تبصرة القلوب
16 جمادى الثانية 1439
د. صفية الودغيري







لقد سبَر سبحانه بقدرته القلوب، فأجرى نبضها مجرى الموج والفلَك، ودَبَر تقلُّبَها كالفُلك في البحر، يسبح في النُّور والحلَك، فمن مال منها إلى حزب الشَّيطان قد هلَك، ومن مال منها إلى أهل الذِّكر والتَّسبيح قد نجا وسلك، وتنزَّه عن السُّقوط في المكاره والخبائث والحفر، إذ كفَّ نفسه عن الوقوع في المحارم والمهالك، فعَمَّه الخير والرزق الكثير، وأُعْطِي النَّوال والفضل الغزير..

 

 

ومن قصر منها عن سلوك المصابرة، وتخلَّى عن المُضِي في طريق المجاهدة، وصَدَّ عن الخشية والمراقبة، ولم يلزم حصن التَّقوى في السّر والعلانِيَّة، وصمَّ سمعه عن الاستجابة للدَّاعي إذا دعاه، ولم يلبِّي هاتف النِّداء، صاحت جوارحه صيحة واحدة، وأرعدت من الخوف والفزع، وأظلمت شعاب قلبه، وضاقت عليه مسالكه، وانحرف عن سواء السَّبيل، وضَلَّ عن سلوك الطَّريق المستقيم، ولم يهتد إلى معرفة منهاجه السَّوي ومقصده الصَّحيح ..

 

 

فالكلُّ جندٌ لهذه القلوب، إذا استقامت استقاموا، وإذا ضلَّت ضلُّوا، والكلُّ يأتمرون بأمرها وينتهون عن نهيها، والكلُّ ينطق بلسان حالها، ويتكلَّم بحركاتها ويخضع لإشاراتها ..

 

 

وشتَّان بين أهل العبادة والذِّكر، من اجتهدوا في دفع المعاصي عنهم  بكلِّ طريق يسلكونه، فازدادوا قربا من الله، وتوقُّدا وشدَّة في التمسُّك بالأحكام، وبين أهل الإعراض والغفلة، من ابْتُلوا بارتكاب المظالم واقتراف الآثام، فأفسدت عليهم دنياهم واَخرتهم.

 

 

فعن عمر بن ذر قال: <<لما رأى العابدون اللَّيل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل الغفلة قد سكنوا إلى فراشهم ورجعوا إلى ملاذهم، وقاموا إلى الله سبحانه وتعالى فرحين مستبشرين بما قد وهب الله لهم من السَّهر وطول التَّهجد، فاستقبلوا اللَّيل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفحات وجوههم، فانقضى عنهم اللَّيل وما انقضت لذَّتهم من التِّلاوة، ولا ملَّت أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولَّى اللَّيل بربح وغبن، فاعملوا لأنفسكم في هذا اللَّيل وسواده، فإنَّ المغبون من غُبِن خير الدُّنيا والآخرة، كم من قائم لله تعالى في هذا اللَّيل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة الله تعالى للعابدين غدًا>>[1] .

 

 

1 ـ مفاتيح السعادة

إنَّ مفاتيح السَّعادة لا يملكها إلا من أشرق قلبه بأَنْوار الإيمان، فانْجَلى عن صدره ظلام الضَّلالة والجهل، وتزوَّد في طريقه بزاد العلوم والمعارف النَّافعة، وصان نفسه مِن العلل والأسقام المُرْدية، وصَدَّها عن الإقبال على الشَّهوات والمحرَّمات، وقد جعل النَّبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -  الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء: فروى أبو داود في سننه  من حديث جابر بن عبد الله قال: (خرجنا في سفرٍ فأصاب رجلا منا حجرٌ ، فشجّهُ في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون في رخصة في التيَّمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله ! ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاءُ العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصر أو يعصب على جرحه، ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده) [2] .

 

 

فإن القرآن كله شفاء، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ[3]، وشرح هذا المعنى الجليل ابن قيم الجوزية فقال: <<فإنَّ القرآن له شفاء، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشَّك والرِّيب، فلم ينزل الله سبحانه من السَّماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الدَّاء من القرآن>> [4] .

 

 

وإنَّ مفاتيح السَّعادة في الاشتغال بذكر الله والطَّاعات، وارتقاء مدارِج السَّالكين طريق الاستقامة والهِداية والصَّلاح، ومن كان هذا شأنه اصْطَفاه الله مع الأَتْقِياء الأَخْيار، واختاره من زُمْرَة السُّعَداء الأبرار.فال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)[5] .

