ثوب القسوة .. والعالم الجديد !
11 رجب 1439
د. خالد رُوشه

هل صارت القسوة هي سمت العالم ؟ هل صار الإضرار والضرر هو سلوكه ومبتغاه ؟! ، هل صار صوت الأنين هو نغمه وألحانه ؟!

 

لماذا كلما توجهت الى وجهة وجدت الألم يغطيها ، والمعاناة تسكنها ، والتربص يقبع باركانها ؟ لماذا ياكل القوي الضعيف ، ويهمل الغني الفقير ، ويطغى القادر على غير القادر ؟

 

لماذا الآلام تطال المؤمنين ؟ ولايبالي بها المحيطون بهم ، أو انهم يستخفون بها ، لماذا صار العالم هكذا في كل موضع ؟!

 

حتى انتشر بين الناس قانون الغاب من جديد ، واصبح الطيب الرقيق الرفيق ضعيفا مهضوما ، في حين ارتقى الغليظ القاسي ؟!

 

هل نحن أمام ميثاق جديد بين البشر يرسمه القساة الجبارون ؟ ..يهملون فيه المبادىء ، وينحون فيه القيم ، ويرفعون فيه شأن المكتسبات الذاتية ، فتصبح النفعية والمصلحية منهجان للحياة ؟!

 

إن شعارات سلبية كهذه ظللنا نعاني منها عبر قرون باعتبارها اشباحا للتخويف ، لكنها في هذه الآونة صارت حقائق واقعة ، فالعالم بالفعل كله صار لابالي بانين الضعفاء ولا بآلام المكسورين ، في حين يشرئب منتبها لتحقيق رغبات القادرين الاقوياء !

 

 

ماأباس هذا العالم بغير رحمة ، وماأقساه بدون رفق ورقة ، وما اشامه بدون تيسير وتبشير ..

 

إنه لاشىء أثمن في هذه الحياة من قلب رقيق طاهر عابد ، يستشعر الخير فيسارع إليه ، ويتاثر بكل متالم ومحتاج ويسارع في معونته والبذل له ، يرتجف لصرخة الطفل الباكي ، ويهتز لنداء الأم الثكلى .

 

إنه القلب الحي ، المتاثر بما يحصل حوله ، المعطاء لما في يديه ، الشجاع البذول ، المتطلع للحياة الآخرة ، الزاهد عن متاع الدنيا .

 

 هذه هي جواهر الحياة من حولنا ، لاشىء يزنها أو يثقلها ، إذ هي النقاء بعينه ، والوفاء والفضائل .

 

القلوب الرقيقة هي الأكثر قربا إلى الله سبحانه و والأكثر تأثرا بالموعظة والتذكرة , والأقرب إلى الندم على ما فات والأقرب بالبكاء من خشية الله , والأكثر شعورا بالفقراء والضعفاء والمرضى وذوي الشكوى , وهي الأرفق بالناس في المعاملات والتصرفات , وهي الأكثر استمساكا بالقيم العليا والمبادئ السامية .

 

 والله سبحانه قد لفت المؤمنين إلى تلك المعاني فيما يخص القرب منه سبحانه والعودة إليه عز وجل , وكأن الآيات تنبهنا إلى أن القلوب الرقيقة هي الخاشعة وهي المنيبة له سبحانه وهي صاحبة الرجاء في القبول عنده عز وجل فقال سبحانه :" ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون "

 

ذلك بعكس القلوب القاسية والفظة , فهي لا تبالي عادة بالضعفاء , ولا تتأثر بالمواقف المؤلمة و ولا تكاد تشعر بآلام الآخرين , كما أنها بين يدي الله سبحانه متحجرة , لا تتأثر بالتذكرة ولا بالموعظة .

 

تلك التي ذمها الله سبحانه الإسلام ، قوله تعالى " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو اشد قسوة "

 

 وهل اشتكت الأرض إلا من غلظة القلوب , وهل تدنست مشارقها ومغاربها إلا من الأفظاظ الذين لا يبالون بصرخات الضعفاء ؟!  , بل إن قسوة القلوب تكاد أن تكون شرطا لكل من أراد أن يمارس الضرر , فالقلوب الرقيقة لا تقوى على الأذى , ولا ترتضي الإضرار .

 

إن القضية مبادئية من الأساس , فمجتمعاتنا التي بدأت تتخلى عن مبادئها وقيمها هي التي سمحت بهذا أن ينمو بين جنباتها , وهي التي غذت تلك الروح السلبية ، وهي التي أغفلت صرخات المكلومين , فصار الناس يرون أصحاب القلوب الرقيقة غير قادرين على الإنجاز والنجاح لبذلهم وعطائهم وحملهم هموم غيرهم في حين يرون الجامدين القساة في مقامات النجاح

 

 إننا بحاجة إلى إعادة القيم الحقة إلى نصابها , وبحاجة أن نرفع شأن الخير والصلاح لعلنا أن نصحح مااخطاناه ..

4 + 2 =