الأخوة ..ماذا تعلمنا منها ..وماذا طبقنا ؟!
29 جمادى الأول 1428

لقد أخذت عملية بناء المجتمع المسلم وتوحيد الجماعة الصُلبة – التي رباها صلى الله عليه وسلم على عينه – شكلاً فريداً وصورة دقيقة كان من أهم ملامحها المؤاخاة بين أفراد تلك الجماعة الصُلبة ( المهاجرين والأنصار ) فجعل – صلى الله عليه وسلم – وثيقة بينهم بين طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بينهم في تلك المرحلة والتي كان نصها :

( بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم ، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينه (أي يعقل بعضهم عن بعض ، والعقل الدية ) , وهم يفدون عانيهم (أسيرهم ) بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم (أي حالهم التي وجدهم عليها الإسلام ) يتعاقلونه معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو النجار .. وبنو الحارث .. وبنو ساعدة .. وبنو الجشم .. وبنو عمرو بن عوف .. وبنو النبيت .. وبنو الأوس.. على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائف منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين , وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً (أي مثقلا بالدين كثير العيال ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل , وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (أي طلب دفعا على سبيل الظلم ) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم ، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن ، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم ، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم . و إن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم ، و إن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا ، وإن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه ، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش أو نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن ، وأنه من أعتبط (أي قتله دون جناية أو سبب يوجب القتل ) مؤمنا قتلا عن بينة فإنه يقود به , إلا أن يرضى ولي المقتول ، وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه ، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه ، و إنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل ، وإنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلي الله عز وجل وإلي محمد صلى الله عليه وسلم ) ( السيرة النبوية لابن هشام ).

هذه هي الدعامة الأساسية التي اعتمد عليها الرسول – صلى الله عليه وسلم – في بناء الدولة .. مبدأ التآخي العام بين المسلمين كان قائما منذ بداية الدعوة في عهدها المكي متمثلا في نهيه – صلى الله عليه وسلم – عن التباغض والتحاسد والتدابر كما في البخاري عن النبي –صلى الله عليه وسلم –" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " أخرجه البخاري

هذا فيما يتعلق بالمؤاخاة العامة وهي كما نرى فيها جملة من الواجبات والحقوق قد يصعب أن يلتزم بها من أرد أن يمتثل المؤاخاة مع بعض اخوانه في هذه الأيام .

لقد ساهم نظام المؤاخاة الذي شرعه المصطفي – صلى الله عليه وسلم - في ربط الأمة بعضها ببعض فقد جعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذه الأخوة عقدا نافذا لا لفظا فارغا ، وعملا يرتبط بالدماء والأموال لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر ..

وهذا الإخاء الذي درج عليه المسلمون كفل لهم البقاء والاستمرار ولم يحدث صدع في شمل الأمة فقد آتت ثمارها وامتد أثرها حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .

لقد كانت سياسة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نوعا من السبق السياسي الذي اتبعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تأصيل المودة وتمكينها في مشاعر المهاجرين والأنصار الذين لا يجد الكُتاب والباحثون مهما تساموا إلي ذروة البيان من حديث الله عنهم قال تعالى : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )
لقد كانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في الأخوة وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال

لقد وسع الأنصار إخوانهم المهاجرين بأنفسهم وزادوا على ذلك بأن آثروهم على أنفسهم بخير الدنيا ...
ولم يعرف تاريخ البشر كله حادثا جماعيا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم وبهذا البذل السخي ، أخرج البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قالت الأنصار للنبي – صلى الله عليه وسلم - : أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل ، قال : " لا " فقالوا : تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة ، قالوا سمعنا وأطعنا (فتح الباري 7/113ح 3782 ) , وقد شكر المهاجرون للأنصار فعلهم ومواقفهم الرفيعة في الإيثار والكرم ، وقالوا يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلا في كثير ، ولقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ – يعني كفونا العمل ، وأشركونا في الثمرة – حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كله ، قال " لا " ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم " (مسند أحمد )

لقد كان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر أن يقسمه ماله وبيته وزرعه . روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ، فقال لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالا ، فاقسم مالي نصفين ، ولي امرأتان ، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي ، أطلقها ، فإذا انقضت عدتها فتزوجها ، قال : بارك الله لك في أهلك ومالك ، وأين السوق ؟ فدلوه على سوق بني قينقاع .