 

 

وإنَّ مفاتيح السَّعادة في اليقين التام، والثِّقَة بكفاية الله وقدرته، فهو من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، وحصول المطلوب وبلوغ المقاصد والأهداف، فإن تخَلَّف أثره وتأثيره يكون إما لضعف قلب حامله ومتلقِّيه، أو لأنَّ هذا القلب مفتون ومشغول، لا يقبل بجمعِيَّته على ما يحِبُّه الله، ولا يخضع بكلِّيته على المطلوب، أو لأنَّ هذا القلب لا يخشع ويرِق، ولا الجوارح تنكسر بين يدي الله، ذلاًّ له وتضرُّعًا إليه، وتخشاه رغَبًا ورهبة منه، فيكون حالها "بمنزلة القوس الرَّخْو جدًّا فإنَّ السَّهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا"[6] .

 

 

وإما لمخالطة اليقين للشَّك، أو لمانِع من استجابة الدُّعاء، وبلوغ الغاية وتحقُّق المُبْتغى والمراد، فمما ينبغي التفطّن له هو أنَّ اليقين الصَّادق هو الخالص مما يخالطه من الأقذاء والأكدار، فيُنْجي صاحبه من شرك الدُّنيا وركوب مطِيَّة الحرام والهلاك، ويقيه عن الوقوع في الظُّلم، واستيلاء الذُّنوب على قلبه والآثام، وغَلبَة الغفلة والشَّهوة، والسَّهو واللَّهو عن أداء الفرائض والعبادات والطاعات، وترك المداومة على الأذكار  والأدعية وقراءة القرآن ..

 

 

في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ــ : (أيها الناسُ ! إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّبًا. وإنَّ اللهَ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)[7]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ[8]. ثم ذكر الرجلَ يطيلُ السَّفرَ. أشعثَ أغبَر. يمدُّ يدَيه إلى السَّماءِ. يا ربِّ ! يا ربِّ ! ومطعمُه حرامٌ، ومشربُه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام. فأَنَّى يُستجابُ لذلك ؟)[9]

 

 

واليقين الصَّادق يستدعي الجِدَّ وقوَّة همَّة العبد العامِل في طاعة الله، السَّاعي إلى التَّأثير بالقول والعمل الصَّالح، القانِت القائم بأمر الله، فمتى تخلّف عن سلوك هذا الطَّريق القويم، ولم يأخذ بهذا الدَّواء النَّافع الشَّافي، لم يتحقَّق مبتغى أثره ولا تحصيل تأثيره، لمانع قوي منع اقتضاءه، وأبطل قوَّته وأضعفه، <<كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحِسِّية، فإنَّ عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطَّبيعة لذلك الدَّواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره.  فإنَّ الطَّبيعة إذا أخذت الدَّواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرُّقى والتَّعاويذ بقبول تام، وكان للرَّاقي نفس فَعَّالة وهمَّة مؤثِّرة، أثّر في إزالة الدَّاء>>[10] .

 

 

وإذا تحقَّق فيك هذا اليقين الصَّادق الخالص، منحك الطَّاقة المضاعفة، والشُّعور بالأمان والسَّلام، ووهبك الغنى الحقيقي، والسَّعادة التي تَحثُّك على مواصلة الطَّريق مهما كان شاقًّا وَعْرًا، وشحذ همَّتَك لتحمُّل المحن ومكابدة المشاق، والتَّحَلِّي بالصَّبر عند نزول البلاء، والرِّضا بقضاء الله وقدره عند توالي الخطوب وتعاظُم الشَّدائد، فإذا استغنى قلبك بالله فلا شيء يُفْقِره، وإذا افتقر قلبك لغير الله فلا شيء يُغْنيه بعد ذلك..

 

 

2 ـ إصلاح السَّرائر

إنَّ سلوك القلب يتقدَّم على سلوك الخطى والأقدام، فتَعْجل النَّبضات خافقةً بالتَّكبير والتَّهليل؛ لتصل طريق الله بالمحبَّة والإخلاص، والصِّدق في السَّعي والإقبال، والفعل الملتزم الجاد المنافي لفعل اللاَّعِب العابث، الَّذي يجيء بالحقِّ وينتصر له، جهادًا في سبيله بنفسه وماله وما أوتي من قوَّة، ويقصد به الغايات المحمودة، وينشد سَوْق الوسائل لبلوغها، كما قال إبراهيم لما آتاه الله رشده من قبل التَّوْرَاة وَالْقُرْآن: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) [11] .

