من هدي حديث نبوي كريم.. "غفر له ما تقدم من ذنبه"
17 رمضان 1439
د. خالد رُوشه

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه" رواه الشيخان.
 

كثيرون في رمضان ينشغلون بأمور مختلفة، ويغفلون أن الصوم هو العبادة الأولى المقصودة والمميزة في رمضان إضافة لما علم من الفرائض..
يؤدون الصوم مجرد أداء، لاهين عن مقصوده وقيمته، والأثر المرجو له من التقوى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

 

ثم إذا بهم يبحثون بعيدا عن الصوم عن أمور أخرى لجني الثواب، على الرغم من تضييعهم للصوم ذاته.. وكان الأجر بهم الاهتمام بهذه العبادة العظمى والتركيز فيها والإخلاص معها والصدق في أدائها.
 

إننا أمام الصوم في ثلاثة معان راقية:
أولها: أن الصيام شرع لنا فيه من الأعمال الصالحة ما يكون سببا في تكفير ذنوبنا ورفعة درجاتنا.

 

وثانيها: أن الله تعالى فيه يوفق إلى العمل الصالح ولولا معونة الله وتوفيقه لما تيسرت لنا الصالحات.
 

وثالثها: أن الله أعد به فضلا منه الأجر المضاعف على الأعمال الذي يصل بالناس إلى يوم منتهاه العتق من العذاب..
 

وفي عبودية الصيام صار العابدون قسمين:
أولهما من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله - تعالى - يرجو ما عنده عوض ذلك في الجنة فهذا قد تاجر مع الله والله لا يضيع أجر العاملين؛ ففي الحديث: "إنك لن تدع شيئا اتقاء لله إلا أتاك الله خيراً منه".

 

وأما الطبقة الثانية: فهي طبقة من يصوم في الدنيا عما سوى مرضات الله فيحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه فتدبر في ذلك المعنى واستحضر الحديث الرباني له - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: "إن للصائم فرحتين فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه". متفق عليه.
 

على جانب آخر فبعض الناس إذا فعل بعض الطاعات والقربات في أيام معدودات اطمأن لعمله وركن إليه وارتاحت نفسه لطاعاته ورضي بما يقدم لله، بل تولد عنده شعور أنه أدى حق الله عليه وقد يجره هذا الشعور إلى الإعجاب بعمله والسرور به والغرور به.
 

نعم الصالحات تسعد أهل الإيمان، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو صالح، وقلب المؤمنين يفرح بالثواب.. ولكننا نحذر من الاغترار بالعمل.
 

والصالحون لا يفعلون ذلك؛ لأن الصالحين دائمًا يشفقون من ربهم ويخافون ألا يقبل منهم أعمالهم، ولا يأمنون على أعمالهم أن يكون قد شابها ما يردها عند الله فلا يقبلها - سبحانه -، قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]..
 

قالت عائشة - رضي الله عنها -: سألت رسول الله عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، ويخافون ألا يتقبل منهم" أخرجه الترمذي.
 

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها، وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارًا عقيب الطاعات لشهودهم تقصيرهم فيها وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وقد أمر الله - تعالى -حجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها فقال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
 

وقال - تعالى -: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]، قال الحسن: مدوا صلاتهم إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون الله - عز وجل -، وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم – "كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثًا" رواه مسلم.. (مدارج السالكين).

6 + 0 =