لقد حرص الأنصار على الحفاوة بإخوانهم المهاجرين ، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة !! وقدر المهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلوه ، ولا نالوا منه إلا بقدر ما يحتاجون إليه .
وقد أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يكافئ الأنصار على تلك المكارم العظيمة التي قدموها لإخوانهم المهاجرين ، فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : دعا النبي – صلى الله عليه وسلم – الأنصار إلي أن يُقطع لهم البحرين ، فقالوا : لا ، إلا أن تُقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها ، قال : " إما لا ، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة " ( البخاري – مناقب الأنصار ) .

بل لقد جعل الله سبحانه حق الميراث منوطا بهذا التآخي دون حقوق القرابة والرحم ، وهو إن كان لفترة معينة إلا أن من حكمته سبحانه لهذا التشريع أن تتجلى الأخوة الإسلامية حقيقة ملموسة في أذهان المسلمين وأن يعلموا أن ما بين المسلمين من التآخي والتحابب ليس شعارا وكلاما مجردين .

لقد أفاء النبي – صلى الله عليه وسلم – مبدأ الإخاء الذي تمحى فيه كلمة " أنا " ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها فلا يرى لنفسه كيانا دونها ولا امتداداً إلا فيها ..

لقد استطاع الأنصار أن يستضيفوا في بيوتهم المهاجرين الأوائل الذين هاجروا قبل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والذين هاجروا معه أو بعده وأن يشاركوهم النفقة لكن فيما بعد كبر حجم المهاجرين مما لم يعد هناك قدرة للأنصار على استيعابهم ومن ثم ظهر أهل الصفة وهي كما يقول ابن حجر مكان في مؤخرة المسجد النبوي مظل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل ، ولقد كان أهل الصفة – رضوان الله عليهم – يشاركون في الجهاد وكان منهم الشهداء ، كما كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار .

وكان بعض الصحابة قد اختاروا المكوث في الصفة رغبة منهم لا اضطرارا ، كأبي هريرة – رضي الله عنه – فقد أحب أن يلازم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ويعوض ما فاته من العلم والخير قال رضي الله عنه ( إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول - الله صلى الله عليه وسلم - وتقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمثل حديث أبي هريرة ، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ملء بطني ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرءا مسكينا من مساكين أهل الصفة ) ( البخاري ومسلم واللفظ له )
هكذا يبين رضي الله عنه أنه فعل ذلك رغبة منه في ملازمة النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم إنه رضي الله عنه كان له سكن في المدينة فلم يكن فقيرا معدما ، لكن الذي أفقره هو إيثاره ملازمة النبي – صلى الله عليه وسلم – واستماع أحاديثه ، وكان يستطيع الاستغناء عن الصفة لو أراد .
كما لم يكن فقر أهل الصفة لقعودهم عن العمل وكسب الرزق ، فقد كانوا يرضخون النوى بالنهار ، لعلف الماشية - وهم ليسوا أهل ماشية - فلقد كانوا يعملون لكسب الرزق .

المسلمون اليوم بأشد الحاجة إلي مثل هذه المؤاخاة التي حدثت بين المهاجرين والأنصار، لأنه يستحيل أن تستأنف حياة إسلامية عزيزة قوية إذا لم تتخلق التجمعات الدعوية بهذه الأخلاق الكريمة ، وترتقي إلي هذا المستوى الإيماني الرفيع و إلي هذه التضحيات الكبيرة .

