بدعة عيد الأم.. أحزان تتجدد
14 رجب 1440
سلوى المغربي

دائما ما يكون اتباع شرع الله سبحانه بابا للسعادة في الدنيا والآخرة ومدخلا لتنزل رحمات الله سبحانه على عباده , ودائما ما تكون الشقاوة والعنت والمشقة في مخالفة أمره والابتداع في دينه بالزيادة أو النقصان , فلا أحد أعلم بالخلق من خالقهم سبحانه الذي شرع لهم ما يصلحهم شأنهم في الدارين .

 

ولقد جعل الله للمسلمين يومين للأعياد هما يوم الفطر ويوم الاضحى , حيث جعلهما بعد طاعتين تسر بهما النفوس المؤمنة الطاهرة , ولكن بعض الناس ومنذ فترة ليست بالقليلة ابتدعوا للمسلمين عيدا لم يشرعه الله ولم يأمر به , وظنوا بعقلهم القاصر انهم سيسعدون البشرية به وسيستكملون ما نقص في دين الله – حاش لله – ألا هو المسمى بيوم عيد الأم

 

ولقد بين العلماء الأجلاء – جزاهم الله خيرا – الحكم الفقهي في الاحتفال به من وجهة النظر الشرعية وسنعرض رأيهم الفقهي وسنتناول الأمر تاريخيا ثم نتناول الأمر من وجهة النظر التربوية التي بلاشك ستتوافق وستدعم وجهة النظر الشرعية فيه وسنتناولها في عدة نقاط :

- تاريخيا فقد كانت صاحبة الفكرة امرأة أمريكية تدعى أنا جارفيس والتي تربت في دير للنصارى وكانت تدرس في مدرسة الأحد التابعة للكنيسة النظامية "أندرو" في جرافتون غرب فرجينيا ولم تتزوج ، ودعت إلى الاحتفاء بالأم على شكل عيد سنوى تقدم فيه الهدايا وتقام فيه الاحتفالات , وعلى الرغم من نهي الرسول صلى الله عليه وسلم لنا من اتباع سنن أهل الملل غيرنا - ففي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قوله " قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم "لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ "فَمَنْ؟ " – فعلى الرغم من ذلك نُقل هذا الاحتفال للمسلمين عن طريق مؤسسي أخبار اليوم المصرية الذين تبنيا هذا الاحتفال ودعوا له وساعدتهما وسائل الإعلام المختلفة بكافة أشكالها وإمكاناتها , حتى صار ليوم عيد الأم قداسة ومكانة لا يستطيع أحد أن يقترب منها , وساعدهم أيضا بعض دعاة المنابر الذين يخصصون – جهلا بالحكم – خطبة الجمعة لهذا الغرض ويتحدثون فيه عن فضل الأم وكيفية برها .

 

- وكان للعلماء الأجلاء بيان لحكم الشرع في الاحتفال به , ففي فتاوى اللجنة الدائمة " لا يجوز الاحتفال بما يسمى " عيد الأم " ولا نحوه من الأعياد المبتدعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ، وليس الاحتفال بعيد الأم من عمله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه رضي الله عنهم ولا من عمل سلف الأمة ، وإنما هو بدعة وتشبه بالكفار .  وسئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله فأجاب " والأعياد الشرعية معروفة عند أهل الإسلام ، وهي عيد الفطر ، وعيد الأضحى ، وعيد الأسبوع ( يوم الجمعة ) وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة ، وكل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله سبحانه وتعالى ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "

 

- وإذا تدبرنا هذا اليوم الذي جعلوه عيدا لوجدناه قد وُضع لقوم غير مسلمين ممن ينسون آباءهم وأمهاتهم وممن لا يعتبرون برهم بهم بابا عظيما من أعظم أبواب القربات إلى الله سبحانه , بل على العكس فتجدهم لا يهتمون بالأسرة كاملة وكل منهم يدور في فلكه هو ولا يشعر سوى بلذاته ونجاحاته ويترك أباه وأمه تماما إلى دور المسنين أو يتركهم دون ارتباط بهم في أي شئ , وربما تموت أم أحدهم بعيدة عنه وهو لم يرها منذ سنين ولا يعرف لها طريقا ولا يهتم كذلك بموتها كما لم يكن يهتم بحياتها , فمن أجل ذلك صنعوا لها يوما ليتذكرها فيه وليبحث عنها في أي الدرب تسلك أو في أي الأماكن تعيش , أما المسلم فلا حاجة له بذلك لأنه يضع أمه داخل عينه وقلبه ويتمنى أن لو يبذل كل ما يملك في سبيل لحظة ترضى عنه فيها أو تدعو الله له فيها وقد يضحي بالغالي والرخيص ويقدمه طواعية راغبا لنيل رضاها .. فما حاجتنا نحن لهذا اليوم أو غيره  ؟!!

