أنت هنا

الدعوي والسياسي: رؤية تأصيلية 1/2
7 ربيع الأول 1428

لعل أعقد إشكالية تواجه الفكر الحركي الإسلامي هي تلك المعادلة التي تصل الدعوي بالسياسي، ذلك أن السياسة في البيت الإسلامي الحركي لا تنضج من داخل منطقها الطبيعي الذي يفترض أن تخضع له الحركة الإسلامية في تلمسها لمعالم الكسب السياسي كما تخضع له باقي الحركات الأخرى، فالسياسة لا تمارس انطلاقا من الوعي بضرورتها وبأولويتها في التغيير المجتمعي أو من فقه الواقع وموازين القوى السائدة فيه. السياسة في البيت الحركي الإسلامي تتأسس من داخل منطق مغاير، تكون فيه من لوازم الدعوة وضروراتها المركزية.

الدعوة إذن وكسبها وحاجات امتدادها تتطلب الاستنجاد بالسياسة كأداة للتواصل الجماهيري ثم كقناة للتدافع القيمي. السياسية يلتجأ لها لاستكمال المشروع الدعوي الذي من طبيعته أنه يجتهد لتوسيع مجالات اشتغاله وامتداده حتى إذا ضاقت به السبل حينها لا يجد غير حقل السياسة وسيلة لتوسيع مجال انسياب خطابه.

واللحظة التي تتدخل فيها السياسة وتمكن للدعوة، وتفتح لها أبواب العمل والامتداد، في هذه اللحظة بالذات تبدأ السياسة بإفراز مشاكلها الطبيعية. فنسق السياسة هو غير نسق الدعوة، فالدعوة خطاب للناس، يتوسل جميع الشرائح، ويخاطبها بأسلوب الرفق واللين، بينما السياسة شغلها الشاغل هو التعبئة وراء مشروع معين، وحمل الناس على الإيمان به، ومدافعة غيره من المشاريع، والسعي نحو التمكين له من خلال المواقع وقنوات التأثير. السياسة بهذا الاعتبار تتوسل خطاب التصنيف وفرز المواقع وتحديد الحلفاء من الخصوم.
في اللحظة التي يتوسع فيها العمل السياسي، ينفصل بمنطقه عن المنطق الدعوي، وتبدأ السياسة تشتغل بنسقها الطبيعي.

وهكذا يبدو من داخل التنظير الإسلامي التمايز بين الدعوة والسياسة، وكأن الأمر يتعلق بمشكلة حقيقية قد يصورها البعض بالانتكاسة أو التساقط، أو الانزلاق وغيرها من النعوت. لكن مثل هذه التصنيفات لا تحل المشكلة، ولا تعبر عن عمقها، بل لا تكاد تقف عند التداخلات المفصلية والتمايزات الوظيفية التي سنحاول في هذا المقال التأصيلي أن نقف عليها.

مقدمات مفاهيمية:
قبل الخوض في تفاصيل العلاقة المفترضة بين الدعوي والسياسي، يجدر بنا أن نجعل بعض المقدمات هادية ومعينة في هذا السبيل، نوظفها كأدوات إجرائية تسعف في تجنب كثير من المنزلقات الفكرية التي آلت إليها بعض التناولات الحركية. والقصد من هذه المفاهيم هو التواضع على أٍرضية انطلاق مشتركة تمكن من بناء منهجية علمية لمعالجة كثير من الثنائيات الإشكالية من مثل ثنائية الدعوة والسياسة:

1ـ الدين كخطاب دعوي لجميع الناس:
تحتاج أي أطروحة إسلامية تستهدف التغيير أن تقر بأن الدين من حيث هو مفاهيم عقدية وتصورية وقيم أخلاقية، وأحكام تشريعية، هو رسالة تستمد أصولها من مرجعيتها الإسلامية الموصولة بمصادرها الشرعية، والرسالة تحتاج إلى بلاغ، والبلاغ لا يمكن إلا أن يكون دعوة لجميع الناس بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن. الدين بهذا الاعتبار هو حل لمشكلة وجودية يعانيها كل بني الإنسان، والحاجة دائمة تدعو لبسط خطاب الدين من هذا المنظور.