إن عقد الأخوة ركيزة أساسية لقيام منهج الله في الأرض فإذا انهار لم تكن هناك دولة يمكن أن تقام .
هذا العقد يقوم على منهج الله لتحقيق منهج الله : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام .. أساسها الاعتصام بحبل الله – أي عهده ونهجه ودينه – وهي نعمة يمتن الله بها على عباده وهي ركيزة أساسية قامت عليها الجماعة المسلمة الأولى . وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلي الرؤى الحالمة إذ هي قصة وقعت في هذه الأرض ، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان .

الأخوة الإيمانية بين الدعاة إلي الله هي الركن المهم في تربيتنا وما من جزء من أجزاء الحركة الإسلامية يقذف بنفسه في ميدان العمل الدعوي قبل إحلال معاني الأخوة الإيمانية في أفراده إلا ذاق وبال تساهله وتفريطه ، ولذلك كان عمر بن الخطاب يجعلها أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام فيقول : ( ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح ، فإذا رأى أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به ) . ويسميها التابعي مالك بن دينار : روح الدنيا ، فيقول : ( لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة لقاء الإخوان والتهجد بالقرآن وبيت خال يذكر الله فيه ) .
من هنا كانت العودة إلي محاولة تأكيد معنى الأخوة من خلال التركيز على صفة الإيثار
التي تتجلى من خلاله الأخوة الحقيقية و متى صدق الأخ مع أخيه ..ففي سير أعلام النبلاء عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، سمعت أبي قال : كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج ، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو ، فيقولون : نصحبك ، فيقول : هاتوا نفقاتكم ، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ، ويقفل عليها ، ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد ، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى ، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زى وأكمل مروءة ، حتى يصلوا إلي مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيقول لكل واحد : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرقها ؟ فيقول : كذا وكذا ، ثم يخرجهم إلى مكة ، فإذا قضوا حجهم ، قال لكل واحد منهم : ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة ؟ فيقول : كذا وكذا وكذا فيشتري لهم ، ثم يخرجهم من مكة ، فلا يزال ينفق عليهم إلي أن يصيروا إلي مرو ، فيجصص بيوتهم وأبوابهم ، فإذا كان بعد ثلاثة أيام ، عمل لهم وليمة وكساهم ، فإذا أكلوا وسروا ، دعا بالصندوق ، ففتحه ودفع إلى كل واحد منهم صرته عليها اسمه ( سير أعلام النبلاء )

وقد كان رحمه الله كثير الاختلاف إلي طر سوس وكان ينزل الرقة ، فكان شاب يختلف إليه ، ويقوم بحوائجه ، ويسمع منه الحديث ، فقدم عبد الله بن المبارك مرة فلم يره ، فلما سأل عنه قيل له إنه محبوس على عشرة آلاف درهم ، فاستدل على الغريم ووزن له عشرة آلاف ، وحلفه ألا يخبر أحدا ما عاش ، فأخرج الرجل ، وسرى ابن المبارك فلحقه الفتى على مرحلتين من الرقة ، فقال ابن المبارك : يا فتى ، أين كنت ؟ لم أرك . قال : يا أبا عبد الرحمن كنت محبوسا بدين . قال : وكيف خلصت ؟ قال جاء رجل ، فقضى ديني ، ولم أدر . قال : فاحمد الله . ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله .

وجاء رجل فسأله أن يقضي دينا عليه ، فكتب عبد الله له إلى وكيل له ، فلما ورد الكتاب على الوكيل قال للرجل : كم الدين الذي سألته قضاءه ؟ قال : سبع مائة درهم ، وإذا عبد الله قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم ، فراجعه الوكيل ، وقال : إن الغلات قد فنيت فكتب إليه عبد الله : إن كانت الغلات قد فنيت فإن العمر أيضا قد فني ، فأجز له ما سبق به قلمي

قال أبو يعقوب : دخلت على أبي المطيع القرباني نسأله الحديث ، فقد إلينا طعاما فأمسكنا عنه ، فقال : يا هؤلاء ، كانت المواساة بين الإخوان قبلنا بالضياع والرباع والبراذين والمماليك والدور والبدور ، فصارت اليوم إلى هذا ، وهو مروءتنا ، فإن أمسكتم عن هذا أيضا ذهب هذا القدر، وماتت سنة السلف فلا تفعلوا فأقبلنا عليه وأكلنا ( الصداقة والصديق )

