أنت هنا

إعصار ريتا.. كاترينا : نفرح أو لا نفرح؟
1 رمضان 1426


إعصار: ريتا.. كاترينا. يذكرنا بالريح الصرصر العاتية، التي نزلت بقوم عاد، قال الله تعالى:
{كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.


قوم عاد ضربوا في القرآن مثلا: لأمة أعطيت القوة والشدة، والبناء العظيم، التي لم يخلق مثلها في البلاد، فما شكروا ولا عدلوا، بل طغوا وقالوا: من أشد منا قوة. قال تعالى:
{فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد  منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}.
قوم عاد استكبروا على عبادة الله وحده، وسخروا من إفراده وحده بالعبودية لما دعوا إليه، قال تعالى:
{قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.
فلما قامت حجة الله عليهم، فما استكانوا ولا تضرعوا، أخذهم العذاب: ريح تدمر كل شيء. قال تعالى:
{فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون}.
{وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى * كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية }.


روى الإمام أحمد بسنده، وأخرجه الشيخان، عن عائشة رضي الله عنها قالت:
ما رأيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ مستجمعا ضاحكا قط، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيما، أو ريحا، عرف ذلك في وجهه. قالت: يا رسول الله!، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟، قال: يا عائشة!، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا.


قال الله تعالى:
{واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين}.


كان ذلك في القرون الخالية، نسمع بقوم عاد، وأنهم كانوا يسكنون الأحقاف، في جنوب جزيرة العرب، وأنهم أهلكوا بريح صرر عاتية، ونعجب لريح تفعل هذا الفعل، في قوم أشد الناس أجساما: {وزادكم في الخلق بسطة}، وأشد الناس بناء: {إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد}، ولولا أنه حكي في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لبقينا شاكين، مترددين: نصدق، أو لا نصدق.
لكن "إعصار كاترينا" طمأن قلوبنا، وزادنا يقيناً، فنرجو أن نكون كما قال إبراهيم لربه _تعالى_، لما سأله أن يريه كيف يحي الموتى؟: {قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}.


الإعصار كان ريحا صرصرا: شديدة، باردة، لها صوت مزعج. وقد فعل ما رآه الناس أجمع في كل مكان بأقوى أمة على الأرض اليوم:
أمة لا تزال تقول: من أشد منا قوة.
أمة تسيح في الأرض تفعل ما تشاء بالأمم الضعيفة، بالمحو والاحتلال، واغتصاب الثروات.
أمة بنت الشاهق في كل ريع، واتخذت المصانع لعلها تبقى خالدة.
أمة فتنت العالم بقوتها، وهيبتها، وجبروتها، حتى خضع لها الضعيف، واحتار في أمرها الرشيد.


وقفت عاجزة لا تقدر أن توقف ريحا، قد علمت بأنها آتية؛ أي لم تأتها بغتة، بل جهرة علانية، فلم تملك غير الانتظار والتسليم للقدر المحتم..!!.. تحصي ما يمكن أن يبقى ويسلم، بعد أن تعذر عليها إحصاء ما سيذهب ويتلف، فجاءت حثيثا، فظلت ترقب عيثها، وإفسادها، وإهلاكها الحرث والنسل، فلم تبق ولم تذر، وتركت الأرض قاعا صفصفا، مدينة بكاملها (نيو أولينز) خليت من سكانها، فلم يبق أحد، صارت كأحقاف عاد لما أتاهم الريح: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم}، ولم تنجل الريح إلا بإذن ربها.
فأين هي..؟، وأين قوتها..؟، وأين جبروتها..؟!.


إن آية عاد تجلت اليوم في إعصار ريتا.. كاترينا، والله _تعالى_ يري آياته للناس كل يوم: {لعلهم يتقون}..!!.
آية لكل ظالم، يأكل حقوق الضعفاء، يغتر بقوته، وببنائه الشاهق، وعلوه في الأرض:
{وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عاد كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود }.


الفرح منوط بالمحل.
فأهم ما في الحدث هو هذه العظة والعبرة، والوقوف عندها، لنعلم سنة الله _تعالى_ في عباده:
{ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد * إن في ذلك لآية}.
غير أن طائفة من الناس تركت هذه العبرة العظيمة، فجنحت إلى مسألة أخرى هي:
هل نفرح بما أصابهم، أولا نفرح؟.


