د.سليمان بن حمد العودة: خطبة الجمعة ليست يسيرة لمن أراد أن يوفيها حقها, هناك سلبيات يجب على الخطباء تجنبها
15 رجب 1435
محمد لافي

لمّا كانت خطبة الجمعة إحدى وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، و أهم وسائل التربية والتوجيه والتأثير, إضافة إلى كونها شعيرة من شعائر الإسلام تتم في جو خاشع تتهيأ في النفوس للتلقي والاستماع والتعلم, كان لزاماً العناية بها وإخراجها الإخراج الأمثل لتكون أعظم أثرا، وأكبر وقعا على نفوس المصلين, وتكون وسيلة قوية لها أثرها في أرض الواقع.

 

وفي هذا السياق, كان لـ"المسلم" حوار مع أحد الخطباء البارزين في هذا المجال, وهو فضيلة الشيخ أ.د سليمان بن حمد العودة الأستاذ بجامعة القصيم وإمام وخطيب جامع الخلف بحي قرطبة ببريدة وهو مؤلف كتاب (شعاع من المحراب) ليتحدث عن تجربته في الخطابة وليعرض للأسباب المعينة على الارتقاء بخطبة الجمعة وتلافي ما قد يعتريها من سلبيات لتؤدي رسالتها كما ينبغي منها.

 

بداية لو سألنا الشيخ سليمان العودة, كيف يعد خطبته وما هو سبب التميز الواضح في خطبه؟

 

بادئ ذي بدءٍ أشكر موقع المسلم وجميع أسرة التحرير على جهودهم المشكورة ، وسعيهم الحثيث في إيصال الحق إلى الخلق، ونفع الناس.

 

الخطبة همٌ كبيرٌ لمن أراد أن يوفيها حقها ، ويحترم عقول الحاضرين معه ، ولذا فقد يُستغرب إذا قلتُ أنني أبدأ بإعداد الخطبة أحيانناً من منتصف الأسبوع ، أو على الأقل أكون قد حددتُ ( عنوانها ) فاختيار الموضوع نصف الخطبة في نظري ثم بعد الاختيار ، استحضر مجموعة من العناصر المهمة للخطبة ، ثم أعود إلى عددٍ من المراجع المهمة في الموضوع ، ثم أبدأ صياغتها ، ثم أعود لقراءتها جملةً ، وأزيد فيها وأنقص ، أو أصلح عبارة ، وهكذا حتى أراها استقرت على سوقها مراعياً في ذلك كله اختلاف السامعين في الثقافة والفهم والاستيعاب ، ولذا فلا امتحنهم في فهم مقصودي ، وإنما أجعل الخطبة من الوضوح بحيث يفهمها الجميع ، مع حرصي في إعداد الخطبة ، على القصة المثيرة للاهتمام ، والسؤال الداعي إلى الانتباه وتلخيص المطلوب من المستمع في نهاية الخطبة – إن كانت الخطبة تستدعي ذلك – فإن كان هناك من تميزٍ – كما أشرتم فبتوفيق الله أولاً ، ولعل الاهتمام بالخطبة ( موضوعاً ، وعناصر ، وصياغة ، وإلقاءً ) ثانياً.. وراء ذلك

في الوقت الراهن, هل ترون أن المسجد حقق رسالته, أعني العلمية والاجتماعية ؟

 

لا أرى المسجد حقق رسالته العلمية و لا الاجتماعية ، فثمة مسؤوليات وواجبات لا نزال معاشر الأئمة والخطباء مقصرين فيها ، فالدروس العلمية ، والمحاضرات النافعة ، والكلمات الهادفة ، والدورات المختلفة وحسب حاجة أهل الحيِّ أو البلد..كلُ ذلك من رسالة المسجد ولدينا أو بعضنا فيها تقصير.. وكذلك الرسالة الاجتماعية للمسجد حيثُ يتفقد جماعة المسجد ، وترعى أحول المحتاجين منهم ، ويُعمل دوريات لجماعة المسجد بها يتآلفون ويتعاونون ..إلى غير ذلك من مسؤوليات اجتماعية المسجد مؤهل لها ومعنيٌ بها كل ذلك أرى فيه تقصيراً واضحاً ، لكن لا يتحمله الإمام وحده ، بل ومعه جماعة المسجد ، والجهات الرسمية المعنية بالمساجد.