وننقل هنا كلاما للشيخ محمد قطب تحت قوله تعالى(إنما المؤمنون أخوة )يقول : " والأخوة من أجمل " المعاني " التي يمكن أن يتحدث عنها الإنسان ! شفيفة لطيفة كالنور ! ندية محببة إلى القلوب .. ولكن ما " الأخوة "التي وردت الإشارة إليها في كتاب الله ؟ يستطيع اثنان من البشر وهما يسيران في الطريق – في الأمن والسلامة أن يتآخيا ! أن يسيرا معا وقد لف كل منهما ذراعه حول أخيه من الحب .. ولكن انظر إليهما وقد ضاق أكثر .. فلم يعد يتسع إلا لواحد فقط دون الآخر ! إنها فرصة واحدة .. إما لي وإما لأخي .. فمن أقدم ؟ أقول .. هي فرصتي ، وليبحث هو لنفسه عن فرصة ؟ أم أقول لأخي .. خذ هذه الفرصة أنت ، وأنا أبحث لنفسي ؟!
هذا هو المحك .. إن الأخوة في الأمن والسلامة لا تكلف شيئا ! ولا تتعارض ورغائب النفس .. بل هي ذاتها رغبة من تلك الرغائب يسعى إليها الإنسان لتحقيقها مقابل الراحة النفسية التي يجدها في تحققها ..

أما في الشدة – أو في الطمع – فهنا تختبر الأخوة الاختبار الحق ، الذي يتميز فيه الإيثار والحب للآخرين ، من الأثرة وحب الذات ، التي قد تخفي على صاحبها نفسه في السلام والأمن ، فيظن نفسه " أخا " محققا لكل مستلزمات الأخوة !

وفي غربة الإسلام الثانية ، نحتاج إلي مثل ما احتاج إليه الأمر في الغربة الأولي .. إن لم يكن على ذات المستوى السامق ، فعلى أقرب المستويات إليه .. ذلك أن الضغوط من حولنا تفتت كل ترابط ما لم يكن وثيق الرباط إلي الحد الذي يتحمل كل الضغوط ، ويبقى وثيقا رغم كل الضغوط .

واعلم أن عدم الاكتراث بمشاكل الصحب وظروفه وحاجته يشعره بالغربة وأن إخوانه يعيشون في عالمهم وهو في عالم آخر لا يشعر به أحد ، ولا بم يعانيه ، وإنه ليزداد ألما إذا رأى أن إخوانه أدركوا ظروفه ومع ذلك تجاهلوها ولم يجدهم إلى جانبه ومن ثم تفتر روح الأخوة عنده وقد يظهر لهم أنهم أصيبوا بالأنانية أو البلادة وأصبحوا لا يهمهم إلا أمر أنفسهم . وقد يكون لعدم الاكتراث صور أخرى لكن المقصود هو تلبية حاجات أخيك النفسية والمادية .. وهذه الحاجات تتنوع جدا .. والفطن الذي خبر صديقه وأحبه لن يعجزه أن يدرك تلك الحاجات فيعين أخاه ، ويفرج عنه ويكون ذلك من القرب التي يتقرب بها إلي الله وينال بها عظيم الأجر والثواب.

ومما علمناه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما رواه ابن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ( أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم ، وأحب الأعمال إلي الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد " يعني مسجد المدينة " شهرا ... ) ( حسنه الألباني )

(وقد كان بعض السلف من حرصه على أخيه واهتمامه بحاجاته ومشاكله لا يقتصر على تفقد حاجة أخيه بل يتفقد عياله بعد موته أربعين سنة فيقضي حوائجهم
وهذه هي الأخوة الصادقة والمقصود في هذا الباب قضاء حاجة أخيك وعونه على أموره وذلك درجات
أدناها : القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ، ولكن مع البشاشة والاستبشار .
وأوسطها : القيام بالحوائج من غير سؤال .
وأعلاها : تقديم حوائجه على حوائج النفس ) ( مختصر منهاج القاصدين )