وقد ذهبت بالمسألة شوطا بعيدا، فدخلت في اتهام النيات والمقاصد:
فصار من يؤيد الفرح: يتهم من لا يؤيد بالجبن، والانهزام، ومرض القلب، والإفساد في الأرض.
وصار من لا يؤيد الفرح: يتهم المؤيد بانعدام الضمير، والرحمة، والإنسانية.
وهكذا شأن الناس اليوم في الاتهام..!!..
والمسألة تحتاج إلى تمهل، وتجنب التعميم في الأحكام، نعم يوجد في الجانبين من هو كذلك، لكن ليس كلهم كذلك..!!.
ليس كل من فرح، فهو: معدوم الإنسانية، والرحمة، والضمير.
وليس كل من لم يفرح، فهو: جبان، منهزم، أو مريض القلب.
بل يوجد من الذين فرحوا من هو أكثر الناس رحمة، وإنسانية، كما يوجد في الذين لم يفرحوا، من هو أعظم الناس إيمانا، وصلاحا، وإصلاحا.
غير أن المشكلة أتت: من أن كل فريق نظر إلى المسألة من جانب، دون جانب، فلأجله اختلف الحكم.
فالواجب إذن: التمهل، ونظر كل فريق في حقيقة قول الآخر، وما يريده، وما الذي تعلق به قوله وحكمه؟، سواء كان بالفرح أو بالمنع.


وحاصل الخلاف بين الفريقين:
أن من سوغ الفرح بهذا المصاب، فمن جهة: أن هذا الإعصار آذى وأضر بالدولة نفسها، وسياساتها، وحملها جراء ذلك خسائر باهظة، تفيد في كف شرها وعدوانها على المسلمين، الذين اصطلوا نارها: تدخلا، واحتلالا، وقتلا، ونهبا للثروات. فهو يرى أن هذه عقوبة من الله تعالى على فعلها الظالم، واستجابة لدعوات المظلومين، وهو يفرح؛ لأن في ذلك كف عدوانها، وانشغالها بنفسها.
ومن لم يسوغ الفرح، ودعا إلى المؤاساة، فمن جهة: أن الأذى لحق بالضعفاء، الذين لا حيلة لهم، ولا يد لهم في عدوان دولتهم على المسلمين، بل كثير منهم معارضون، فكيف يؤاخذون بجريرة غيرهم، والله _تعالى_ يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}؟!. فهو يرى أنهم لا يستحقون الفرح بمصابهم؛ لأنهم ما آذوا. ويرى مواساتهم؛ لأن في ذلك التقرب إليهم بالإسلام، ففي المحن تلين القلوب، وتعرف لأهل العون فضلهم، فهذه فرصة لدعوتهم إلى الإسلام.
فإذا كان الأمر كذلك، فالمسوغات مقبولة، والمواقف مقبولة.
لكن الذي لا يسوغ، ولا يقبل: الفرح بمصاب الضعفاء الأبرياء، من عامة الناس، من جهتين:


الأول: تعطيل دلالة قوله _تعالى_: { ولا تزر وازرة وزر أخرى}، المقتضي: عدم تحميل أحد وزر غيره.
الثاني: أن الإسلام لا يأمر بالفرح بمصاب الضعفاء؛ لأن أصله الرحمة:{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، فحيث كان إليها سبيل، فلا يستعاض عنها إلا إذا تعذرت.
كما لا يسوغ، ولا يقبل: منع الفرح بمصاب الدولة التي آذت وحاربت المسلمين، من جهة أنه:
تعطيل لدلالة قوله _تعالى_: {ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم }، المقتضي جواز الفرح.
ولا مانع من اجتماع الفرح والأسى في الأمر الواحد، كالوالد يفرح ويحزن بما يصيب ولده العاق الفاجر، فيفرح لأجل كف شره عنه وعن غيره، ويحزن لأنه ولده.


