حكم الصلاة مع الإخلال بالاتصال والاصطفاف.. (مع إضافات جديدة)
27 شوال 1441
فهد بن يحيى العماري

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فقد كثر الجدل والتساؤل حول مسألة التباعد بين الصفوف في الصلوات في المساجد، ولما صدرت الفتوى بإغلاق المساجد احترازاً من انتشار وباء كورونا، ثم أُذن في بعض الدول بالصلاة في المساجد في شهر رمضان، وقد انتشر مقطع للصلاة في مسجد في إحدى الدول على صفة التباعد بداية انتشار المرض، وكانت المصلحة في التباعد بين الصفوف أو التباعد بين المأمومين في الصف بناء على ما قررته اللجان الصحية.
 

وعليه وبناء على ما تقدم كان السؤال حول مشروعية الصلاة بهذه الصفة من التباعد بنوعيه: في التباعد بين الصفوف، وفي التباعد بين المأمومين؟ 
 

فاستعنت بالله في تحرير جواب مختصر، لهذه النازلة، وقد ذكرت بعض الأدلة والأقوال مختصرة، لتسهل قراءتها، ولا يملّها الملول في زمن الخلاصة والسرعة والاختصار، مذكّرًا بها نفسي وإخواني، وهي إحدى الرسائل المحررة في نوازل: (وباء كورونا)، وأصلها رسائل عبر برنامج التواصل (الواتس)، وسميتها:

"حكم الصلاة مع الإخلال بالاتصال والاصطفاف"

سائلاً الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد لأنفسنا وأمتنا، وأن يحيينا جميعًا على العلم النافع والعمل الصالح، وأن يمتّعنا متاعًا حسناً، وأن يرفع البلاء والداء.
 

رحمكم الله: هذه المسألة مبنية على عدة مسائل:
المسألة الأولى: حكم المُصافة والاعتدال وهي محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وأدلتهم باختصار: ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) متفق عليه، ولرواية: (فإن إقامة الصف من حسن الصلاة) متفق عليه، والتمام والحسن أمر زائد عن الواجب، والإنكار قد يكون على ترك سنة.
 

وقد يقال عن الأول: بأن لفظ التمام يراد به الوجوب تارة، كحديث: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل) رواه أبوداود، وتارة يراد به الاستحباب، كحديث: (إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه) رواه أبوداود وقال مرسل، وصححه الألباني، وحملوا تسبيح الثلاث على أدنى الكمال الاستحباب، والوجوب واحدة، على خلاف في المسألة مشهور.
 

القول الثاني: واجب، واختاره البخاري وابن العربي وابن رجب.
 

أدلتهم باختصار ما يلي: ما ورد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم)متفق عليه، ولا يكون الوعد على مستحب، ولما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله؟ قال: (ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف)رواه البخاري، وقد ضرب عمر قدم عثمان النهدي لإقامة الصف رواه الخطابي بسنده وصححه، وورد عن سويد قال: (كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا) ذكره الخطابي وبوب البخاري: باب إثم من لم يتم الصفوف، (وكان عمر رضي الله عنه يوكل رجالاً بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت) رواه الترمذي وورد عن علي وعثمان نحوه.: قال ابن حجر: (أخذ البخاري الوجوب من القرائن)، وقال ابن رجب في فتح الباري: (وأما استدلال البخاري به على إثم من لم يتم الصف ففيه نظر؛ فإن هذا إنما يدل على أن هذا مما ينكر، وقد ينكر المحرم والمكروه وكان الاستدلال بحديث: "لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" على الإثم أظهر).
 

فرع: على القول بالوجوب هل تبطل الصلاة؟ محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: صحة الصلاة، وحكي اتفاق الفقهاء على ذلك.
 

القول الثاني: بطلانها، وهو احتمال عند الحنابلة حكاه ابن مفلح وهو مذهب ابن حزم. 
 

الراجح: الأول؛ لأن الأصل الصحة، ولأن الوجوب هنا شيء منفك عن ذات الصلاة. 
 