 

 

وشتَّان بين الفعل الجاد الذي مداره على الطَّاعة والإقرار بالعبادة والتزام الحق، وبين الفعل العابث الذي مداره على مخالفة المنهاج الصَّحيح والانحراف عن الطريق المستقيم، <<فالَّذي يأِتي بالحقِّ خلاف اللاَّعب فإنَّه يقصد أَن يخبر بصدق ويأمر بما ينفع وهو العدل بخلاف اللاَّعب العابث فإنَّه ليس مقصوده هذا بل اللَّهو واللَّعب. ولهذا قد يشتم الإنسان على وجه اللّعب، ويفعل بِه أفعال منكرة فلا ينكر ذلك كما ينكره من الجادِّ المحقِّ، ولهذا كان عامَّة اللَّهو باطلا ليس له منفعة، كما قال النَّبِي صلَّى الله عليه وسَلَّم: (كلُّ لهو يلهو به الرَّجُل لهُوَ باطلٌ إِلَّا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه، وملاعبَة امرأتَه، فَإِنَّهُنَّ من الحَقِّ)[12]  فالحَقُّ ضدُّ الباطل وَاللَّهو باطل، ولهذا تنزَّه سبحانه عن أَن يخلقهما باطِلاً، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)[13]، فاللاَّعب صاحب باطل لا صاحب حق .. >>[14] .

 

 

فالفعل الملتزم الجاد يصغي إلى حديث القلب، والجوارح تلبِّي نِداءه الآتي من الأعماق، لإصلاح السَّرائر ولُزوم تقوى الله، واجتناب كل محرَّم وما لا منفعة فيه لفاعله، والإذعان لله في خضوع، وانقياد واستسلام تام، وقنوت عام، فيغشاها الأمن والسَّلام.

 

 

قال ابن حبان: <<قُطْبُ الطَّاعات للمرء في الدُّنيا : هو إصلاح السَّرائر، وتَرْكُ إفساد الضَّمائر . والواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته، والقيام بحراسة قلبه عند إِقْباله وإِدْباره، وحركته وسكونه، لأنَّ تَكدُّر الأوقات وتَنغُّص اللَّذات لا يكون إلا عند فساده . ولو لم يكن لإصلاح السَّرائر سببٌ يؤدِّي العاقل إلى اسْتِعماله إلا إظهار اللَّه عليه كيفيَّة سريرته، خيرًا كان أو شَرًّا، لكان الواجب عليه قلَّةَ الإِغْضاء عن تعاهدها>>[15].

 

 

وقال أيضا: <<الواجب على العاقل أن يأخذ مما عنده لما بعده من التًّقوى والعمل الصَّالح: بإصلاح السَّريرة، ونفي الفساد عن خلل الطَّاعات عند إِجابة القلب وإِبائه، فإذا كان صحَّة السَّبيل في إقباله موجودًا أنفذه بأعضائه، وإن كان عدم وجوده موجودًا كبحه عنها، لأنَّ بصفاء القلب تَصْفو الأعضاء>>[16].

 

 

3 ـ القلوب المؤمنة لها بصيرة

القلوب المؤمنة لها عيونٌ تُبصِر من حدقات شرايينها، ونبضاتٌ صادحة بأغاريد الحقيقة في ميقاتها، وصبيبٌ يجري إلى حيث مستقرها الآمن، الخالص مِن الشَّوائب والأخلاط؛ فالوعاء إذا صفا من الكدر والعفن سقى شرابه الظَّمآن فارتوى. وعن الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عمر بن الْخَطَّاب قَال لأصحابه: (ما تقولون فِي الرَّجل لا يَحْضُره أحيانًا ذِهْنُه، ولا عَقْلُه، ولا حِفْظُه وأحيانًا يحضر ذِهْنُهُ وَعَقْلُهُ؟ قالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، قال: فقال عمر: إِنَّ للقَلْبِ طَخَاءً كطَخاءِ القمر، فإذا غَشِيَ ذلك القلب ذهب ذِهْنُه وَعَقْلُه وَحِفْظُه، فإذا تجلَّى عن قَلْبِه، أتاه ذِهْنُهُ وَعَقْلُه وَحِفْظُه) [17] .

 

 

وللقلوب المؤمنة عيونٌ ناقدة تبصر الحقيقة بجلاء، وتكشف العيوب والأخطاء التي قد تختفي خلف ظلال الأذن غير الواعية بفنون الكلام، فليس من سمِع كمن رأى فأشرقت بصيرته فوعى.

 

 

وإذا خبا وهج البصيرة تغيب الحقيقة ويتأخَّر ظهورها؛ فتعكس مرايا الجسد وهما وسرابا، وخيالا وظلًّا باهتا كلون الخريف على الأوراق ينتحب، ونور الشَّمس على مشارف الغروب ومغيب الشَّفق، أو تظهر الحقيقة بين الملامح والصُّوَر؛ كأطياف وأخيلة في ظلام مطبق، يكون انكشافها خلف ستار الجاذبيَّة باهِرا للعين وآسِرا للقلب، أو كأَيْكةٍ وارفة الظِّل، أو روضة من رياض السَّعد ناضرة الحسن، إذا جنَّ الظَّلام لفَّها حجاب الستر، فتروم النَّفس أن تشُقَّ حجابها وتمزِّق أستارها، وتصرف وحشة التَّعلق بجمالها الفَتَّان، الملفوف بلحاف الصَّمت والكتمان.

