القاعدة الخمسون: مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ
17 رجب 1441
أ. د . ناصر بن سليمان العمر

قاعدة نبويَّة: (استوصُوا بالنساءِ خيرًا)  
هذا أمرٌ منَ النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي يقولُ اللهُ فيه: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، ثمَّ يبيّنُ لنَا ويعلِّلُ للأمرِ بقوله: (فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، إِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)، ولقدْ بدأَ الحديثُ بالإيصاءِ وانتهى بالإيصاءِ؛ لأن المرأةَ ضعيفةٌ، وهي مخالطة تكثر الخلطة معها والمعاملة، قد يبدر منها شيء، فأوصى بها الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم خيرا.

 

ولي قصةٌ معَ هذا الحديثِ، حيث كنتُ في رمضانَ و أخذتني سِنَةٌ منَ النومِ وأنا في المسجدِ، فرأيت أني أقرأ هذا الحديث، فإذا بِرَجُلٍ أمامِي في الرؤيا يُشيرُ إلى الرأسِ عندما بلغتُ قوله: (وإنَّ أعوجَ مَا في الضلعِ أعلاهُ)، فَفَهِمْتُ وأنا في الرؤيَا أنَّ أعوجَ مَا في المرأةِ رأسُها، فلمَّا استيقظتُ تعجبتُ، ثم وجدتُ أيضًا كلامًا لبعضِ العلماءِ قريبًا من هذا، قال ابن حجر: ”ضرب ذلك مثلا لأعلى المرأة لأن أعلاها رأسها وفيه لسانها وهو الذي يحصل منه الأذى“، والمقصود هو أن الرجل يحتاج إلى الرفق، إلى عدمِ الشدةِ؛ لأنكَ إذا شددتَ انكسرَ الضلع، هكذا الضِلَعُ عمومًا، خُذْ ضلعَ شاةٍ وحاولْ أنْ تَعدِلَ أعلاه سينكسرُ يقينًا، لنْ يستقيمَ هذا الضلعُ، وأما المرأة فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثٍ آخرَ أنَّ كسْرَها طلاقُها. ولا يلزم من هذا القول بأنَّ المرأةَ لا يُمكِنُ أنْ تَستقيمَ، فليس من شرط التشبيه التطابق من كل وجه، وإنما تحتاجُ إلى الرِفقِ والحوارِ والأسلوبٍ الطيبٍ، فالمرأةُ تكون هيِّنةً ليِّنةً إذا وجدتِ الطرفَ الآخرَ هينًا لينًا، وهيَ صعبةٌ شديدةٌ إذا وجدتْ أمامَها رجلًا شَديدًا قد تضر نفسها، وقدْ يؤولُ الأمرُ معها إلى الطلاقِ، وفي هذهِ الرسالةِ محاولةٌ للبعدِ عنِ الشِّقاقِ والفِراقِ والخِلافِ والطلاقِ وما يُوصِّلُ إليهِ.
 

فليؤخذْ بهذا الحديثِ النبويّ منهجًا (استوصوا بالنساء خيرًا)، وكذلكَ يُقالُ للنساءِ استوصِينَ بالرجالِ خيرًا، فالرجلُ شديدٌ صعبٌ قد يكسر، ولكنه سهلٌ لينٌ إذا ما عاملته بحكمة، فهوَ أشبهُ بالجملِ، مِنَ الممكنِ أنْ يقودَه طفلٌ، إذا أكرمَه، ومِنَ الممكنِ أنْ ينفِرَ منْ مائةٍ، بلْ منَ الممكنِ أنْ يأتي على الناسٍ فيقتلَهم، إن وجد ممن يسوسه غلظةً وشدةً، وهَذا التشبيهُ لا حرجَ فيهِ، فقدْ شبّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم المؤمنَ فقال: (فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ)، فيُقالُ للنساءِ اسْتَوصِينَ بالرجالِ خيرًا، فالرجلُ يَنقادُ بلطفٍ ولينٍ وسهولةٍ إذا وجد امرأةً طيبةً هينةً متحببةً، ولذلكَ وَصفَ القرآنُ نساءَ الجنةِ بأنهنَّ {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة]، عربًا: أي متحببات لأزواجهِنَّ، فهذا شأن مهمٌ في العلاقاتِ الزوجيةِ، والله أعلم.

 

* للاطلاع على القاعدة التاسعة والأربعين..

الدِّينُ والخُلُقُ ضمانتان لزواجٍ سعيد

* للاطلاع على القاعدة الحادية والخمسين..

انظر إلى الإيجابياتِ