لحظة بين التجرد والافتقار
8 رجب 1428
د. خالد رُوشه

Khaled_rousha@yahoo.com
وبينما هي النفس تضيق بكل ما حولها ، وتستغرب الناس ، وتستنكر حتى ما يصدر منها , وبينما يتعثر القلم في التعبير عن الألم ، ويتردد اللسان في اختيار أنواع الكلمات ، وتتلون الجدران بلون كئيب ..
وبينما ترى الجميع يبحثون عن ذات مصالحهم الشخصية ، ويتصارعون على كل متاع ، وبينما يضيق الصدر، وتختنق العبرة، ويموج البحر الهائج في الصدر المغلق ..

عندها تفيض جميع معاني التجرد والافتقار، وتتلون الأجواء بلون الدمعة التي تغرورق فتكسو حدقة العين ، فلا يبدو في الآفاق أمل إلا في الله ، ولا يبدو في الأحداق منجى إلا إلى الله ، ولا يبدو في الطرقات رجاء إلا من الله .
إنها لحظات غالية ، وأوقات صادقة تلك التي يتجرد فيها المرء من كل قيد ، ويتعالى عن الدنيا بكل ما فيها ، فتصعد نفسه شفافة متعالية فوق كل أنواع الصراع .

وبينما تلامس الجبهة تراب الأرض ساجدة ملتجئة فقيرة مستذلة ضعيفة منكسرة فهي تعلو على كل دنيء ، وتتسامى فوق كل وضيع، إنها تقترب من الملأ الأعلى ، وتسبح وتستغفر وتندم على تقصيرها ؛ لذا فقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الرائع في كلمات قليلات إذ يقول: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) أخرجه مسلم , إنه لمعنى لو تعلمون عظيم .

لكم نحن بحاجة إلى معاني الروحانية ، ولمحات الإيمانية التي تمس القلب الجاف الصديء ، فلا تتركه إلا وقد أزالت جفافه وصدأه ، فعاد رطبا لامعا .
ولكم نحن بحاجة إلى دورات روحانية ممنهجة تبعا للسنة النبوية الصحيحة ، تهدف إلى ترقيق القلوب ، وإدماع العيون ، والدفع نحو التوبة ، والتذكير بالآخرة ، وتقييم ما فات ، وتجديد العهود والمواثيق على سبل الاستقامة .

إن الداعية الذي يظل بعيدا عن تلك المعاني الروحانية الإيمانية ، لحقيق عليه أن يخشى من تقلب قلبه ومرضه بأمراض مختلفة .
إن أحب القلوب إلى الله سبحانه قلب تمكنت منه ذلة وخوف فهو ناكس الرأس بين يدي ربه حياء وخجلا فإذا به يسجد سجدة المخلصين التائبين الخاضعين يجمع فيها معاني تقصيره وينيب فيها ويناجي ربه أن : أطمع في مغفرتك , وأتكل على عفوك , وأحسن الظن بك , وأرجو كرمك , وأطمع في سعة حلمك , ولا طريق لي إلا الاعتصام بك .

والداعية يفر من ضيق صدره بالهموم والغموم والمخاوف التي تحدث له في كل يوم , يفر من ضيق صدره إلى سعه فضاء بالثقة بالله , ويهرب من همومه وأحزانه إلى حسن الرجاء لجميل صنع الله ..
وأبواب الفرار إلى الله مفتوحة فلا ينبغي على المرء أن يكسل فليقم وليطرق الباب فمن أدام الطرق يوشك أن يفتح له .
والداعية الصالح يستشعر بالإشفاق طوال حياته , فهو يشفق على نفسه من الهوى ويشفق على عمله من الضياع , ويشفق على علمه من التفريط .

والمؤمن إذا استشعر الإشفاق عظم إليه ذنبه , وحببت إليه طاعته , واستفاد من كل دقيقة في عمره , وحرص على الإخلاص في كل عمله , قال تعالى : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السّموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم " .

والداعية إلى الله مخبت بين يدي ربه , متواضع ساكن , قد غلبت عصمته شهوته وغلبت نيته غفلته , وغلبت محبته لربه وحشته , فقهر شهوته باعتصامه بالله , وأيقظ نفسه بنيته الصالحة , وأنس بربه , وأكثر من ذكره , فلم يستوحش من قلة السائرين من حوله .

وهو مازال لائما لنفسه يهذبها وينقيها , ويروضها ويمد قلبه بمدد التوحيد الخالص فإذا ذكر الله اضطرب قلبه خوفا ورجاء , وإذا أصابه من أمر الدنيا شيء يضره رضي وصبر وحمد واسترجع , قال تعالى : " وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون".

وهو في كل ذلك متبتل لربه مجتهد في العبادة يجعل نفسه وقفا لله , حتى إن عمل أعمال الدنيا فهو يعملها بنية صالحة لله سبحانه وتعالى, فقطع رغبة النفس في المدح , ورغبتها في الشهرة , ورغبتها في الإمارة والرئاسة , ورغبتها في العلو في الأرض .

أسلوب جميل مؤثر ...<BR>ذكرتنا بسيد قطب رحمه الله ...<BR>واصل .. فنحن في شغف لحروفك ...<BR>موفق بإذن الله ،،،<br>

أحسن الله إليك ونفع بكم الأمة والشكر موصول لكل عامل في الموقع شـــــــــــــكر الله لكم جميعاً

جعل الله ما سطرته في موازين حسناتك.