الشعب مشارك أم لا؟.
قال القائل: الشعب، الذي تسميه ضعفاء، مشاركون في العدوان: بالانتخاب والتأييد، والعون بالمال.
فهم الذين انتخبوا الرئيس، الذي جرهم إلى العدوان على المسلمين، فهم مؤيدون له ولأعماله.
وهم يدفعون الضرائب، التي ينفق منها على السلاح، والحرب، والاحتلال.
فكيف يقال: إنهم ضعفاء، أبرياء، لا ذنب لهم؟!.
فالجواب: ثمة أمور هنا خاطئة، هي التي أوجبت هذه الدعوى..!!.
فأما عن الانتخاب:
فليس كل الشعب ينتخب، بل نصفه وأكثر لا يأبه بالانتخابات أصلا، ولا يدخل في الترشيحات، إما لأنه لا يأبه لهذه الأمور بطبيعته وانشغاله بنفسه، وإما لأنه لا يثق بنزاهة العملية الديمقراطية، وصدقيتها، ويدرك أن ثمة جهات معينة معروفة (الشركات العابرة للقارات) هي التي تحدد من سيفوز بالرئاسة، وما عامة الناس إلا صورة تزين بها الانتخابات، يخدع بها من لا يفهم، ليظن أن القرار والاختيار: قرار واختيار الشعب.
فما بقي إذن إلا النصف هو الذي ينتخب.. وهذا النصف: ليس كله ينتخب الرئيس الفائز، بل تتوزع أصواته بين المرشحين، فلا يبقى للفائز من الأصوات إلا ما دون النصف، ونسبته إلى مجموع الشعب: أقل من الربع.
والمحصلة أن الذين اختاروا وانتخبوا أقل من ربع الشعب.. وهذه النتيجة حقيقية لا وهمية، وعليه فتسقط دعوى أن الشعب كله انتخب، فكله مشارك في آثام وأخطاء حكومته، فهو محارب مثله.!!.
وأما الضرائب:
فالنظام الضريبي يضرب على القادرين ماليا، ولا يسعهم التخلص منه، فقوة النظام تسجن الممتنع، وترهن ممتلكاته، وتبيعها بالمزاد.. فهو أمر لا يقدرون على دفعه، ولا يد لهم في أوجه تصريف المال، وهم يعترضون، كما يرى المتابع، على الإنفاق العسكري والحربي، لكن في الغالب لا يسمع لهم.
فإذا كان كذلك: فكيف يحملون المسؤولية؟.
ويقال: هؤلاء المسلمون الذين يعيشون في الولايات المتحدة، وقد حصلوا على جنسيتها، فصاروا مواطنين لها، ماذا حكمهم؟.
إنهم يدفعون الضرائب كذلك، فهل هم أيضا مشاركون في العدوان؟!.
إن قيل: يفرق في هذا بين المسلم والكافر.
قيل: نصرة الكافر على المسلم كفر: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، فمن نصرهم فهو منهم، ودفع المال لقتال المسلمين من النصرة.. وعليه فلا فرق إذن.


والذي يقال هنا: أنه ما دفع عنهم الكفر، إلا أنهم معذورون بالإكراه والاضطرار. وكذلك غير المحاربين معذورون بذلك، فالاضطرار والإكراه يستوي فيه المسلم والكافر، كلاهما يعذران به.
الذي يحتمل المسؤولية، الذي يدفع باختياره، والذي يصرف المال في القنوات الحربية باختياره، أما الذي لايملك، ويقهر على دفع الضرائب: كيف يحتمل الوزر وهو مكره، وقد علمنا من ديننا أن المكره معذور؟!.
وإذا أضفنا إلى ذلك:
ما رأيناه وسمعناه من اعتراضات، ومظاهرات هذا الشعب، ضد سياسات حكومته، ورفضه لها، وإعلان طوائف منهم وأفراد أنهم مع حقوق الشعوب المسلوبة، والمحتلة، من المسلمين، وثبت صدقهم بأدلة كثيرة، لا يمكن الادعاء أنها خداع أو تمثيل:
فهل يصح بعد هذا كله: القول بإن هذا الشعب مشارك في عدوان حكومته، وظلمها للمسلمين؟!.