فلا غنى للإنسان عن الدين، وعن إجاباته عن مشكلات الوجود، وعن إمداداته الروحية التي يتزود بها الإنسان في معركته للإعمار في الأرض. الدين بهذا الاعتبار يحتاج إلى دعوة مستمرة تخاطب الإنسان، مهما كان لونه وجنسه وموقعه الاجتماعي والطبقي. الدين ضمن هذا المنظور يصل إلى الجميع، وليس من شرط هذا الوصول أن يكون مقرونا بقراءة حركية معينة. هناك رسالة واضحة في هذا الباب، أهم مقتضياتها ربط الناس بالخالق، والتذكير باليوم الآخر، ورسالة التخليق. الدين بهذا المنظور دعوة للجميع، ينخرط في بيان أصولها وفروعها كل الناس، سواء منهم من نال من الدين بحظ وافر، أو من اغترف بقدر بسيط من معينه.

وبناء على هذا المقتضى المنهجي، يكون مضمون الخطاب الدعوي هو المحتوى الجامع لكل أطياف الصف الحركي. ومن ثمة، فمن الجائز حصول خلاف الفكر والتصور بصدد جملة من القضايا الخلافية، ومن الجائز تقبل التباين من داخل الحراك السياسي، لكن ليس واردا أن يكون مضمون الخطاب الدعوي محل مناكفة أو تنافر، ما دام المحتوى الدعوي يدور في أصله حول الأصول العقدية والتصورية الشاملة، كما يدور على المحور التخليقي الذي لا يمكن بأي حال أن يخضع لأية مراجعة في مضمونه.

2ـ السياسة من فروع الدين:
خلافا للمنطق الشيعي في موضعة السياسة ضمن البناء الأصولي الإسلامي، لا بد من التواضع ضمن المنظور الأصولي الحركي على أن السياسة هي من فروع الدين. هذا المبدأ، وهذه القناعة ليست فقط قضية نظرية محضة يجتهد بعض مترفي الفكر أن يغوصوا في تقليعاتها البعيدة، بل إن لها أثرا في واقع العمل، ولذلك فهي تعين من الناحية المنهجية من جانبين:

الجانب الأول: إن قضايا السياسة تصبح ضمن هذا المنظور مجالا للاجتهاد والنظر العقلي المبني على التقدير المصلحي. فالتواضع على هذه القناعة يعني نقل الخلاف في حقل السياسة من الإطار العقدي المحكوم بمعيار الحق والباطل، إلى الإطار الاجتهادي المحكوم بمعيار مقاربة الصواب أو البعد عنه. ومن ثمة فجوهر الخلاف السياسي التزاما بهذا المقتضى المنهجي لا يتعدى توظيف مسلكيات النظر والتقدير والترجيح والتقريب والتغليب للتعبير عن قراءة معينة للواقع السياسي الموضوع حقلا للممارسة. وضمن هذا المنظور المرن لا يكون لخلاف السياسة أي أثر على وحدة الاجتماع، إذ أن خلاف السياسة يبقى مؤطرا بسقف أعلى بحكم أن الثوابت والمنطلقات هي أصول غير موضوعة للخلاف وتعدد القراءة كما أسلفنا في المقدمة الأولى.

الجانب الثاني: إن الدين هو منظومة متكاملة من الفروع التي تنشد إلى أصولها وثوابتها، وهي تشكل في مجموعها نسقا متماسكا في بنائه الداخلي، لا يطغى فيه جزء على جزء، وتأخذ هذه الفروع قدرها وقوتها بحسب ضرورتها ضمن شروط الواقع.

فهده الفروع قد تتحول بحسب الحالات إلى قضايا ذات أولوية بحسب الداعي والمسوغ لها، لكنها أبدا لا تتحول إلى أصول وثوابت، فقد يكون العمل السياسي في بعض الظروف ذا أولوية بحكم الحاجة إلى مناخ من الحرية يسمح للعمل الإسلامي بكل مناشطه أن يعبر عن مضامينه، لكن ما أن تتوافر هذه الشروط حتى يعود العمل السياسي ليأخذ قدره الذي يشغله ضمن النسق العام المتكامل، وقد يتراجع العمل السياسي لحاجة من الحاجات التي يفرضها واقع الحال حتى تتوافر الشروط الحقيقية التي تمكن من بناء العمل السياسي الناجح.

والحاصل، ليست هناك معادلة واضحة تحدد وزن كل من العمل السياسي والدعوي ضمن هذا النسق، لكن الأكيد المعتبر هو أن هذه المنظومة المتكاملة تشتغل بشكل منسجم، ولا تتأثر بتراجع أحد فروعها لحاجة يفرضها الواقع. إنها تشتغل بشكل وظيفي متكامل، لكن الحاضر فيها وبشكل دائم هو الثوابت والمنطلقات المركزية.
هذا المفهوم المركزي الذي جعلناه منطلقا منهجيا يسعفنا في تحطيم بعض الرؤى التنميطية التي تؤمن بتغلب أحد العناصر المشتبكة ضمن الثنائيات المتنابزة، كثنائية الدعوة والسياسة في حالتنا موضوع الدراسة.

