الصديق.. الفكرة والأمل
10 محرم 1440
د. صفية الودغيري

خرج يبحث في هذه الحياة عن صديق يجمع فيه بين رضا ربه وراحة نفسه، فاحتار بين عواطفه تثورُ على حافة صمته وقلبه المهجور الحزين، وأفكاره ترحل بخواطره، وخلجاته تحرِّكها أنفاسه.
وجد الناس تتحرَّك في الشَّوارع، فحدَّق بالوجوه فلم يجد ملامح تشبهه، ولا كلمات تهزُّه، ولا حروفًا تضمُّها الشِّفاه بضمّات الفرح .

 

فالسِّرُّ في جمال الطبيعة يتدفَّق على من يهتزُّ طرباً للمعاني الجميلة، كما يهتزُّ محبٌّ وجد مع من يحبُّه أسباب حبِّه، فتفتَّقت في جسمه فورة الشَّباب، وفي قلبه بركان الدِّماء، وفي روحه بريقُ نور فتّان، يزجر خوفه وضعفه.

 

والسِّرُّ في النَّفس التي أحسَّت بهذا الجمال، ولمست الحُسن بنظرة بهاء، فسبَّحت تعظيما لمن خلق هذا الجمال إبداعا .
والسِّرُّ في هذه الخُطَى التي تتحرَّك في هذه الحياة، وتنبِضُ فيها عروقُ الدِّماء، وهذه العيون التي تضيءُ في وجه الظَّلام، وهذا اللِّسان الذي ينهاه عن رَدَاه ويتكلَّم بثناء.

 

 والسِّرُّ في هذا الإنسان الذي خرج يبحث داخل مملكته الإنسانيَّة، عن صديقٍ يشهد معه جمال الكون في نظامه، وجمال الطَّبيعة مزهُوَّةً بوشاحِها الأخضر وطِرازِ الأرض، وألوان النَّفس على النَّفس، وأخْيِلَة السَّعادة تعطِّر الجوَّ والقلوبَ بنفحاتِ فرحٍ جديد.

 

والسِّرُّ في هذا الصَّديق الذي اختاره، ليشاركه حياةً جديدةً بسحرها وجمالها، فيه لمسة صِدقٍ وإخلاص، كأنَّ أشعَّة الشَّمس نالَتْهُ بنقائِها ونضارتِها،  فصار إنساناً مختلفًا جديدًا على نفسه، وجديدًا على من حوله، في فكره الإنساني المحتفِظ بطَبائعه، في تمام الإحكام والتَّوازن والانسجام، وفي قلبه الحيِّ بفِطرته، الطَّاهر الأبيض في نقائِه، يمثِّلُ الحياة العَطِرة الهنيئة، بنورها الضَّاحك يشعُّ داخل هذه المملكة الإنسانيَّة , فلتكن صداقة في الله بلا مصالح شخصية أو معاني دنيوية..

فاستحقَّ أن يسجِّل معه بدايةَ مولِدِه وتاريخَ ذكرياتِه، ويدوِّن اسْمَه بحبرٍٍ من ذهب، منقوشًا على صدرِه لا ينساهُ فيما ينساه .
لأنَّه الصَّديقُ المؤمن الذي يشعر معه بأنَّه سعيد، وبأنَّ لوجودِه أريجُ عطرٍ يفوح، يأخذُه من مكانِه وزمانِه، ويرحلُ بشوقِه إليه، كما يرحلُ الغريبُ بشوقِه لوطنِه خارجَ وطنِه .
في لقائِه فرحةُ العيد وبهجةُ الحياة، وزهورٌ تتفتَّحُ على أسرارٍ من معاني القلب، وابتساماتٍ من الشِّفاه الرَّقيقة، ونظراتٍ يشعُّ منها بريقُ حبٍّ صادق.

 

يحفظ أسراره، كحفظِ نفسِه ودينِه وعِرضه، ويُلقي على عاتقه بكلِّ أشيائِه وحاجاتِه، وبكلِّ همومِه ومتاعِبه، فيشعر معه براحةِ روحِه في تخلّيها عن أثقالِها ومشاقِّها، وفي تحرُّرها عن قيود الاستعباد .
فهو أمامه بحرِّيته، يتكلَّم، ويعبِّر، ويصرخ، وينفعل، وبكامِل بساطتِه وسذاجتِه، لا يحتاج لألوانٍ صناعيَّة أكثر من ألوان نفسه، وألوان الطَّبيعة في تجلّي حقيقتِها وانْكِشافِ صِدْقِها .