إن العدل من سمات المسلم، والله _تعالى_ يقول:
{ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}.
{ولا يجرمنكم شنئآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.
فديننا لا يأذن بتوسيع دائرة العقوبة، والانتقام، أو التشفي والفرح، ولو كان لأجل نصرة الدين، إلا ما كان خارجا عن القدرة، ومتعذرا على التحكم، كالحرب قد يقتل فيها من لا يحارب خطأ، هذا والوصايا النبوية في الحرب اجتناب: الضعيف، والشيخ، والمرأة، والصغير، والعابد، والجريح.. ونحوهم.
وإن الحكمة من سمات المسلم، ومن الحكمة:
أنه إذا كان ثمة طوائف أو شعوب أو أفراد أو دول غير مسلمة، لم تتعرض لنا بشيء من الأذى، وبعضها نصيرة لقضايا المسلمين، ترفض احتلال بلدانهم، واغتصاب ثرواتهم، وإذلالهم، وتكتب منتقدة حكوماتها في ذلك، وتخرج متظاهرة ضد ذلك، كما خرجوا بمئات الآلاف والملايين في لندن وغيرها، فتفعل ما لا يفعله المسلمون لقضاياهم، فليس من الحكمة تحميلها آثام وأخطاء حكومتها، ومحاسبتهم بها..!!.
فهذا الظلم عينه، وانتفاء الحكمة: فهل يعقل أن نساوي بين من ظلم وتعدي، ومن حارب هذا الظلم والتعدي، وجازف بنفسه:
فناله أذى، كما حصل للنائب البريطاني جورج غالاوي، الذي تعرض لكثير من الاتهامات بسبب رفضه لسياسات حكومته، واعتراضه على سياسة الولايات المتحدة في دعم إسرائيل، واحتلال العراق، وتكلم في ذلك بكلام يشف الصدور.


وربما قتل لأجل ذلك، كما حصل للفتاة الأمريكية راشيل، التي دهستها جرافة إسرائيلية، وقفت أمامها تمنعها بجسدها من هدم منزل لفلسطيني.
والأمثلة كثيرة، لو تتبعنا.. فالواجب: اغتنام هذه الأصوات، والاستفادة منها، لا خسرانها. فهؤلاء ليسوا محاربين، ولا معتدين.. هؤلاء مسالمين، بل مناصرين للمسلمين..!!.
أما كونهم كفارا، فأمرهم إلى الله _تعالى_، ولعل الله _تعالى_ يهديهم، وهذه مهمة المسلمين، ولا يمكن أن يصلوا إلى هذه الغاية إلا (بالعدل، والحكمة)، وفي الكفار من هو عادل، ونبينا صلى الله عليه وسلم علمنا كيف نفيد من هذه الفئات، لما أرسل المستضعفين من المسلمين إلى الحبشة، وذكر: أن فيها ملكا لا يظلم أحد عنده. [انظر: السيرة النبوية الصحيحة 1/170] فقد أمنه على المسلمين لعدله، فما كان أسرع إسلامه على أيديهم، لما رأى منهم من حكمة وعدل وديانة، فهلا كنا مثلهم مع أقوام هم مثل النجاشي قبل إسلامه؟.


أليس الكفار أعداء الله؟.
قال القائل: هؤلاء كفار ليسوا مؤمنين، وهم أعداء الله _تعالى_، فلم لا نفرح بما يصيب أعداء الله؟!.
وفي الجواب يقال: هذا الاعتراض يتضمن من الأمور ما يلي:
إن كل كافر هو عدو لله _تعالى_.
إن الفرح بمصاب كل كافر سائغ، لما كان عدوا لله _تعالى_.
إن الفرح بمصابهم هو: مقتضى البراء من الكافرين.
من العدو؟.
من المعلوم أن الكفار منهم: المحارب، والمسالم. فهذا المحارب قد خلصنا من أمره، هو: عدو لله _تعالى_. وأما المسالم: فمنه العالم، والجاهل. فهذا الجاهل لا يستحق وصف العداوة، فلا موجب لوصفه بذلك:
فإنه لم يتقدم بأذى ولا كيد، ومعلوم أنهما علة في الوصف بالعداوة.
وهو لا يعرف الإسلام، فاعتقاداته الباطلة في حق الله _تعالى_، مع كونها عدوان على مقام الرب جل شأنه، إلا أنه لا يدري ما هو عليه؟، والله تعالى لا يؤاخذ عباده إلا بعد العلم.
فالجاهل المسالم لا يسوغ وصفه بالعداوة لله _تعالى_؛ لأن المناط لم يتحقق في حقه، وقد دلت النصوص على أن صفة العداوة لا تلحق الكافر، إلا إذا عرف الإسلام، ثم أصر وعاند، وحارب وترصد بالإسلام والمسلمين فهو عدو لله _تعالى_، قال _تعالى_:
{وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}.
فلم يحكم بعداوته بمجرد الكفر؛ فإن أبا إبراهيم _عليه السلام_ كان كافرا منذ البداية، ثم إن إبراهيم لم يتبين له أنه عدو لله إلا بعد مدة، قيل: بعد موته كافرا [تفسير ابن كثير ]؛ أي بعدما تأكد عناده وإصراره على الكفر، وربما تبين بالكيد.. والحاصل: أن العداوة لو حصلت بمجرد الكفر، لعرف أنه عدو لله منذ البداية.