قال ابن حجر رحمه الله: "ومع القول بأن التَّسوية واجبة، فصلاة من خالف ولم يسوّ صحيحة ثم استدلَّ على ذلك بحديث أنسٍ رضي الله عنه حين قدِمَ المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ منا منذ يوم عهدتَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟ قال: "ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصُّفوف)، ومع هذا الإنكار؛ فإنَّ أنسًا رضي الله عنه لَم يأمرهم بالإعادة.
 

المسألة الثانية: اشتراط اتصال الصفوف داخل المسجد فقد حكى الآمدي الاجماع على عدم اشتراط الاتصال داخل المسجد، وذهب بعض الحنفية إلى أن ذلك يمنع إذا كان المسجد كبيراً جداً، ومعناه المسافات بين الصفوف بعيدة جداً، ومقتضاه أن المسافات القريبة جائزة اتفاقاً، وجوز ابن تيمية الصلاة خارج المسجد من غير اتصال للحاجة. 
 

المسألة الثالثة: صلاة المنفرد خلف الصف محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: تصح، وهو مذهب جمهور الفقهاء، ويحملون حديث علي الآتي على أن النفي نفي كمال وليس نفي صحة، واستدل الجمهور بعدم فسادها بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة حين كبَّر وحده، ثم التحق بالصف: "زادك الله حرصًا ولا تعد" رواه البخاري، ولم يأمره بالإِعادة، وينازعون في صحة حديث وابصة الآتي، وإن صح فيحمل على الندب، ولما روى البيهقي من طريق مغيرة فيمن صلى خلف الصف وحده أنه صلى الله عليه وسلم قال "صلاته تامة".
 

القول الثاني: لا تصح، وهو مذهب الحنابلة والنخعي وابن خزيمة وغيرهم؛ لحديث علي بن شيبان رضي الله عنه، أنه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف، فرأى رجلاً يصلي فرداً خلف الصف، فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل من صلاته: (استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف) رواه أحمد وحسنه، وحسنه النووي، وقواه الذهبي، وصححه البيهقي والبوصيري، ولحديث وابصة رضي الله عنه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة) رواه أصحاب السنن، قال الحافظ وصححه أحمد وابن خزيمة. 
 

القول الثالث: تصح إذا لم يستطع أن يدخل في الصف، وهو مذهب الحسن ورواية عند الحنابلة واختاره ابن تيمية، وهو الراجح، لعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
 

حكم النازلة: اختلف المعاصرون في هذه النازلة على اتجاهين: 
الاتجاه الأول: مشروعية التباعد، لما تقدم في المسائل الثلاث المتقدم ذكرها، وبه أفتى كثير من المعاصرين.
 

الاتجاه الثاني: عدم مشروعية ذلك، لأنها هيئة محدثة في الصلاة.
 

الراجح: الاتجاه الأول، لما يلي:
1-أن الإخلال ببعض أحكام الصلاة للحاجة والعذر وارد في الشريعة، وذلك مثل صلاة الخوف بصورها المتنوعة، وصلاة المريض والمسافر في الطائرة ونحوها، والائتمام بالإمام الذي يصلي جالساً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، ولعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، ولما ورد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) رواه البخاري.
 

قال النووي رحمه الله في منهاجه: (هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ويدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي).
قال ابن الجوزي رحمه الله في المشكل: (قد دل على وجوب المقدور عليه من جميع المأمورات، فإن من لم يمكنه الصلاة قاعدا صلى على جنب).
 

قال ابن رجب رحمه الله في جامعه: (دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كله، وقدر على بعضه، فإنه يأتي بما أمكنه منه، وهذا مطرد في مسائل منها الطهارة ومنها الصلاة). وبنحوه قال ابن دقيق العيد.
 

2-أن المصافة هنا تركت للحاجة، وهي الاحتراز من العدوى، والحاجة تنزل منزلة الضرورة في تغير الحكم.
 قال ابن تيمية رحمه الله: (وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم).
 

