لندع أبناءنا يحلمون
16 شعبان 1429
صفية الودغيري
كثيرا ما نفكر في مستقبل أبنائنا ، نحلم بأن يصبحوا رجالا ونساء نفخر بهم ، فنخطط بالتالي لكل شيء حتى يصير هذا الحلم حقيقة ..
حلم  يولد في قلوبنا صغيرا مع أول صرخة مولود لنا يرى نور الحياة ,  إنه بصيص من أمل يسطع ، فيشرق  يوم جديد وفرحة جديدة , إنها بسمة  تعلو الشفاه ، فتتورد بلون الحياة ، فتكسو صفحة الطبيعة بحلة الربيع ، وصفحة كل روح بنبض حياة .
ثم يكبر هذا المولود فتكبر معه أحلامنا وآمالنا وأفراحنا , فنبدأ نسأل أنفسنا بين حين وآخر، ماذا نريد من أبنائنا  أن يقدموا كخطوات إيجابية وماذا نريد منهم أن يصبحوا ؟
لكننا نغفل عن أسئلة أخرى علينا أن نقف عندها : هل نملك الحق الكامل في أن نحدد لهم معالم الطريق الذي يجب عليهم أن يسلكوه ، فنلغي بذلك إرادتهم الحرة  واحتياجاتهم الخاصة ؟هل يصح أن نحلم بدلا عنهم ونخطط لنحقق أحلامنا من خلالهم ؟
هل لنا أن نمسخ شخصيتهم ونحولهم لمجرد دمى تتحرك تحت تأثير سلطة إرادتنا واختياراتنا ، ونلغي من حساباتنا أن لهم وجودا مستقلا ؟
أبناؤنا بحاجة إلينا ولكن ليس بالصورة التي نتخيلها ، وإنما  بالصورة التي نكون فيها سندا يقوي ضعفهم ، ويجبُر كسرهم ، ويضمد جراحاتهم ، ويخفف آلامهم ، ويدلهم على الطريق إذا ما فقدوا خارطته .
فلنكن نبراسا يضيء  ظلمة طريقهم ، فقد تذوب الشموع التي أوقدوها ، وقد ينقطع تيار الكهرباء لأي سبب من الأسباب ..
أبناؤنا بحاجة إلى وجودنا في كل وقت بجانبهم ،  نمسك بأياديهم الصغيرة حتى تكبر ، نعلمهم بدل الحبو سبل المشي الصحيح ثم نخلي سبيلهم ..
نقودهم إلى بر الأمان ، نعلمهم أن القيادة فن ومسؤولية وتكليف يتحملونه في الوقت والعمر المناسب باختيار لا بإجبار ،  ثم  بعد ذلك لنتخلف عنهم ، ولنمنحهم حقهم في أن يتحركوا في الحياة من غير أياد تظل ممسكة بأياديهم خلال كل الأطوار والمراحل العمرية ..
لندع أبناءنا يتقدمون في اتجاه الصفوف الأمامية كما كنا نحن نتقدمها  ، ولنمنحهم قسطا من الحرية المشروعة من غير سلاسل تقيدهم ، وقدرا كافيا من الثقة في أنفسهم ، تدعوهم للعمل بجرأة ومن غير خوف ولا تردد ، تشعرهم بأنهم قادرون على أن يقدموا لأنفسهم وللناس وللمجتمع أشياء نافعة من صنع أياديهم ، ومن ابتكار أفكارهم ، ومن نسيج خيالهم
أبناؤنا بحاجة لطاقة تدفعهم ليتسلقوا القمم دون أن يلتفتوا للصخور المتناثرة من حولهم .
قد يبدو لنا أنهم  سيخطئون وسيقعون في المهالك ، وسيسقطون لو ما أمسكنا بهم ، أو تخلفنا عنهم , ولكن لنعلم أن الذي لا يحاول لايمكن أن يتعلم , فلنراقبهم من بعيد إذن وهو يحاولون ,  ليخوضوا تجاربهم بأنفسهم ،  لكن لنظل دائما نراقبهم من غير أن نشعرهم بذلك ، ومن غير أن نحاصرهم بوجودنا المستمر معهم ..