بعد هذه المقدمات التي جعلناها أدوات إجرائية تسعفنا في بناء تصور واضح لطبيعة العلاقة بين الدعوي والسياسي، نغوص في تفاصيل هذه العلاقة من خلال إعادة قراءة لكل من مفهوم الدعوة ومفهوم السياسة حتى نتمكن من صياغة تركيب موضوعي يعين على حل الإشكال.

في مفهوم الدعوة:
الدعوة هي عملية نقل للقيم والتصورات والنماذج التي بشر بها الدين. إنها تفترض ضمن هذا المنظور جدلا وتدافعا بين عناصر قائمة وسائدة في المجتمع، وعناصر جديدة تحاول النخبة الداعية إقناع المجتمع بها. الدعوة بهذا الاعتبار، هي عملية في بالغ الصعوبة، لأنها تراهن على خلخلة البناء الفكري والثقافي والقيمي للمجتمع، وطرح نموذج آخر مغاير، أو على الأقل مختلف عن النموذج السائد. ولأن الأمر بهذه الصعوبة، فقد طلب الشرع أن تتوسل في عملية الدعوة الوسائل السلمية والتربوية والبيداغوجية الملائمة لإنجاز هذا التحول.

رهان الإسلام على اللاعنف في هذه العملية هو خيار استراتيجي، لأن تناقل الأفكار والقيم والنماذج يعتبر من أعقد القضايا وأصعبها، ذلك لأن النفس الإنسانية والمجموع الإنساني المتساكن يميل إلى الاستقرار والمحافظة ويرفض بطبيعته أية عملية مراجعة تستهدف نظامه القيمي، خاصة إذا كانت منظومة القيم والتصورات الجديدة لا تتصالح مع المكونات الكبرى للنظام القيمي السائد.

ومن ثمة فالإسلام راهن ضمن منهجيته الأصولية والدعوية على جملة من العناصر التي تسعف في تيسير هذا التحول، سواء تعلق الأمر بأسلوب الدعوة أو بخطابها، ويمكن أن نفهم ضمن هذا الإطار قيمة فقه التنزيل وفقه المآل وتحقيق المناط، ومراعاة أحوال الناس والعرف وغيرها من الأدوات والمفاهيم المنهجية التي توسلها الإسلام كعناصر أساسية معينة في عملية نقل القيم والتصورات والنماذج.

الدعوة إذن، تشمل عمليتين متداخلتين، فهي من جهة تقنع بقيم جديدة، ومن جهة أخرى تراجع قيما أخرى سائدة. ومن ثمة، فإنجاز الدعوة مرتبط بشكل أساسي بقدرتها على التبشير بقيمها ونقلها إلى المجتمع، وفي نفس الوقت هو مرتبط بقدرتها على مراجعة القيم السائدة. فمنسوب الدعوة يمكن تقويمه وفق المنطق الرياضي بمعادلة حسابية نقيس فيها قدر القيم المنقولة إلى المجتمع موضوع الدعوة، وقدر القيم المراجعة ضمن نظام القيم السائد. وهكذا فعملية الدعوة هي عملية بناء تتطلب الهدم والترميم، كما تتطلب إقامة البناء الجديد على أركانه القوية.

في مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
كثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين لا يميزون بين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكثير منهم من يطابق بين المفهومين باعتبار أن عنصر تناقل القيم والمحافظة عليها يبقى حاضرا بشكل قوي في المفهومين معا. غير أن التشابه الوظيفي بين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعفينا من البحث عن بعض الفروق الدقيقة التي يمكن أن تسعفنا في حل مشكلة العلاقة بين الدعوي والسياسي.

عند هذه النقطة نتوقف في القسم الأول من هذه المادة، على أن نستكمل الحديث في القسم الثاني، ونناقش من خلاله قضية التفريق والتمايز بين الدعوة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمفهوم وتطبيق، كما سنستعرض قيم الدين، ونفرّق بين قيمة المحافظة عليه، وقيمة نشره بين الناس، قبل أن ننتقل للحديث عن السياسة كمفهوم وتأصيل، محاولين في الختام المقاربة ما بين الدعوة والسياسة.

كم نحن بحاجة إلى أمثال هذه الخطابات البناءة التي ترتقي بالمستوى اللغوي والعقلي للقارئ .... وفقك الله أستاذنا بلال وننتظر المزيد ...<br>
2 + 6 =