3-أن الجهات الصحية هي ذات خبرة ورأي، وقرار صاحب الخبرة معتبر، وهذا مقرر في أحكام الشريعة، ومنثور في كلام الفقهاء في المذاهب الفقهية، ولا يخفى على فقيه مثل ذلك.
 

4-أن جملة من القواعد الشرعية تتوافق مع ما ذكر بعاليه: (الحاجة تقدَّر بقدرها)، (وإذا ضاق الأمر اتَّسع)، (ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح).
 

5-على القول بالسنية في جميع ما تقدم فقد تعارض أمران هل يقال صلوا في بيوتكم أولى أو القيام بالصلاة في المسجد بهذه الصفة؟
لا شك الثاني؛ لأن الجماعة في المساجد مقدَّمة، والواجب مقدَّم على السنة.
 

وإذا قيل بالواجب في جميع ما تقدم وللحاجة، فوجوب الجماعة آكد وأعظم، والقاعدة: (تحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما.)، (وإذا اجتمعت المصالح الأخروية الخالصة، فإن أمكن تحصيلها حصلناها، وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل).
 

ثم إن عمارة المساجد بالمصلين مقصد من مقاصد الشريعة العظيمة، وبها تتحقق كثير من المقاصد الشرعية  وتحصيلها أمر مطلوب، ولذا من نحا إلى القول بالبدعية أو الأفضل تقديم الصلاة في البيوت ففيه بعد ومجانبة للصواب. والله أعلم.
 

وهنا كذلك عدة مسائل، يَحْسُن التنبيه عليها في الصلاة في المساجد: 
المسألة الأولى: حكم وضع خف أو قفازات في اليد بسبب الاحترازات من مرض كورونا، هذه المسألة مبنية على مسألة يذكرها أهل العلم وهي: 
هل لابد من مباشرة اليد للأرض في السجود كالجبهة؟
 

 محل خلاف بين العلماء رحمهم الله: 
القول الأول: لا يجب مباشرة اليد، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وحكى الإجماعَ الكرماني وزكريا الأنصاري الشافعي. 
 

القول الثاني: يجب مباشرة المصلي باليد في السجود على الأرض، وهو وجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة. 
 

الراجح: لا يجب؛ لأن مسمى السجود يحصل بوضع الأعضاء على الأرض دون كشفها، ولما ورد عن الحسن أنه قال: (كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه) رواه البخاري.
 

قال ابن رجب: (قد حكي عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه) وممن كان يسجد ويداه في ثوبه لا يخرجهما: سعيد بن جبير، وعلقمة، ومسروق، والأسود. وبكل حال؛ فيجزئ السجود وإن لم يباشر الأرض بيديه رواية واحدة، ولا يصح عن أحمد خلاف ذلك البتة، وإنما أصل نقل الخلاف في ذلك عن أحمد مأخوذ من كتب مجهولة).
 

حكم النازلة: يجوز للحاجة على الرواية الأخرى عند الحنابلة، فقد روي عن أحمد وإسحاق: لا يسجد ويداه في ثوبه، إلا من برد أو علة، وكذا نقل غير واحد عن أحمد: أنه لا يفعل ذلك إلا من علة، ولا يفعله من غير علة، وهو كذلك مذهب المالكية: أنه إن كان حر أو برد جاز له أن يبسط ثوباً يسجد عليه، ويجعل عليه كفيه.

المسألة الثانية: تغطية الفم محل حل خلاف بين العلماء رحمهم الله: 
القول الأول: يكره، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، للحديث الآتي، ولأن في التغطية منعاً من القراءة.
 

القول الثاني: التحريم، وهو مذهب الحنفية، وبعض أهل الحديث، لأن الأصل في النهي التحريم.
 

الأقرب: الجواز، لعدم المانع، بشرط ألا تعيقه عن القراءة، وأما ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه) رواه أبو داود، ومختلف في صحته، وقال الذهبي: هو منكر، وضعَّفه ابن حجر وابن الخراط وغيرهم. 
 

المسألة الثالثة: تغطية الأنف محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يكره، وهو مذهب جمهور الفقهاء، كالفم، ولأنه يمنع من مباشرة السجود، ولأن ذلك مظنة الكبر.
 

