الطبيب التاجر!
29 ذو الحجه 1440
د. خالد رُوشه

كنت في زيارة لأحد مشاهير الأطباء الذين قيل عنهم أنهم أصحاب أبحاث عالمية ناجحة , وإنجازات طبية معروفة , هالني من البداية منظر المرضى المنتظرين لدورهم في الدخول للقاء الطبيب , كما هالني منظر المزدحمين للحصول على موعد قريب للكشف على مرضاهم , وغالبا ما تكون المواعيد بعد شهر قادم أو ربما أكثر !

 

زادت معاناتي النفسية عندما وجدت المبالغة الكبيرة في ثمن الكشف لهذا الطبيب المشهور , مقارنة بحال بعض المرضى الفقراء الذين يبدو من حالهم عدم قدرتهم على تحمل ثمن الكشف ولا ثمن العلاجات والعمليات الجراحية باهظة التكاليف .

 

ببساطة تستطيع أن تسمع كلمات السخط على هذا الطبيب من فقراء المرضى , وكيف أنه يشترط قبل إجراء العملية الجراحية أن يقدم المريض الثمن قبل بدء دخوله غرفة العمليات , وكيف أنه يشترط إجراءها في مستشفيات باهظة التكاليف , حتى إن الفقير لا يستطيع ابدا أن يعالج .

 

ويحكون قصصا تثير الغضب بل والاشمئزاز في بعض الأحيان حول موقف الطبيب الشهير بينما يساوم احد المرضى - وهو في حالة مرضية حرجة - على الثمن الباهظ وبينما يبكي المريض في استجداء عطف الطبيب إذا به يدير وجهه له ويسلمه لمختص إداري يتصف بغلظة القول والملامح !

 

لم أكن لأكتب ذلك لولا أني رأيت من هذا الطبيب جفاء و مادية و حرصا شديدا على وقته الذي ينفقه على مريضه , فلا يزيد على دقائق قليلة , ولايكاد يستمع لشكواه , بل يقرر قراره فورا بخبرته , بعدما يطلب نائبه عمل عديد الأنواع من التحاليل والإشاعات وغيرها , فينظر فيها الطبيب المشهور في دقيقة , وينظر الى المريض في دقيقتين ثم يقرر قراره في دقيقة أخرى ... هكذا يحدث !

 

هذا الطبيب الذي نحكي عنه ليس حالة خاصة , بل هو نموذج متكرر ومنتشر بين الأطباء اليوم , الذين حولوا العلم إلى تجارة شرهة بغيضة , ولأن الناس يحتاجون بضاعتهم ويضطرون إليها فهم يتصرفون كيفما شاؤوا ولا يجدون نكيرا من أحد !
ذلك قد تلحظه إذا سافرت إلى عاصمة كبيرة من عواصم دولنا العربية , فتلحظ المستشفيات وقد صارت نموذجا ربحيا , اذ تتنافس في الإعلان عما فيها من إمكانات , وخدمة خمس نجوم , وأطباء مشاهير , لكنها بالطبع حكر على ابناء الطبقات الغنية من الشعوب , ولا مكان فيها حتى لأنصاف الأغنياء .

 

إنهم يشترطون دفع الأثمان الباهظة قبل دخول المريض أيا كان حاله السىء الاضطراري , ويشترطون دفع تأمين مالي باهظ , بل والعجب كل العجب أنهم يمنعون المريض بعد إجراء العملية أو إجراءات العلاج أن يخرج إلا بعد سداد اثمان باهظة , بل وصل الأمر أني رأيت بعيني منعهم خروج جثة أحد المرضى المتوفين لأنه لم يستكمل فاتورة الثمن وسط صرخات أهله وبكائهم على ميتهم !

 

لقد ذكرت ساعتها أخلاقنا الإسلامية العظيمة , التي أمرت بالمروءة , والنجدة لكل ملهوف , والعطاء لكل محتاج , والمعونة لكل مكروب , وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل " أخرجه مسلم .

 

وقوله صلى الله عليه وسلم : " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ، ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه " أخرجه مسلم

 

لكم شعرت بالدور الرفيق الرحيم المعطاء لهؤلاء الذين يبنون المستشفيات المجانية أو منخفضة التكاليف – بشرط أن يكون أداؤها جيدا ومتميزا  –  , ولكم شعرت بالدور الحاني الرؤوم من طبيب عطوف رحيم بمرضاه , فلا يغالي في كسبه ويرحم الفقير ويراعي حال ذي الفاقة , ويساوي بين الناس في المعاملة والاهتمام .
 

إن الأطباء في مجتمعنا يمثلون مكانة كبيرة في قلوب الناس لكونهم يتواجدون في لحظات معاناة الناس , وكثير من الناس لايزال ينظر للطبيب نظرة تقدير ومحبة , بل ويعتبرونهم – في احوال كثيرة – قدوة لغيرهم , وينتظرون منهم سلوكا مكافئا لهذا الذي يفهمونه عنه ويظنونه فيه , فإذا رأوا غير ذلك فإنهم ينقلبون ويشتد غضبهم ويخسرون ثقتهم فيه ويصدمون في كثير من المعاني التي عاشوا عليها .

 

يجب أن يعلم الطبيب أن الرزق بيد الله سبحانه , وأن أمراض الناس ليست سلعة للتجارة , وإن كان مباحا له أن يتكسب من عمله , فليس مقبولا منه أن يتجر بآلام الناس , ولا أن يصدم الناس في شىء جميل يظنونه باقيا في مجتمعهم .

 

إن دور الطبيب يجب ألا يقتصر على الممارسة , بل على متابعة العلم في تخصصه , وتعلم أخلاق الإسلام الحنيف , التي تدعو إلى الرحمة والشفقة بكل من يعاني وبكل من يتألم , وأن يرسخ في نفسه مبادىء وقيم الإسلام وعقيدته التي تنبث فيه الأدب والعطاء والبذل والتضحية .

 

يستطيع الطبيب أن يكون داعية مؤثرا في مكانه , بخلقه وعطائه وحسن أدائه وتميزه في عمله , وكلماته الناصحة في لحظات ضعف الناس بين يديه , كما يستطيع أن يكون سفيرا لدينه وحاملا لرسالته الإصلاحية العظمي .

 

قبل أن أختم كلمتي لابد أن أقول أنه لايزال هناك البعض من الأطباء الشرفاء المؤمنين . اصحاب الرسالة الأخلاقية المرجوة , يمارسون عملهم ببذل وعلم و جهد وعطاء غير مبالين بكسب ولا غيره .. هؤلاء من يبقون في أعيننا بقايا الأمل !

1 + 14 =