القاعدة السادسة عشرة: لا تُخرجوهنَّ ولا يَخرُجن!
10 ذو القعدة 1439
أ. د . ناصر بن سليمان العمر

قال الله سبحانه : ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ إِلَّاۤ أَن یَأتِینَ بِفَٰحِشَة مُّبَیِّنَة﴾ [الطلاق:1].

تجيء هذه القاعدة، في سياق بيان أحكام الطَّلاق الرَّجعيِّ، ومنها أنَّ المرأة التي وقع عليها الطَّلاقُ الرَّجعيُّ، أيَّا كان سببُه، يُحكم عليها بأن تبقى في بيت زوجها طيلةَ مدّة العدَّة، لأنَّه طلاقٌ قابلٌ للمراجعة، فلذا تجوز الخلوة بينهما، وهنا يُتاح للزَّوجين أن يُراجعا علاقتهما الزَّوجية، وأن يتَثبَّت الزَّوجُ من صِحَّة قراره الطّلاق، وينظر في العواقب بعد العاصفة، فإن كان صوابًا أمضاه، وإن كان خطأ رجع عنه.

 
وهذا التَّدبير الحكيم، هو بعضُ ما يتضمَّنه قول الله تعالى: ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾ وفيه نهيان، نهيٌ موجَّهٌ للزَّوج بأن لا يُخرج الزوجةَ من بيتها، ونهيٌ موجَّهٌ للزوجة بأن لا تخرج من بيتها، (أمَّا النَّهيُ عن إخراجها، فلأنَّ المسكنَ، يجبُ على الزَّوج للزَّوجة، لتُكمل فيه عِدَّتها التي هي حقٌّ من حقوقه، وأمَّا النهي عن خروجها، فلما في خروجها، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه) .

وهذا التَّدبير الحكيم يبيّن علاقة المرأةِ المطلقة بعد طلاقها ببيت الزَّوجيَّة، حيث يأمر الله تعالى الزوجَ بألَّا يُخرجَ الزَّوجة من بيتها إلا لسببٍ معتبر، قال تعالى: ﴿إِلَّاۤ أَن یَأتِینَ بِفَٰحِشَة مُّبَیِّنَة﴾ أي: بأمرٍ قبيح واضح، موجبٍ لإخراجها، بحيثُ يَدخُل على أهل البيت الضررُ من عدم إخراجها، ولكن من المؤسف في واقعنا اليوم، أنَّه ما أن تقع مشكلةٌ في البيت إلا والزوج يقول لزوجته: اذهبي إلى أهلك، على سبيل الغضب، لا يريد بذلك طلاقًا، أو أن تبادر الزوجة بالخروج إلى أهلها، مغادرةً بيت الزوجيّة. في مسلكٍ لا يُراعي ما يترتب على هذا الخروج أو الإخراج من مشكلاتٍ كبيرة، سواءٌ داخل الأسرة الصّغيرة، عندما يدخل الأولاد البيتَ ويفتقدون والدتهم، والحال أنَّهم لا يستغنون عنها، أو في إطار الأسرة الكبيرة التي تجمع أهل الزوج وأهل الزوجة.

حتى لو كان الزَّوجُ مصيبًا، وزوجته قد أخطأت في حقِّه، فإنَّ بإمكانه أن يتصرَّف بأساليب مختلفةٍ، لا تتعدّى نطاق العلاقة بينه وبين زوجته إلى غيرهما، ولا تترتَّب عنها تلك النتائج المؤسفة، فبإمكان الزوج أن يهجر زوجه في المضجع داخل البيت.

 
وحتّى إذا قدَّر الله وقوع الطَّلاق، وكان رجعيَّا، فالواجبُ عليه أن لا يُخرجَها من بيتها، كما تقدم، لكن لما كان هذا الأمر مظنَّة التفريط باتِّباع الهوى وما يمليه الشيطان في سورة الغضب، مهَّد له الله سبحانه وتعالى، بالأمر بالتَّقوى، فقال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ رَبَّكُم لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾، والعرف السائد بين النَّاس، أنَّ خروج النِّساء من بيوتهنَّ، يُفاقم المشكلات، فقد يُصرُّ أهل الزّوجة على عدم رجوعها، وتُصِرُّ هي على عدم العودة، وربما يُضطر الزّوج إلى دفع ثمنٍ باهظ، من أجل إرجاعها، وقد يُديم طرق أبواب المحاكم، وقد كان يكفيه أن يتغاضى، وأن يستجيب لداعي التَّقوى.
 

 ويُلحظ أنّ الأمر بتقوى الله تعالى، ورد فيه ذكر الله تعالى الذي هو أهل التَّقوى، بوصف الرُّبوبيّة المؤذن بكونه أمر متفضل كريم يهيئ لكم ما يصلحكم، فقال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ رَبَّكُم لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾، وفي هذا أيضًا إشارةٌ إلى أنَّ هذا التدبير الحكيم، من حُرمات الله تعالى، فالمسألة ليست مجرد انتصار للنفس بل مخالفة للرب تعالى! فاحذر من أن تقع في أسر الغضب والانفعال، فالأمر يتعلّق بحرماتِ الله سبحانه: ﴿وَمَن یُعَظِّم حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَیر لَّهُۥ﴾ ، ﴿وَمَن یُعَظِّم شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى ٱلقُلُوبِ ﴾ [الحج].

 

ولو وطَّن الزَّوجان أنفسهما على التزام هذه القاعدة، وأن تبقى الزوجة في بيت زوجها، لا تخرج منه ولا يخرجها هو؛ لأدّى ذلك إلى تحقيق الاستقرار في بيت الزوجيّة، ولحلَّت فيه المودَّة والرَّحمة.

 

وإذا كان هذا التوجيه الربّاني وقد وقع الطلاقُ! فكيف يكون أثر الإخراج من البيت بدون الطلاق؟ كما هو حال كثير من الأزواج، وكثير من الزوجات؛ إذ تخرج بلا إذن منه، فأين هما من هذه القاعدة العظيمة! ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾! وتأمل قوله: ﴿بُیُوتِهِنَّ﴾، ولم يقل: (بيوتكم)! فهل من معتبر؟

 

* للاطلاع على القاعدة الخامسة عشرة..
التَّراضي والتّشاور أساس نجاح شراكة الحياة

* للاطلاع على القاعدة السابعة عشرة..
المعاشرة بالمعروف منهاج الحياة الزوجية

6 + 10 =