المحارب والمسالم.
فإذا تبين الفرق بين المحارب وغير المحارب من جهة الوصف بالعداوة، فإن الذي ينبني على ذلك:
تسويغ الفرح بما يصيب المحارب، دون من لم يحارب. وأدلة ذلك:
إن الله تعالى فرق بين الكافرين: فجعل منهم المحاربين، والمسالمين. فأذن في البر والقسط بالمسالمين، فقال _تعالى_: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}. والبر: هو الإحسان. والقسط: دفع شيء من المال إلى الضعفاء والفقراء منهم. فكل من لم يتقدم بأذى المسلمين، فلم يقاتلهم، ولم يخرجهم من ديارهم، فيجوز الإحسان إليه، والتصدق عليه بالمال، فإذا جاز هذا، كيف يسوغ الفرح والشماتة بمصابه، والإحسان والشماتة لا يجتمعان؟.
إن الأصل في الإسلام الرحمة، وأما العقوبة بالانتقام والتشفي فذلك استثناء، قال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، فقد حصر علة وسبب الإرسال في الرحمة، وعمم حكمها على العالمين، فشمل المؤمنين والكافرين، وقد تجلت الرحمة في صور كثيرة من الأحكام، فمنها:
أن الحكم بالتفسيق، والتبديع، والتكفير لا يكون إلا بعد إقامة الحجة.
أن الجهاد لا يكون إلا بعد تعذر سبل السلام.
أن الحدود تدرأ بالشبهات، وهي قاعدة معروفة، مردها إلى أن الأصل في الإسلام الرحمة.
أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ طبق الرحمة عمليا: فعفا عن كفار مكة المحاربين، فضلا عن المسالمين، لما تمكن منهم، ولو كان الأصل: الانتقام والعقوبة. لقدمها.
أن الصحابة رضوان الله عليهم اقتدوا به _صلى الله عليه وسلم_ في هذا، فظهر من رحمتهم في الفتوحات ما تأكد به هذا، من ذلك قصة أبي الدرداء في فتح قبرص.
ومن هذا نفهم: أن الغضب والعقوبة والانتقام في الأحكام الدنيوية، والأحكام الأخروية: لا تجب إلا بعد حصول العلم واستنفاد الأعذار.
بالرحمة انتشر الإسلام.
إن الأسى على ضعفاء الكافرين من مقتضى الفضل والإحسان والمروءة، كما هو مقتضى الدعوة:
فإن المسلمين ما نشروا الإسلام في الأرض بالتلذذ والفرح بمصاب كل كافر، ولو كان هذا دأبهم، لما أدخل الناس في دين الله أفواجا، إنما دخلوه بما رأوا من رحمتهم بهم، وخشيتهم عليهم من عذاب الدنيا والآخرة، وقدوتهم في ذلك رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ والأنبياء، وقد ضرب الله لنا في كتابه أمثالا، في خطاب إبراهيم _عليه السلام_ لأبيه:
{يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا}.
وفي خطاب هود _عليه السلام_ لقومه:
{ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد}.
وفي خطاب شعيب _عليه السلام_ لقومه:
{إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط}.
وفي خطاب مؤمن آل فرعون لقومه:
{ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم}.
فإذا كانوا خافوا عليهم عذاب الدنيا والآخرة، فهل الرحمة إلا هذه؟.
وهل يتلاءم الخوف والرحمة، مع الفرح والتشفي بمصاب كل كافر، حتى ولو لم يكن محاربا؟!.
بهذه اللغة، وهذه المفاهيم دخل الأنبياء ودعاة الإسلام إلى قلوب الناس، واستنقذوهم من الظلمات إلى النور، لا بلغة ومفهوم التشفي والفرح بمصابهم.
لا يعرف عن المسلمين مسألة الفرح والتشفي بمصاب الكافرين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم ما يكون خشوعا، وخشية عند الفتح، فقد دخل مكة وذقنه يكاد يمس ظهر راحلته [السيرة النبوية الصحيحة 2/482]، يذكر تقلب الأيام بالناس، وهو يذكر الفتح، فلا هو الذي أظهر وأمر بإظهار الفرح بالفتح، بل كان يوما مهيبا، حتى احتار الناس في قائد وجيش، خالفوا عادة الفاتحين، فلم يظهروا سوى الخضوع، والخشوع، والرحمة بالناس، إذا ملكوا رقابهم، ثم جمعهم في فناء البيت، وقال لهم:
ما تظنون أني فاعل بكم؟، قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. [سيرة ابن هشام]
فهذا في حال قوم محاربين، ما كان أشد أذى عليه منهم، فما فرح بخزيهم، وما أظهر التشفي بهم، بل الرحمة والعفو، فكيف بالله عليكم بأناس ضعاف، لا يد لهم في حرب، وليس لهم ذنب سوى أنهم من قوم محاربين؟
فهل الأخذ بجريرة الغيرة عمدا وقصدا من تعاليم الإسلام؟!.