القول الثاني: يحرم، وهو مذهب الحنفية، لأنه يشبه فعل المجوس. 
 

القول الثالث: مباح، وهو رواية عند الحنابلة، وروي عن ابن عباس والحسن.
 

والراجح: الجواز مع الكراهة لغير حاجة؛ لأنه يمنع مباشرة الأنف للأرض كالجبهة، وقد اختلفت تعليلات الفقهاء كما تقدم.
 

حكم النازلة: الجواز في المسألتين، وعلى القول بالكراهة فتزول الكراهة عند الحاجة، لما تقدم وحتى على التعليل بأن ذلك يمنع المباشرة، فقد روى البخاري: عن أنس رضي الله عنه قال: (كنّا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود).
 

وهذه المسألة كذلك تنبني على حكم السجود على الأنف، قيل: سنة، وقيل: واجب، والراجح الوجوب، لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم الجبهة، وأشار بيده على أنفه واليدين، والرجلين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب، ولا الشعر) رواه البخاري.
 

والكراهة تزول بالحاجة قاعدة من القواعد الفقهية، ولها فروع في الشريعة كثيرة، ويعبر عنها ب: (كل ما نهي عنه لغيره يباح للحاجة، وما نهي عنه لذاته يباح للضرورة)، (والمحرم لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة).
 

المسألة الرابعة: المريض العاجز عن حضور الجماعة تسقط عنه الصلاة اتفاقاً، لأنه لما مرض صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة بالمسجد رواه البخاري.
 

المسألة الخامسة: المريض الذي يؤذي الناس بمرضه ورائحته التي لا تعالج تسقط عنه الجماعة، ويحرم حضوره، ويجب إخراجه من المسجد، وهو مذهب المالكية ومقتضى مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مصلانا) رواه البخاري، ولحديث: (كان رسول الله إذا وجد من رجل ريحاً في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) رواه مسلم. 
 

وقيل: يستحب إخراجه، وهو قول عند المالكية، ومذهب الحنابلة.
 

المسألة السادسة: الخوف على النفس يعد من الأعذار التي تسقط حضور الجمعة والجماعة، وهو محل اتفاق، والدليل:
١- ما ورد أن عتبان بن مالك رضي الله عنه وكان أعمى، وقد خاف على نفسه من السيل إذا جاءت الأمطار أن يذهب إلى المسجد خوفاً على أن يغرق في السيل أو أن يؤذيه فأرخص له الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك رواه مسلم.
 

٢- ما ورد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله: "من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر"، قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: "خوف، أو مرض، لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى".رواه أبو داود ومتكلم في صحته.
 

فرع: والخوف على درجات:
أ-خوف وهم وشك، فهذا لا يعمل به في الجانب العلمي ولا العملي. 
 

ب-خوف ظن مرجوح وضعيف، وهذا لا يعمل به كذلك، وحكي الإجماع عليه.
 

ج-خوف حقيقي ويغلب على الظن وقوعه وهو راجح، وهذا يعمل به بالإجماع، ونصوص الشرع وقواعده تؤيده.
 

المسألة السابعة: بسبب التباعد بين المصلين في المساجد، وبالتالي سيكون عدد المصلين في المساجد قليل في صلاة الجمعة، وحينئذ هل يجوز تكرار الجمعة في المسجد الواحد لضيق المكان؟
 

هذه المسألة شبيهة أو مبنية على مسألة حكم تعدد الجمعة في البلد الواحد وهي محل خلاف بين العلماء:
القول الأول: المنع إلا عند الحاجة، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، لعدم تكرار الجمعة في عصر النبوة والخلفاء الراشدين في المدينة.
 

القول الثاني: المنع مطلقاً، وهو قول عند المالكية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة.
 

القول الثالث: يجوز مطلقاً، وهو مذهب عطاء والحنفية وابن حزم وقول عند المالكية، لعدم الدليل الذي يمنع.
 

الراجح، الأول: لأن هذا الذي عليه عمل المسلمين، وهذا الذي يسعهم ويرفع الحرج عنهم.
 