 

- وتربويا على الواقع العملي للأسر العربية والمسلمة لست أرى يوما تُذرف فيه دموع الحزن كهذا اليوم من الصغار والكبار على حد سواء , لأن الناس ترتبط به ارتباطا وثيقا ويحمل الاحتفال به لحظات عاطفية كثيرة يتخللها الحب والمودة واظهار الشفقة والتراحم بين الأمهات وأبنائهن , ولكن لا يدرك البعض أن الزمان يدور دورته ولكل أجل كتاب ودوام أي حال من المحال , فترى في نفس اليوم ومع ذكرياته التي يحملها كل منهم تراهم في حزن وكآبة وبكاء ولوعة ممالا يعلمه إلا الله , وكل الناس يتذكر الذكريات التي لا تزده إلا ألما وحزنا .. أهكذا تكون الأعياد ؟!!! أهكذا تنقلب الفرحة إلى حزن وبكاء واكتئاب ؟!! هذا يزيدنا إيمانا وتصديقا بأن مخالفة حكم الله لا يُجنى من ورائها الا التعب والنصب والذكريات المؤلمة

 

- لم يفكر هؤلاء - ممن دعوا لاتخاذه عيدا - في قطاعات عديدة من الناس كالأطفال الأيتام ممن لم يروا أمهاتهم أصلا أو ممن ماتت أمهاتهم بعد عمر قصير كيف يكون شعورهم في مدارسهم والأطفال كلهم مبتهجون سعداء , وللأسف تنظم المدارس احتفاليات بهذا اليوم ويأتي كل طفل ممسكا بيد أمه سعيدا بها وينزوي بعضهم حزنا وألما لا تمحوه نظرات العطف ولا كلمات الشفقة .. لِم نفعل بأبناء الأمة هذا الألم النفسي الشديد ؟ .. فيقول أحدهم واصفا مشاعره في هذا اليوم " لا أعرف يوم أكرهه أكثر من يوم21مارس من كل عام هذا اليوم الذي يمر على كل الناس ببهجة وسعادة إلا أنا الكل يأتي بالهدايا إلا أنا،هل تعلمون لماذا , لأني يتيم فقدت أغلى إنسان لي في هذه الدنيا إنها الأم كم أتذكر وهي تداعبني بيديها الرقيقتين ،وتحنو علي بدفئها الحاني، وكانت دائما في عينيها نظرة الخوف من أن تتركنا وترحل وهاهي قد رحلت وتركتنني وحيدا بلا قلب يحنو علي , وأنا أعيش الآن بذكراها دائما أراها في كل ركن من البيت ويأتي عيد الأم وأتذكر كيف كنت أستعد لهذا العيد وأحضر لها الهدايا وكنت في غاية السعادة عندما ترتسم الضحكة على شفتيها أما الآن بعد رحيلها لا أريد هذا العيد الذي يجدد الأحزان ويبعث في قلبي حزن لا أقدر أن أنفك عنه،وكم يؤلمني فرحة الأطفال بأمهاتهم وأنا وحيد ، الكل يسارع على شراء الهدايا وأنا أشتري لمن؟ .لذلك أرجو أن يوقف هذا العيد لما فيه من تجديد الأحزان ليس لي فقط ولكن لكل من فقد أمه وغاب عنه حنانها" .

 

- وهناك الأمهات ممن أصبن في أبنائهن أو غابوا عنهن لسجن جائر أو اغتراب أو حتى ممن عقهن أبناؤهن .. كم تكون دمعاتهن حارقة لقلوبهن وهن يرين كل الأمهات حولهن أبناؤهن ويحتفلون وهم في سعادة غامرة , كم يقتلهن الألم والانتظار لعودة غائب قد لا يعود أبدا , كم ينظرن إلى الأبواب المغلقة الموصدة انتظارا لطارق قد لا يطرق أبوابهن يوما .. لماذا يعذب بعضنا بعضا في هذا اليوم ؟ ولماذا نصر عليه ؟ وهل لابد وأن يتذوق أحدنا مرارة الحرمان كي يشعر بآلام الناس من حوله ؟؟

 

- وهناك نساء كثيرات وبنات أسر فاضلات فاتهن قطار الزواج ودخلن في سن العنوسة دون زواج - وهن كثيرات بحسب الإحصاءات الرسمية في معظم الدول العربية – ممن كن يحلمن يوما برضيع ينام بجوارهن يبكي فيستعذبن صوته فترضعه حنانها وحبها قبل لبنها , وكن يمنين أنفسهن وينتظرن بلهفة وشوق أن يسمعن تلك الكلمة التي يرتج لها قلب كل امرأة  " كلمة أمي " ولكنها لم يقدر الله لها ذلك , لِم نعذبها في هذا اليوم وهي ترى قريناتها واخواتها وصاحباتها وترى أبناءهن وقد احتفلوا  بهن في هذا اليوم وتراهن سعيدات ضاحكات وترى نفسها منزوية قابعة في أحد الأركان وحيدة كسيرة دون أن ترتكب ذنبا أو تقترف جرما , وهل نطالبها بأن تخرج عن فطرتها الانسانية فترسم ابتسامة على شفتيها في هذا اليوم وهي يعتصر قلبها من الألم والحزن , وهل نعين شيطانها عليها بهذا العيد كي تخرج من رضاها عن ربها وامتثالها لحكمه ولقضائه فتدخل في معصية التسخط على قدر الله ؟!!

 

هل هذه هي الأعياد التي تكون فرحة للناس – كل الناس – لا تستثني أحدا ولا تزرع الحقد والكراهية في قلوب الناس ؟ 
ما احكم الله العلي القدير الذي شرع لنا ما فيه صلاح الناس في دنياهم وآخرتهم والذي قال فصدق " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير "

 

أوقفوا هذه الاحتفالات في بيوتكم وحدثوا غيركم بها حتى يضمحل أثرها بيننا وتختفي ولا اختفاء لها إلا بعدم المشاركة فيها لعدم مشروعيتها ولأضرارها ولآثارها السلبية على المجتمع.

1 + 13 =
إبراهيم الأزرق
د. أحمد فخري
أسماء عبدالرازق