لما حدثت المعركة الأهلية في راونده، بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، أفنى بعضهم بعضا، فخرج الأضعف يبحث عن ملجأ في كل مكان، حتى الكنائس، لكنهم ما سلموا، دل عليهم القائمون عليها، فقتلوا فيها، لكن بعضهم وجد عند المسلمين ملجأ، فكان هذا سببا في إسلام قبيلة بكاملها، من شيخها إلى صغيرها، وقد أعلن شيخ القبيلة أن سبب إسلامه وقبيلته، وتركه النصرانية: ما وجده من الرحمة لدى المسلمين؟.
فانظر: لو أن المسلمين هناك ما حموهم، وذلك عملا بالرأي القائل: إنه لا أسى على مصاب الكافرين.
فهل كانت هذه القبيلة تدخل الإسلام؟. وهل كان المسلمون يغنمون أجرهم؛ فلا أعز من هداية إنسان.
فهذه غنيمة الرحمة، وإظهار الأسى بحال الكافرين، فهذه مهمة أمة تنظر إلى حالها أنها الأعلى، والأقوى بإيمانها، فترحم، وتعفو، وتصفح، وتعين الإنسان أينما كان، ومهما كان.
{فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولاتزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح واصفح إن الله يحب المحسنين}.


البراء والفرح.
لا تعارض بين البراء وعدم الفرح (=الرحمة)، لا من جهة اللغة، ولا من الاصطلاح.
فالبراء لغة: البعد. والرحمة: الرأفة، والعطف، والرقة. ولا مانع من الرأفة، والعطف، والرقة بالبعيد.
والبراء في الاصطلاح: البغض، وترك النصرة. عكس الولاء: المحبة، والنصرة.
وأما الرحمة: فحركة القلب بالإحسان إلى المرحوم. وحركة القلب بهذا المعنى لا يعارض حركته بالبغض والكراهية. فإنه يصح الجمع بينهما. كمن يرحم ولده الفاجر العاق، وكمن يرحم أمه الكافرة.