 

وهو أمامه بصفاته البشريَّة، مولودًًٌ صغيرٌ يصرخُ للقاء الدُّنيا والعالم الجديد، وإنسانٌ حقيقيٌّ بفطرتِه وطبيعتِه، يحملُ طفولته البريئة، وشبابه الفَتِي، وتاريخَه الكامل في صفحاتِه ويوميّاته .
معه يبدع في كلِّ لقاءٍ حكايةً جديدة، ينسُجُها الحُبُّ بنسيجِ الحياةِ، التي تهبُ المحبَّ أسبابَ التَّعلُّقِ بالآمال في أحلام المحبّين .

 

ويظلُّ يردِّد معه: أهكذا تكون لغةُ المحبّين للمحبّين؟ أم لغةُ الجمال الملوَّن بألوان الشَّمس؟ أم لغةُ الرّوحِ ينبضُ فيها عِرْقُ النُّور، المنبعث من العين والشَّفَه والأذن وكلِّ الحواس؟
أهكذا يكون الحبُّ الصّادق في الله والوفاء في الله  ، حين تترجِمُه الحواس، وتحرِّكُه روحُ حامِلها، في أبدع تصويرٍ لفطرتِه؟ أم هو الإحساس الذي لا تجد له تفسيراً ولا ترجمةً ولا لغةً إلا أنه خُلِق على طبيعته من إبداع الصّانِع سبحانه ؟

 

وتمرُّ السّاعات في اجتِلاء الفرح، وكأنَّهما في عالمهما خارج دائرة الزمن، ينتصر خلالها القلب على العقل، في نظامِ دقّاِته ومعانيه التي تحمل أسرار الحياةِ بكاملِها، كما ينتصر محور الدّائرة في السّاعة على حركة عقاربها، في ثباتِه بالمركز الوسط .

 

لأنه يحتويه بكلِّ ما فيه، فلا يملُّ من ثرثرةِ حديثِه، ولا من زلاّتِ لسانه، ولا من هَفَواتِه وسَقَطاتِه، ولا من ثورةِ جموحِه الصّاخبَة، وبُركانَ غَضَبِه، بل يهدِّئُه بكلماتِه العذبة، وبحنانه وعطفه، فينسى قسوة حياته وشَّدتَها .

 

فهو الوحيد الصديق الذي يأمره بالخير ولا يخدعه، ولا يحسده، ولا يكرهه، ولا يظلمه، لأنَّه حقًّا وبصدق يحبُّه، فهو كالجوهرة الغالية نادرًا ما نصادفُها ملقاةً بين رُكامِ الأحجار، على الشَّوارع تدوسُها الأقدام، وكالزَّهرة الفَوّاحة في رياضِها وبساتينها، وكالذَّهب الخالص لا ينافسه بريقٌ غير الذهب..

 

فكم نحتاج لمثل هذا الصَّديق التقي في حياتنا، من يشاركنا أفراحنا وأتراحنا، ويهدينا السعادة في آمال نتقاسمها، وصفاتٍٍ مشتركة تجمعنا، وأهدافٍ  نبيلةٍ نحقِّقها، وأعمالٍ جليلةٍ ننجزها، ونحتمل معاً معاني وجودنا، ونؤدي واجباتنا الإنسانية أداءً عادلاً يريحنا، ونربّي أنفُسَنا التَّربية الدّينية والاجتماعية، ونهذِبُها تهذيباً أخلاقيًّا يرقى بأفكارِنا وأعمالنا وأقوالنا، ونطوِّر إمْكاناتِنا وفق المدنيَّة الصَّحيحة .
ونسعى معاً لنحقِّق أحلامنا بعزائمنا وهمَّتِنا، ونصنع مجدنا بأيدينا وسواعِدٍنا خطوةً خطوة، ونتقدَّم إلى الصُّفوف الأماميَّة في كل مجالات حياتِنا، فننهض بأمَّتِنا ونحقِّق انبِعاثًا لأفكارنا وقيمنا وفضائلنا ومكارمنا،..

1 + 2 =