يرفع أقواما و يضع آخرين
16 جمادى الثانية 1440
أميمة الجابر

هو العظيم سبحانه، لا يخفى عليه شيء من خلقه، سميع لهم، بصير بهم، مطَّلع على أقوالهم، يغفر الذنب، ويستر العيب، ويفرج الكرب، يعلي الحق، ويبطل الباطل، ينصر المظلوم ويقسم الظالم، يجيب الدعوات ويقضي الحاجات، ويغفر الزلات، وسعت رحمته كل شيء، يتراحم الخلائق برحمته، لا تأخذه سنة ولا نوم، حي قيوم، لا إله إلا هو، وهو الخلاق العليم.

 

إنه سبحانه غني عما سواه، تفتقر الخلائق إليه في جميع أحوالها، يجيب دعوة المضطر فيسعد بعد حزن، ويعطي السائل، فيشبع بعد جوع، ويشفي سقيما ويغني فقيرا ويقوي ضعيفاً.

 

يذهب اليأس والقنوط من القلوب بإجابته لحاجة السائلين التي لا تنقطع، فيعطي أقواما اليوم القوة وفي يوم آخر يهلكهم إذا هم تجبروا بها واستعلوا على خلقه، أو يسحبها منهم في ساعة مرض أو تعب.

 

يعز من يشاء، ويذل من يشاء، فالأمور لا تبقى للعبد على حال واحد، بل تغير دائم وتقلب مستمر وهي تذكرة لأولي الأبصار لاغتنام أوقات الرخاء والقوة والصحة والغنى فنستمسك بالإيمان به سبحانه.

 

فالله سبحانه بقدرته يعطي ويمنع، يرشد الضال، ويرد الغائب، ويهدي الحائر، ويجبر الكسير، ويرد المعتدي، ويسحق الباطل، وينصر الحق.

 

تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} فقلنا يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: "أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين".

 

ذلك الوصف الدال على قدرته، فلا يقع شيء للخلائق إلا بإذنه، فهو كل يوم في شأن، يخفض ويرفع، يقبض ويبسط، يولي ويخلع، يحيى ويميت.

 

وهو سبحانه يغير أحوال خلقه على اعتبار سننه في كونه، وعلى اعتبار إيمانهم به، فقد قضى في كونه مجازاة المحسن، وإجزاء المجتهد، وأن من زرع حصد ومن جد وجد، كما قضى سبحانه أن يختبر المؤمنين في أنفسهم وأموالهم، ويختبرهم في دينهم ليميز الخبيث من الطيب ويرفع درجات من يستحق ويعدل بين الناس في الجزاء والثواب ولتبين أسماؤه الحسنى وصفاته العلى سبحانه ويعلمها الناس.

 

نحن نحتاج إلى الوقوف مع أنفسنا، لإصلاح قلوبنا وعيوبنا، ونضع أنفسنا أمام محاسبة جادة ننقي فيها صدورنا، ونعيد فيها ترتيب صفحتنا الصادقة التي نرجو أن يعاملنا الله سبحانه على اعتبارها، نتخلص من شوائب الدنيا وحبها والركون إليها، ولا نعاتب من حولنا قبل أن نعاتب أنفسنا، يقول الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41].

 

إنه سبحانه لا تخفى عليه خافية من أعمال عباده، فكل حركة وكل لفظة هي معلومة ومدونة في سجلات يوم الحساب، وإنما يجب علينا أن نتواصى بذلك ونتعامل على اعتباره، فإذا تقابلنا فلا غيبة ولا زور ولا بهتان، وإذا تحاورنا فلا خصام ولا شجار وإذا تقاسمنا فلا جور ولا طغيان، يقول الله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49].

 

لقد حكى لنا رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم أن امرأة دخلت النار في هرة، ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت، فعلينا ألا نحقر صغيرة من الذنوب مخافة أن نكب بها على وجوهنا، وألا نحقر من الطاعة شيئا عسى أن يرفعنا الله تعالى بها، يقول بلال بن سعد رحمه الله: "لا تنظر إلي صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت"، والله تعالى يرفع الأقوام بجهدهم واجتهادهم وصالح أعمالهم، يقول الله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}، ويقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

 

إن سنن الكون وقوانين الحياة لتبث التفاؤل في قلوب الجميع مهما وجدوا من تقلبات سلبية في حياتهم، فإن العسر يتبعه اليسر، والظلام يتبعه النور، وإن الضيق يتبعه الفرج، والله سبحانه يبشر الضعيف والمظلوم والمكلوم، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

17 + 3 =