والأدلة على جواز الرحمة بالكافرين متعددة منها:
إن الله _تعالى_ مع براءته من الكافرين: {أن الله بريء من المشركين ورسوله}، فهو أرحم الراحمين بهم: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة}.
 إن النبي _صلى الله عليه وسلم_ مع أنه أعظم الناس براءة من الكافرين: {أن الله بريء من المشركين ورسوله}، فهو أرحم الناس بهم: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، حتى إنه كان ليغتم، ويأسى، ويحزن، ويبكي على إعراض قومه، يقول الله تعالى:
{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}؛ أي مهلكها وقاتلها غما وهما من إعراضهم.
{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}.
{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون}.
إن هذا هو الثابت من أحوال الصحابة رضوان الله عليهم:
عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص، فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، ورأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء!، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟، قال: ويحك ياجبير!، ما أهون الخلق على الله، إذا هم تركوه أمره، بينا هي أمة قاهرة، ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى. [حلية الأولياء 1/217، سير أعلام النبلاء 2/351]


فهذا البكاء علته:
رحمة وأسى لما أصابهم من التفريق.
وخشية وخوف من أيام الله _تعالى_.
وليست إحداهما دون الأخرى، فقد بكى للأمرين.
رأى عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ راهبا فبكى، فقال: رأيت هذا، فتذكرت قوله _تعالى_: {عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية}. [تفسير ابن كثير ]
أفتراه بكى خشية تقلب الحال، ولم يبك رحمة وأسى لما يعانيه هذا الراهب، بما فيه عذابه غدا؟.
فإذا جاز وتثبت الأسى عليهم لكفرهم وعدم إيمانهم، فالأسى لما يصيبهم في دنياهم دون ذلك، فليس بعد الكفر مصيبة.


رحمة خاصة، ورحمة عامة.
فلا مانع إذن شرعا: من الأسى لما يصيب الكافر، خصوصاً المسالم، بالقدر المقدر، الذي لا يبلغ أن يكون كالأسى على المسلم؛ لأن المسلم درجته أعلى، والولاء بين المسلمين معقود في صورة الجسد الواحد، وهذا ليس بين المسلم والكافر، فالأصل البراء، ولذا كان الأسى عليه دون ذلك، من جهة الرحمة، والدعوة، لا من جهة الولاء.
أما الفرح بما يصيبهم لأجل أنهم عصاة: فليس بعد الكفر ذنب، فإذا جاز الأسى عليهم مع كفرهم، فالأسى عليهم مع دون ذلك من المعاصي من باب أولى.
فإذا استدل مستدل بقوله _تعالى_:
{ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء}.
{ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم}.
على جواز الفرح بمصاب الكافرين عموما.. قيل:
هذه الآيات في المحاربين ونحوهم، ليست في غير المحاربين، فالمؤمنون يفرحون ويحمدون بما يصيب الكافر المحارب؛ لأن فيه انتقام منه جزاء عدوانه، وفيه كف شره، وانشغاله بنفسه، وهو فرح طبعي جبلي في الإنسان، يحب ويفرح السلامة من الأذى، وفيه حظ ديني: إذ يفرح المسلم بسلامة دينه.
فإذا حاربتنا دولة كافرة، فسعت في إفساد: ديننا، ودنيانا. فلا نلام إذا فرحنا بما يصيبها.
وهنا نشير إلى أولئك الذين منعوا مطلقا الفرح بما يصيب المعتدين الظالمين: أن يعتدلوا في حكمهم..!!.
فإن أحدهم لو ظلم في نفسه، أو أهله، أو ماله: لما رضي بغير الانتقام. ولكان أفرح الناس بمصاب الظالم، ولم يكن ليقبل فيه باعتذار. وهذا كله لأجل حظ نفسه!!..
فإذا ما أصاب المعتدين على الإسلام والمسلمين مصيبة وقارعة، لا يشك أنها عقوبة من الله تعالى: جنح إلى المواساة والتضامن، ومنع المظلومين من الفرح، واتهمهم بموت الضمير، وربما بالإرهاب. وليته إذ واساهم: وعظهم، وذكرهم عاقبة الظلم، فيفيد من مواساته: لعلهم يكفون..!!.
أفيكون حظ نفسه أعظم عنده من حظ الإسلام؟!.
من وقف هذا الموقف، فعليه أن يراجع إيمانه، ودينه، وعقله، وفطرته. فقد خالفها جميعا.


 


 


 


======= 
أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى


 


1 + 1 =