخنا أبا أنس فقد وضعت النقاط على الحروف ، وأوضحت الفكرة بأسلوب لطيف ، وطرح واضح مؤدب ، ويلله ما أحوجنا الي مثل هذا الأسلوب ، مزيد من المشاركات المنهجية والمقالات التصحيحة .<br>
4 + 5 =