 

 

وصدق الحق سبحانه وتعالى حيث قرن  حياة القلوب بنور البصيرة، فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52)[18] .

 

 

وقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) [19] .

 

 

وقال عزَّ وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)[20] .  وقد فصَّل ابن قيم الجوزية في شأن ما تحمله هذه الآية من معانٍ جليلة فقال: <<وقد قيل إنَّ الضَّمير في (جعلناه) عائدٌ إلى الأمر، وقيل إلى الكتاب، وقيل إلى الإيمان، والصَّواب أنَّه عائدٌ إلى الرُّوح، أي جعلنا ذلك الرُّوح الذي أَوْحَيناه إليك نورا، فسَمَّاه روحا لما يحصل به من الحياة، وجعله نورا لما يحصل به الإشراق والإضاءة، وهما متلازمان فحيث وُجِدت هذه الحياة بهذه الرُّوح وُجِدت الإضاءة والاستنارة، وحيث وُجِدت الاستنارة والإضاءة وُجِدت الحياة، فمن لم يقبل هذا الرُّوح فهو ميِّت مظلم كما أنَّ المائي، والنَّاري لما يحصل بالماء من الحياة وبالنَّار من الإشراق والنُّور>>[21] .

 

 

[1]  رواه ابن أبي الدنيا في : التهجد وقيام الليل رقم (278) : 1/340، وأبو نعيم في الحلية : 5/114، وابن عساكر في تاريخ دمشق : 45/24

[2]  رواه أبو دتود في سننه في كتاب الطهارة (336)، وأخرجه الدارقطني (1/ 435)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/228، 227)، والبغوي في شرح السنة (313) من طريق الزبير بن خُريق عن عطاء بن أبي رباح عن جابر، فذكره. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 156): "صححه ابن السكن، وقال ابن أبي داود: تفرد به الزبير بن خريق، وكذا قال الدارقطني، قال: وليس بالقوي"، ثم ذكر الاختلاف على رواة الحديث. وينظر في هذا تحقيق المسند (3056) ، وبيان الوهم والإيهام لابن القطان = (2/ 236 – 237)

[3]  سورة الإسراء: الآية 82

[4]  الداء والدواء / الإمام ابن قيم الجوزيةـ حققه: محمد أجمل الإصلاحي، خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري، إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد ـ ط. الأولى : دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع: ص 6

[5]  سورة الكهف

[6]  الداء والدواء : ص 9

[7]  سورة المؤمنون

[8]  سورة البقرة : الآية 172

[9]  رواه مسلم في صحيحه (1015)

[10]  الداء والدواء : ص 8 ـ 9

[11]  سورة الأنبياء

[12]  رواه الترمذي في سننه (1637)

[13]  سورة الدخان

[14]  جامع الرسائل /  ابن تيمية ـ المحقق: د. محمد رشاد سالم ـ دار العطاء - الرياض الطبعة الأولى 1422هـ - 2001م : 1 / 20

[15]  روضة العقلاء ونزهة الفضلاء/محمد بن حبان، أبو حاتم، الدارمي، البُستي ـ المحقق: محمد محي الدين عبد الحميد الناشر ـ دار الكتب العلمية - بيروت: ص 27

[16]  المصدر نفسه : ص 28

[17]  الإشراف في منازل الأشراف/ ابن أبي الدنيا ـ المحقق: د. نجم عبد الرحمن خلف ـ مكتبة الرشد: الرياض – السعودية ـ الطبعة الأولى، 1411هـ 1990م: 104

[18]  سورة الشورى

[19]  سورة البقرة

[20]  سورة الأنعام

[21]  الوابل الصيب من الكلم الطيب : ص 54

 

مقال رائع كروعتكم دكتورة صفاء حفظكم الرحمن بما يحفظ به عباده الصالحين

كلمات نورانية تحتاج إلى الوقوف عندها كثيرا لما تحمله من خيرات وبشائر. وقد استوقفني في قوله تعالى:{أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)﴾[20]}قولكم في الشرح:وقد قيل إنَّ الضَّمير في (جعلناه)) فلعل الكاتبة قصدت (جعلنا له) والسؤال لماذا لا يكون الضمير هنا عائدا على ذاك الذي كان ميتا فأحياه الله بنور الإيمان والقرآن، مع العلم أن الكفر موت، والإيمان حياة، أعطر التحية للدكتورة المبجلة صفية الودغيري
18 + 1 =