المال التعيس والفقر السعيد .. مقاربة في تربية الابناء
13 جمادى الأول 1439
د. خالد رُوشه

لم يكن المال في لحظة من اللحظات سببا في السعادة ، ولا كان منبتا لفضيلة ، ولا دافعا نحو قيمة ، إلا ما كان منه لله سبحانه نفقته ، فكان كرما وصدقة وعطاء .

 

ومنفعة المال في الدنيا معدومة ، إذ يجمعه صاحبه فيتعب في جمعه ، ثم يتركه لورثته ويرحل ، وماأخذ منه سوى رزقه الذي قدر له .

 

والمال على المستوى التربوي قيمته متعلقة بطاعة الله فيه وبه ، فالمال المفيد هو المال الصالح في يد الرجل الصالح ، وغير ذلك فتبعة ومسؤولية وربما حسرة ..

 

وكم رأينا من فقير سعيد , بينما أغنياء كثر غير سعداء , بل كم رأينا من أغنياء وصلوا بمالهم قمة الغنى المادي يصبحون يوميا لا يلوون على شىء سوى رغبتهم في أن يتخلصوا بأنفسهم من حياتهم إلى مصير هم يقولون إنه مجهول , ونحن نقول لهم إنه مصير بائس .

 

بل إنك ترى الإبداع يكثر نبته بين الفقراء ويقل عند الأغنياء , والشجاعة والنباهة والفضيلة تجد لها بين متواضعي الحال مرتعا بينما يضيق مسراها ومغداها بين القصور وواسع الدور .

 

 الأطفال في هذه القضية لا يختلفون عن الكبار كثيرا  , فحظ الطفل الفقير في غالب الأحوال خير من قرينه الغني , على الرغم أن الظاهر غير ذلك !

 

لكن كيف أخلص إلى تلك الفرضية المستغربة بينما يرى الناس أطفال الأغنياء يرتعون في مترف العيش , ويتنعمون بمختلف النعم , فإذا أرادوا اللعب وجدوا عشرات الألعاب , وإذا أرادوا التريض وجدوا أفسح الملاعب والنوادي , وإذا ارادوا الطعام أو الشراب تلذذوا بما لذ وطاب ! .., بينما قرناؤهم الفقراء يعُد آباؤهم عليهم الدراهم عدا , ويمنعونهم من معظم ما يرتجون من المشتريات , ويضيقون عليهم في رغباتهم في الطعام والشراب والألعاب نتيجة قصر ذات اليد وضعف ذات الإمكانية .

 

والجواب على هذا الذي قد يستغربه القارىء يكمن في تدبر أكثر عمقا للقضية , وتفهم أكثر حكمة لطبائع الحياة , فمن ذا الذي يستطيع أن يقرر أن كثرة الألعاب في صالح التربية أو أن تلبية كل الطلبات هي في مصلحة البناء النفسي للأبناء , أو أن لذيذ الطعام والشراب دافع لمستقيم الأخلاق ؟!

 

إن نفسية الأطفال نفسية لطيفة نقية شفافة لينة سريعة التأثر بما يحيط بها , تتربى على ما تنمو عليه , وتتشكل حسبما تتقولب فيه , وبحسب معطيات النمو وطبيعة القالب يكون مبناها وتتكون أوصافها .

 

فالطفل الذي يجد أمامه مبتغاه بمجرد الطلب سينشأ معتمدا على ذلك معتادا على تلبية كل طلباته ورغباته , ولن يعوقه عائق إذا ما اشتد عوده , وتمرس عقله , وإذا دارت عليه دورة الايام دورة سلبية ففقد بعض ماله أو بعض رهطه وصحبه سيبحث عن إجابة طلبات نفسه على اي حساب كان من سىء الأخلاق أو كريه المبادىء ..

 

والطفل الذي يتربى ناعم اليد مترف العيش سيكبر غير عابىء بالفقراء , غير مكترث لمعاناتهم , غير آبه بمعنى كد العيش والعطاء في الحياة للآخرين .

 

والطفل الذي ينشأ مستجاب المطالب , يعيش في رغد دائم , لن يتعلم المشاركة في العمل , ولن يتفهم أثر الآخرين في الحياة , وسينظر للأغيار كونهم وسائل لمراداته فحسب ..

 

والطفل الذي يتفاعل مع الحياة باستهتار ويحيا ايامه باحثا عن المتاع والترفه ، سينكسر أمام الفتن ، وسيتراجع أمام الاختبارات والابتلاءات .

 

لاشك أن ههنا محورا هاما يجب أن نؤكد عليه في حديثنا , وهو أن للحرمان ايضا أثرا سلبيا على نفس الأطفال , وللشعور بالدونية أثر غير مرغوب فيه , وأنه ينشىء النفس تواقة لكل جديد غير قانعة بما في يدها .

 

 والحل في ذلك أن يقوم الوالدان – سواء أكانوا أغنياء أو فقراء – بواجب التربية على التوازن والوسطية والاعتدال , فيعلمون ابناءهم معنى تحمل المسئولية , ولا يكثرون المال في أيديهم مهما كانوا أغنياء ,  ويمتنعون عن تلبية كثير من طلباتهم ورغباتهم رجاء أن ينشأوا على تحمل المسئولية , متفهمين معنى الرجولة والصلابة .

 

 

كما أن على الآباء الفقراء أن ينتبهوا لتعليم ابنائهم القناعة والرضا بما قسم الله لهم , وببناء القيم والمبادىء في قلوبهم , وترسيخ معنى العفاف عما في يد الآخرين , ومعنى غنى النفس , ومعنى التوكل على الله والأخذ بالأسباب وغير ذلك

 

 إن تَرِكة يتركها الأب - كفاضل الأخلاق وطيب الصفات -لتثقل أضعافا في ميزان الحق والصواب .

كما أن ميراثا من العقل والأدب والرجولة والمروءة  والاعتماد على الذات , والعزة والكرامة لهو الثروة الحقيقية التي يجب أن يتركها الآباء الحكماء لأبنائهم .

فيتركونهم واثقين في حسن خطاهم , ويفارقونهم تاركين الصلاح ينبت , والثواب ينمو مهما رحلوا عن الحياة ...

3 + 6 =