جزاك الله خيرا

حقا والله هموم اضطلعت بها، وهواجس لاتسكت عن زجري وتأنيبي ، ولست أبالغ في استصحاب هذه المشاعر .. كم تؤلمني الساعات والأيام وهي تطوى ، ولم نمتع قلوبنا وجوارحنا بتعظيم الخالق سبحانه ، أين التدبر في آلائه وعظيم مخلوقاته ؟ ماأعظم الفاقة ، وماأشد الحاجة إلى مايسكب في قلوبنا من تعظيم علام الغيوب في صنوف الكون من بحور وسموات وجبال ومخلوقات ، ماأعظم تلك الآية التي يقشعر لها البدن ، عندما يقول الله سبحان ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) 143 الأعراف سبحانك ماقدرناك حق قدرك ، سبحانك ماعبدناك حق عبادتك لقد أنعم الله علينا بصنوف النعم ، استقرار وأمن ، وحياة رغيدة .. أطعمة لذيذة متنوعة، ألبسة شتى ألوان زاهيات ، تشبع من الحياة الرغيدة وتلبية للطلبات .. والإسلام سيد هذه النعم ، والعافية رأس مال ضخم .. لكنا حرمنا لذة خشوع في صلاة ، وفقدنا لذة مناجاة في تدبر ، يتقطع قلبي حسرة وتحرقا عندما اقرأ القرآن ولا أخشع ولا اتأثر إلا مثقال خردلة ، بل ربما أصابنا الملل ، ينتابني الكمد إذا مرت ساعات ما اشتقت فيها لكتاب ربي ، تنازعني نفسي ، ويفيض عليها عتابي ويشتد عميق شوقي إلى إحياء الخشوع والخوف وفيض الرجاء . وربما لايخفى علينا فدوامات الدنيا ومشاغلها المستمرة التي تلفنا بشطحاتها فمن دوامة الدنيا بهمومها وملاهيها ، إلى دوامة تربية الأبناء والقلق عليهم ، وضعف المقاومة لما لابد منه ولا مناص .. إلى دوامات القلق الصحي ، والفزع من القادم المجهول.. تنافس على جمع الحطام .. دوامات تتغلغل في أرجاء حياتنا ، كأنها موج مندفع ، تنسج حولنا أغلالا سميكة من الذهول والتشويش ، ضعف إحساسنا بأخطائنا ، فنبدو كأننا أنصاف أحياء ، نرزح تحت ضوائقها الثقال . هل العيب في زماننا أم العيب فينا أم أنهما اشتركا إنه ثقل رهيب يمنعنا من التبصر بعللنا لقد ذهلنا عن رسالتنا الكبرى وقعنا في أخطاء شتى ، فتزويق للظاهروما وراء الخبر ُمر حتى صارت طبــاعنا تحتاج إلى تقويم ، وآفات نفوسنا تحتاج إلى شرح وتحليل . تجمدت قلوبنا لما نراه من فساد وإذابة للتدين ، ذوبان للفضيلة ، ومانرى أحوال أمتنا الا في تورم يتضخم يوما عن يوم ، مفاسد احترقت في سعيرها الفضائل .. وذاب في لهيبها الحياء جفاف ويبس من المعروف والفضل إلا قليلا ، جفوة في شمائلنا وكبوة في مسالكنا ،خلخلة تثير الفزع ، وذهول عما وراء هذه الدنيا . صيحة تقطع قلبي ، فهاهو الموت طائر يخطف دون اسئذان ، يفض المجامع ، ويفرق الشمل ويقضي على اللذات .. هذا هو الحق وتلك هي الحقيقة - إي وربي إنه لحق - قبر ونشر وحشر ، وأهوال ، وصراط وجنة أو نار .. حقائق لا تقوى عليها نفوسنا الضعيفة ، ولا عقولنا المحدودة .. ونحاول وبشق الأنفس جمع الشتات قبل أن تزداد العوائق وقبل أن يُهال علينا التراب اللهم أمدنا بغيث رحمتك .. لولا التعلق بحبال رحمته وعفوه جل شأنه ، لبادت أموراً في خاطري ، ولولا أن طبيعة المؤمن مفطورة على حب خالقها ، وإنابة إليه تنحسر دونها آلامي . وإلا لذاب الأمل ، ولما ذاقت النفس برد الرضا .. اللهم لاتعجزنا عن تصحيح قلوبنا وألبابنا فنكون لما سواها أعجز . لك الأمر أشواقي ببابك والمنى ** ولي أمل ألا يطول انتظاريا ومنيت روحي من سناك بلمحة ** أضمد آلامي بها وجراحيا وعسانا أن نبدل خسائرنا مكاسب وليكن قدوتنا عبدالله ابن عباس رضي الله عنه فعندما فقد بصره قال : إن يأخذ الله من عيني نورهما ** ففي لساني وسمعي منهما نور قلبي ذكي ، وعقلي غير ذي دخل ** وفي فمي صارم كالسيف مأثور ولايكن قدوتنا من قال : على الدنيا السلام ، فما لشيخ ** ضرير العين في الدنيا نصيب يموت المرء وهو يكون حياً ** ويخلف ظنه الأمل الكذوب
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
14 + 1 =