بين الأخ وأخته " العانس "
22 ذو القعدة 1439
د. عامر الهوشان

علاقة المسلم بأخته - شقيقة كانت أم غير شقيقة متزوجة كانت أم غير متزوجة - ينبغي أن تكون متوافقة مع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم , بعيدة كل البعد عن الجفاء والقسوة والقطيعة فضلا عن الظلم والبغي وهضم الحقوق . 

 

وإذا كان الوصل والإحسان والإكرام والرعاية والحماية والعطف والمؤانسة و...هي حقوق الأخت على أخيها بشكل عام , فإنها مجتمعة أولى بالمراعاة وأشد حاجة للتطبيق في زمن ازدادت فيه مظاهر العنوسة وكثرت فيه حالات الطلاق والفراق بين الأزواج .

 

تحتاج الأخت التي لم تُرزق بعد بزوج إلى معاملة خاصة من إخوتها تراعي حالتها النفسية وما تعانيه من فقد الشعور بالأمومة وعدم القدرة على تكوين أسرة كمثيلاتها من النساء ناهيك عن خوفها وخشيتها من الوحدة مع مرور الزمن و فقدان الأم والأب وانشغال كل ذي أسرة بأسرته من عائلتها .

 

يخطئ بعض الإخوة حين يتعاملون مع أخواتهم بشيء من الفظاظة والغلظة أو يلقون آذانهم إلى كلمات زوجاتهم التي قد لا تخلو من تحريض أو تثبيط همة الزوج عن المبالغة في إكرام أخته....أو يتقاعسون عن الإحسان إلى شقيقتهم التي لم يكتب لها الزواج بعد ولا يراعون ما تقوم به من أمور كان ينبغي عليهم القيام بها لو قدر الله الزواج لأختهم كرعاية والدتهم التي بلغت من العمر ما تحتاج فيه إلى عناية خاصة ومؤانسة وحدتها بعد أن أضحت وحيدة في بيت كان مليئا بالضجيج والصخب من قبل .

 

لا تحتاج الأخت العانس من أخيها إلا إلى كلمة طيبة وتصرف لبق وقول حسن وتأكيد دائم على دورها المهم في الأسرة و تعويض مستمر عن شعور الأمومة المفقود لديها بالتأكيد على أن أولادهم بمثابة أولادها وطرد شعور القلق والخوف من الوحدة في قابل الأيام بالتأكيد على أن هذا لن يحدث أبدا .

 

تفعل هدية الأخ - مهما كانت بسيطة - مفعولها العجيب في نفسية الأخت التي لم يكتب لها الزواج بعد , إذ تشعرها بأهميتها في حياة أقرب الناس إليها ومنزلتها في قلوبهم ناهيك عن دورها في تجديد نشاطها وترسيخ المودة والمحبة والألفة في قلبها تجاه إخوتها .

 

حق الأخت على أخيها ثابت في نصوص دين الله الخاتم , وكيف لا وهي أقرب الناس إليه بعد أمه وأبيه و ألصق الخلق به نسبا و رحما , قد خرجا من صلب واحد و نشأا في بيت واحد .

 

أول ما يمكن ذكره من آيات القرآن الدالة على حق الأخت على أخيها هو تلك الآيات التي تتحدث عن وجوب صلة الرحم والنهي عن قطعها قال تعالى : { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } الرعد/21 قال ابن كثير : مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ .....

 

وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعد النبوة الكثير من الشواهد التي تثبت عظيم اهتمامه بصلة الرحم وحرصه الشديد على هدايتهم ولعل في كلام أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها حين أرادت مواساته بعد نزول الوحي عليه ما يؤكد رسوخ هذا الخلق فيه صلى الله عليه وسلم : ( كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ...) صحيح البخاري برقم/3

 

وعلى الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له إخوة أشقاء إلا أن شدة إكرامه لأخته من الرضاعة الشيماء بنت الحارث ثابت في كتب السيرة النبوية فقد ورد في سيرة ابن هشام أن المسلمين جاؤوا بعد حنين بالشيماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من أنها أخته بالرضاعة بعلامة ذكرتها له ما كان منه إلا أن بسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وخيَّرها وَقَالَ: إنْ أَحْبَبْتِ فَعِنْدِي مُحَبَّةٌ مُكْرَمَةٌ ، وَإِنْ أَحْبَبْت أَن أمتعك وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِكَ فَعَلْتُ فَقَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إلَى قَوْمِي . فَمَتَّعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَدَّهَا إلَى قَوْمِهَا . سيرة ابن هشام 2/458

 

لا يمكن حصر المنافع التي يحصيها الأخ حين يكرم أخته بشكل عام والتي لم يكتب لها نصيب بالزواج بشكل خاص , وإذا كانت مرضاة الله بوصل ما أمر الله به أن يوصل هي أعظم ما يرجوه الأخ المحسن لأخته فإن هناك من المنافع الدنيوية ما لا ينبغي إغفالها في هذا السياق , بداية من الاستقرار النفسي والاجتماعي والعائلي الذي ينعم به الأخ الواصل , وصولا إلى القدوة الحسنة الذي يجسدها صاحب هذا الخلق أمام أولاده والتي سيكون لها دور بالتأكيد في إحسان الأخ فيهم لأخته في قابل الأيام .

 

2 + 0 =