حكم النازلة: محل خلاف بين المعاصرين:
القول الأول: يجوز، وبه أفتت لجنة الفتوى في الأزهر الشريف، وبعض لجان الفتوى في أوربا.
 

القول الثاني: لا يجوز، وبه أفتى ابن باز مع اللجنة الدائمة.
 

الراجح: الجواز، وهو مقتضى مذهب الجمهور، وذلك لما يلي:
1-أنه يتوافق مع قواعد الشريعة في رفع الحرج.
 

2-أن من قواعد الشريعة: (أن الأمر إذا ضاق اتَّسع)، (والحاجة تقدَّر بقدرها).
 

3-أن الأصل إقامة الجمعة، ولا يجوز إسقاطها إلا بدليل صحيح صريح متى تيسر إقامتها بشروطها.
 

4-أن القول الأول يفضي إلى ترك الجمعة، وهو ممتنع شرعاً، لعدم المانع الشرعي، ولعدم وجود الخلل في شروطها الموجب لسقوطها.
 

5-أن هذه المسألة هي نازلة وواقعة لم توجد في كلام الفقهاء، فإما نقيسها على تكرار الجمعة في البلد الواحد، وقد تقدم تقريرها، وإما نقول ليست مثلها، فهي تحتاج إلى اجتهاد خاص، وإذا كان كذلك فقد تقدم تقريرها، وكون ذلك لم يوجد في عصر النبوة، والأصل في العبادة التوقيف.
 

فالجواب: أن السبب لم ينعقد، والصورة هذه غير موجودة في عصر النبوة حتى نطبق قاعدة الترك.
 

فرع: ضوابط تكرار الجمعة في المسجد الواحد لضيق المكان:
1-تعذر إقامة الجمعة في مساجد أخرى أو الصلاة خارج المسجد تبعاً للجمعة الأولى.
2-أن هذه الحاجة والضرورة تقدر بقدرها فلا تكرر الجمعة لغير حاجة وضرورة.
3-أن يكون قدر التكرار بقدر الحاجة فلا تكرر ثالثة في المسجد الواحد لغير حاجة وضرورة.
4-أن يكون العدد المكرر عدداً كبيراً، وليس عدداً يسيراً.
5-أن يعود الإذن في ذلك إلى أهل الفتوى في البلد ومن في حكمهم.
6-أن يكون التكرار في وقت صلاة الجمعة.
 

فرع: هل يصح أن يكون الإمام واحداً في الجمعتين؟
نعم، يصح، فتكون الثانية في حقه نافلة، وهذا يجوز، والتكرار للفريضة على أن تكون نافلة دلت عليه عدة نصوص شرعية، منها ما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة». رواه البخاري، وإن وجد غير الإمام الأول كان أفضل وأولى.
 

أخيراً: الالتزام بما يصدر من ولي الأمر، ومن جميع الجهات شرعية وصحية وأمنية، ولا تجوز المخالفة، لعموم أدلة وجوب الطاعة، والطاعة هنا يترتب على مخالفتها مفاسد، وضرر على النفس والغير، وحفظ النفس ضرورة من ضرورات الدين، فالطاعة فيها آكد، والمخالفة فيها أشد نهياً وإثماً. 
 

وفي الختام: نسأل الله أن يرفع عن الأمة البلاء والوباء، ويشفي مرضى المسلمين، ويرحم موتاهم ويحمي سائر المسلمين، وأن يتقبل الصيام والقيام، هو خير مسؤول وأكرم مأمول، والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم(1).
 

_______________________

(1)    هذا المبحث مسائله مقتطعة من شرح عمدة الفقه للكاتب، وهو غير مطبوع، والمسائل هي مشتهرة في كتب أهل العلم، ولا تخفى على طلاب العلم، بحث تكرار الجمعة لضيق المكان للغليقة، وأشرت لبعض المراجع في ثنايا البحث، وخاصة مع توفر وسائل البحث في عصرنا فيسهل الرجوع إليها.

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
10 + 1 =