أبناؤنا من حقهم أن يتعلموا من تجاربهم وخبراتهم في الحياة كما تعلمنا نحن , وليذوقوا طعم  حلاوتها ومرارتها بألسنتهم لا بألسنتنا ..
انهم يحتاجون لنفس العمر الذي أدركناه ليفهموا , فكيف نطالبهم وهم في أعمار الزهور أن يصيروا كبارا لهم من الفهم والوعي والخبرة والحكمة ما لنا ؟ فلندعهم يعيشوا أعمارهم وتجاربهم وخبراتهم .. حتى يتعلموا منها  , و يصنعوا حياتهم بأيديهم لا بأيدينا , ويرسموا بريشتهم  وبألوانهم صورا لأحلامهم لا لأحلامنا ..
فلنكسب قلوب أبنائنا بأخلاقنا ولطفنا وحسن معاملتنا لهم .. وليس بمنصبنا ووجاهتنا وسعة علاقتنا وما نقدمه لهم من زاد مادي , لنجعلهم يحبوننا لشخصنا ، يحبوننا لأننا نحاورهم وننصت إليهم أكثر مم ينصتون لنا ، نعشق أحاديثهم ولو كانت تافهة ، نتعرف على أفكارهم وأحلامهم ، وإن  كانت  بسيطة وصغيرة , لندرك ماهية السعادة بالنسبة لهم ، فهي بلا شك تختلف عن ماهيتها عندنا ، أو التي نريدها لهم ..
أبناؤنا بحاجة إلى آباء وأمهات يحملون صفات الأصدقاء الذين يرافقونهم ، حتى يعيشوا معهم أعمارهم ويتفهموا ظروفهم ومعاناتهم ..
ولهم استعداد أن ينصتوا إليهم صغارا وكبارا ،  ويرفقوا بهم في مواطن الرفق ويشتدوا عليهم في مواطن الشدة ، يمرحون معهم تارة ويعلمونهم الجدية والالتزام تارة أخرى ، فيتعلمون منهم ويعلمونهم ..
أبناؤنا  بحاجة لمن يشعرهم بقيمتهم روحا وجسدا ووجودا ، لا لمن  يضطرهم يلجئون للغريب  ، ليشاركهم أفراحهم وأتراحهم , فيتحول حبهم لهم أكثر من حبهم لنا
كثيرا ما نندفع بدافع الحب الذي نحمله لأبنائنا فننجز كل شيء لأجلهم ، لكن ماذا نتوقع من طفل أو شاب عودناه على أن نقوده في كل شيء ، دون أن يتحمل مسؤولية أي شيء ، أو ان يبذل أي مجهود منه ، تعود على أن نفكر بدلا عنه ، ونحلم بدلا عنه ، ونخطط لأجله ، ولا نمنحه فرصة أن يكون له شخصية مستقلة تفكيرا وإحساسا وتعلما وعملا  ؟
أتراه يوما سيملك أن يكون مواطناً قادراً علي العطاء والتفكير والبحث عن حلول أم أنه سيتحول إلي فرد يحتاج إلي من يتبناه ؟!
إننا نقتل أحلام أبنائنا قبل أن تولد ، ونجهضها حتى لو قدر لها أن تجد رحما يحتضنها  لأننا عودناهم على أن يظلوا صغارا ولو تقدم بهم فصاروا مكلفين ومسؤولين ..
أبناؤنا بحاجة لتنشئتهم على أن يكونوا أكثر تحملا للمسؤولية ، ويكون لدينا نحن اقتناع تام على أنهم أهل لذلك ، وعلى أنهم ليسوا ملكا خاصا لنا كملك الأصول والعقارات وعروض التجارة والمال ..
فمتى ندرك الحقيقة !!
 

نعم صدقت ثم صدقت ثم صدقت
7 + 4 =
د. محمد بن إبراهيم الحمد
دبيان بن محمد الدبيان
د. عامر الهوشان
يحيى البوليني