الطفل اللقيط.. أزمة تعكس ألماً
28 ذو القعدة 1440
الهيثم زعفان

ما من يوم يمر إلا ونسمع عن حالة هنا أو حالة هناك قد حملت سفاحاً اغتصاباً أو بالتراض، كما تتوالى الروايات عن مأساة العثور على أطفال حديثي الولادة مرمي بهم في الطرقات بلا رحمة أو شفقة؛ وبلا أي ذنب اقترفوه.

 

روايات تسبقها أخبار مؤلمة تطيرها وسائل الإعلام عن شبكات دعارة وفساد أخلاقي استشرى في المجتمعات العربية والإسلامية.
أخبار ترعب المرء وتخيفه من أن يشمله غضب الرحمن في ساعة انتقام؛ فما نزلت عقوبة إلا بذنب، وما رفعت إلا بتوبة، وما الزلازل والشدائد والحروب والمحن؛ إلا نذير لمثل هذه الموبقات المستشرية في مجتمعاتنا، والتي لابد من وقفة حازمة قبالها، قبل فوات الأوان.

 

فليس أعظم من اجتماع الأمة لوضع الحلول واتخاذ القرارات التي تصون للأمة أعراضها، وتحفظ أنسابها، بدءً من تطييب مطاعمها، مروراً برفع مظالمها، لتسود في النهاية شريعة ربها على كل سكناتها وحركاتها، فتحظى بستر ربها وعنايته وتوفيقه.
إن هذا الطفل اللقيط ظاهر حاله أنه "مجهول النسب"، لأنه قد يكون ابناً شرعياً دفع الجهل والفقر أمه للتخلص منه؛ لكنه في الغالب الأعم يكون ابناً غير شرعي تخلص منه ذويه خوفاً من فضيحة الحرام، أو تخلصاً من أعبائه إذا كانت الأم تمتهن الانحلال.

 

وهذا الطفل اللقيط قد عثر عليه مرمياً بلا إنسانية في أحد الأزقة؛ لتتلقفه أيادي المارة؛ فإن كانت اليد بيضاء فقد يستقر به الأمر في إحدى مؤسسات رعاية الأيتام؛ وإن كانت غير ذلك فقد يستنبت نباتاً سيئاً كطفل من أطفال الشوارع المشردين، أو داخل بيئة فاسدة سواء كان ذلك الفساد عقدياً أو أخلاقياً.

 

الأحكام الشرعية لهذا النموذج واضحة حيث ينسحب عليه ما ينسحب على أحكام "الطفل اليتيم" فقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء في المملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله – عام 1419 هــ: "أن مجهولي النسب في حكم اليتيم لفقدهم لوالديهم، بل هم أشد حاجة للعناية والرعاية من معروفي النسب لعدم معرفة قريب يلجأون إليه عند الضرورة. وعلى ذلك فإن من يكفل طفلاً من مجهولي النسب فإنه يدخل في الأجر المترتب على كفالة اليتيم لعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا؛ وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا " رواه البخاري.

 

هذا من ناحية الضوابط الشرعية العامة لرعاية الطفل اللقيط؛ أما عن إحصائياته داخل المجتمعات الإسلامية، فإنه رغم كثافة القصص في وسائل الإعلام إلا أن الحصول على إحصائيات دقيقة لهذا النموذج من الأطفال "مجهولي النسب" أمر بالغ الصعوبة وهذا قد يكون راجعاً لعدة أسباب منها:

1-  التكتم الشديد من قبل الدوائر الرسمية في بعض البلدان العربية والإسلامية على إخراج الإحصائيات للعلن؛ ومردها في ذلك قد يكون للأعراف العربية، أو محاولة منها لتحجيم الظاهرة أملاً في الستر، أو حفاظاً على الصورة الأخلاقية العامة للدولة.

2-  أن معظم الأطفال مجهولي النسب يدونون في الوثائق الرسمية سواء في الشرطة، أو مؤسسات الإيواء ورعاية الأيتام على أنهم أطفال أيتام، ومن ثم تذوب أرقام اللقطاء داخل إحصائيات الأيتام فيصعب التحييد.

 

ورغم ذلك فإن هناك بعض الإشارات الإحصائية التي تخرج بين الحين والآخر فتعطي بعض الدلالات لواقع الأزمة داخل الأمة الإسلامية؛ ففي الجزائر تقول "الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل":
 "أن قرابة 2800 إلى 3300 طفل يولدون سنوياً خارج الإطار الرسمي للزواج" أي عن طريق علاقات غير شرعية.