وإذا كان من حق الصحبة والاهتمام بالصاحب والاستماع له ، فإن صاحبك تكون سعادته أعظم إذا ما وجد منك بعد هذا مسارعة إلى خدمته في أمر ما من أموره الشخصية مع استبشارك ، ودون سؤال منه كما أنه يشعر بأخوتك إذا وجدك إلى جواره في كل شدة وضائقة معنوية أو مادية ، فكم من شعور سعيد سار مريح أن تشعر أن أخاك يؤثرك على نفسه أو على الأقل يحب لك ما يحب لنفسه ، وكم هو شعور محبط كريه أن أخاك ليس عنده أدنى استعداد لمسألة الإيثار .
ومما ينبغي التنويه عليه في هذا الشأن أن مجال الإيثار يشمل الأمور المعنوية كما يشمل الأمور المادية كعمل صالح ينسب لواحد منكما ، أوجاهة في مجلس من المجالس ، أو صدارة في موقف من المواقف ، كما يكون الإيثار أيضا في راحة من تحمل عبء من الأعباء ، فهذه كلها مجالات لإيثار أخيك على نفسك أو على الأقل تحب له ما تحب لنفسك ...

والحقيقة أن البون شاسع بين ما كان عليه سلفنا الصالح – خاصة الصحابة – رضي الله عنهم – يؤثرون به إخوانهم وبين ما نؤثر به إخواننا إن آثرناهم ... وما طمعنا في الكثير من الإيثار .. بل إننا لنجاهد أنفسنا على مساواة إخواننا بنا ، فنحقق على الأقل قوله – صلى الله عليه وسلم - : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ( البخاري عن أنس )

على أن الإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة ، فحيث يشيع الجهل والنقص والجبن والبخل والجشع ، لا يمكن أن يصح إخاء ، أو تترعرع محبة ، ولولا أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جُبلوا على شمائل نقية ، واجتمعوا على مبادئ رضية ، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله . فسمو الغاية التي التقوا عليها وجلال الأسوة التي قادتهم إليها ، نميا فيهم خلال الفضل والشرف ولم يدعا مكانا لنجوم خَلة رديئة .

إن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده ، ولا يتكلف استخراجه بالآلات والأثقال ، والأخوة لا تفرض بقوانين ومراسيم ، وإنما هي أثر تخلص الناس من نوازع الأثرة والشح .

ونحن ناسف ونعتذر إلي الله من سوء أحوالنا وتردي أخلاقنا وانكبابنا على الدنيا ونسيان أصولنا وما كنا نتشدق به أيام الصبا فإن أقواما اليوم بعد ما خرجوا لحياة الدرهم والدينار وخاضوا معتركها ألغوا من حياتهم ومن عواطفهم ومشاعرهم شيئا اسمه ( المحبة إلي حد الإيثار ) وأن ما مروا به من علاقات الصبا كان طورا من أطوار المراهقة وعواطف الشباب وهي اليوم لا تعدو أن تكون هراء أو خيالات وأوهاما وعواطف لا معنى لها في واقع الحياة . . نعوذ بالله من تغير القلوب وفساد النفوس ..




من أجمل ما قرأت عن الأخوة وجزاك الله ألف خير<br>

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بداية جزاك الله تعالى خيرا فقد أوجزت وأصبت فأسأل الله تعالى لك حسن القبول وثبتك على الخير والطاعة ، حقيقة من أروع ما قرأت و بصدق الموضوع مؤثر جدا أرجو من إخواننا مطالعته والتمعن فيه وشكرا لمن نشر هذا الموضوع ، بارك الله فيك ودمت ذخرا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم

أريد الأثار

جزكم الله خير الجزاء

اسئل الله العلي القدير ان يجعل ما تقومون به في ميزان حسناتكم انه ولي ذلك والقادر عليه

والله هذ اجمل مقال
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
16 + 2 =