 

 وفي مصر تشير رسالة ماجستير للباحثة "إيمان دويدار" إلى ازدياد عدد الأطفال مجهولي النسب بالمجتمع المصري فوفقاً لإحصائيات عام 2006 بلغ عدد الأطفال مجهولي النسب في مصر 14 ألف طفل".

 فما بالنا بالأرقام الآن بعد عقد من الزمان ممتلئ بالانحرافات الإعلامية والتقنية.

 

مؤشرات ابتدائية مقلقة تعكس واقعاً مؤلماً من الفساد الانحلالي، فنحن نتحدث عن ثمرة غير شرعية نتجت في معظمها عن زنا صريح، ولا نتحدث عن مشهد غير لائق في عمل سينمائي؛ كما أن نسبة الولادة هذه جاءت رغم الاحترازات الشديدة في استخدام وسائل منع الحمل؛ ومعلوم أن النسبة الاحتمالية لحدوث الحمل تتضاءل كثيرا أمام عدد مرات الزنا، وكلما زادت نسب الولادات كلما دل ذلك على اتساع رقعة الانحرافات الأخلاقية المحترزة من الحمل؛ فنحن إذن أمام واقع انحلالي صادم يستشري بقوة داخل المجتمعات الإسلامية؛ مرده إلى عوامل عدة تصب جميعها في خانة مهيئات الزنا، والتي منها:

 

(ضياع مراقبة الله سبحانه وتعالى- الاختلاط السافر، وضياع اصطلاح الأجنبي بضوابطه الشرعية- ميوعة الآباء والأزواج واضطراب النخوة والغيرة وانتشار الدياثة- إطلاق البصر وخيانة الأعين- السفر والمبيت خارج البيت بدون محرم- الإعلام الفاضح المتجاوز لكافة الحرمات- سهولة الوصول للمواد الانحلالية عبر الوسائل التقنية الحديثة، مع استثمار تلك الوسائل في التواصل المحرم بين الجنسين- تعسير الزواج وتأخيره ورفع سنه عبر قوانين جائرة- ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التضييق على الدعاة والمصلحين في بعض البلدان- الآمان من عدم تطبيق العقوبات الشرعية الرادعة لانتشار الزنا في المجتمعات).

 

ومعالجة تلك المهيئات تتداخل فيها كافة مكونات المجتمع فهناك أدوار رئيسية تقع على الحكام منها اتخاذ كافة التدابير الشرعية التي من شأنها ضبط الإيقاع الأخلاقي في المجتمع فيما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة؛ فالإعلام السافر والانحلالي تقع المسؤولية المباشرة في ردعه وضبط مساره البنائي على الحكام؛ وتيسير سبل الزواج وتعسير كافة منافذ الزنا والاغتصاب تقع مسؤوليتهما على الحكام؛ وعليهم أيضاً تقع مسؤولية تطبيق الحدود الشرعية الرادعة للزنا والتي أمر بها الله سبحانه وتعالى؛ وفي ذات الوقت تيسير دعوة الدعاة والمصلحين لدعوة المجتمع بالحسنى.

 

ليظل دوماً دور الأبوين هو الأساس في خروج النبتة للمجتمع فإن وفقهم الله للخير كانت النبتة صالحة؛ وإن تركوا لأهوائهم كانت النبتة فاسدة.
ليتضاعف بعد الوالدين دور الدعاة والمصلحين وتتعاظم مسؤوليتهم رغم الصعوبات من أجل معالجة الأزمة سابقاً ولاحقاً.

 

إن أزمة الطفل اللقيط معقدة ومركبة ولا تبدأ عند ولادة الطفل، ولكنها تسبق ولادته بأشهر بل وسنوات من الزيغ إن كان انحلالاً، والظلم إن كان اغتصاباً، والجهل إن كان استهتاراً. ومن ثم فعلاج الأزمة لا ينبغي أن يقف عند حدود الطفل ورعايته فهي ليست أزمة الطفل؛ فلو عولجت أزمة ألف طفل لقيط وترك المصنع الذي ينتج هذا النوع من الأطفال مفتوحاً؛ سيحل محل هذا الألف مائة ألف طفل لقيط؛ ليظل الطفل اللقيط أزمة تعكس واقعاً مؤلماً.

 

فهل سننتبه جميعاً حكاماً ومحكومين لتلك الأزمة المهلكة، قبل أن يشملنا غضب الرحمن في ساعة عقاب قد تأكل الأخضر واليابس؟.