 

انتشرت في فضاء الإنترنت الخطب الجاهزة التي اعتاد بعض الخطباء اللجوء إليها, ما تقييمكم لهذه الخطب, وهل تؤيدون اعتماد الخطباء عليها ؟

 

الخطب الجاهزة معينة للخطيب ، وتفتح له آفاقاً ، أو على الأقل تعينه على تحديد الموضوع ، أو تساعده في العناصر، والأدلة ..فهي بهذا الاعتبار مفيدة . لكن لا ينبغي للخطيب أن يعتمدها دائماً ، وليس بالضرورة أن يُلقيها حرفياً ، لأن لكل مسجدٍ جماعة معينة ، وقد يختلفون في مستوياتهم ، أو في مدى حاجتهم لهذا الموضوع أو ذاك ..وفي نظري أن هذه الخطب الجاهزة تختلف في مستواها ، فالتي يعتني بها أصحابُها يظهر ذلك في جزالتها وشموليتها وهذه ظاهرة صحية، وحين يكون الإعداد لها ضعيفاً تكون الخطبة كذلك.

 

إذا, ما هي توجيهاتكم لخطباء المساجد فيما يتعلق باختيار الموضوع والإعداد الأمثل للخطبة؟

 

كما ذكرت لك, أن اختيار الموضوع ابتداءً من الأهمية بمكان ، وأوصي الخطباء بالإعداد الجيد ، وهذا يعني القراءة الموسعة في الموضوع ، وحسن الصياغة ، فلغة الخطيب مؤثرة على السامعين ، وكذلك ربط الخطبة بواقع الناس ، فهناك موضوعات قديمة يتجدد طرحها حسب حاجة الناس ، فمثلاً ( الصلاة ) لا يكفي أن يطرح الخطيبُ نصوصاً مجردة عن الواقع ، وكلما لامَسَت الخطبةُ واقعَ الناس وأجابت على تساؤلاتهم وعالجت أخطاءهم ،  كانت أدعى لقبولهم وتأثرهم .. وهكذا

في نظركم, ما هو الأفضل, التركيز على المضامين التي تمس المسلمين عامة, أم القضايا المحلية؟

 

في نظري أن الخطيب الناجح محتاج للتطرق للمضامين والقضايا التي تمس المسلمين عامة ( فالمسلمون كالجسد الواحد ) ومحتاجٌ كذلك إلى التطرق للقضايا المحلية التي تهم جمهور الخطبة ، فالمراوحة بين ذلك مهم ، بل وأرى مما يجمُل بالخطيب أن يراوح بين الموضوعات بشكل عام ، فمرة في قضايا عقدية وأخرى في تفسير آية ، أو شرح حديث ، وثالثة في موضوعات اجتماعية ، ورابعة وخامسة في موقف من مواقف السيرة ، أو في الرقائق ، أو في الأحكام ، وهكذا تتسم الخطبة بالشمولية ، وتجيب على كثيرٍ من تساؤلات واهتمامات الحاضرين.

 

ما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها الخطيب كي يكون أكثر تأثيراً؟

 

أعتقد أن الإخلاص والتجرد لله أعظم صفةٍ ينبغي أن يتحلّى بها الخطيب ، فهو حين يتأثر يؤثر ، ومع ذلك لا بد من القوة العلمية ، ولا بد من حُسن الصياغة للخطبة ، واختيار الموضوع والعناصر المناسبة ، ثم لا ينتهي الأمرُ عند الإعداد ، فحسنُ الإلقاء جُهدٌ آخر ومؤثرٌ في الخطبة ، ثم تفعيل الخطبة – خارج إطار الحاضرين – بالتسجيل وبثها في المواقع هو كذلك من عوامل تأثير الخطبة وتوسيع دائرة المستفيدين منها.

هل ترون أن الوقت الراهن يفرض شكلاً معيناً على لغة الخطبة, كنوع من التحديث مثلاً أم أن النمط التقليدي لا يزال الأنسب؟

 

الاستفادة من معطيات العصر ، ووسائل التحديث مطلب ، لكن لا ينبغي المبالغة بالدرجة التي تصبح هذه الأمور على حساب موضوع الخطبة ، ولغتها وعناصرها ، وهناك أساليب تحديث مهمة وغير مؤثرة على الخطبة ، كرفع الصوت وخفضه أحياناً ، والأسئلة التعجبية أو الاستنكارية أحياناً ولغة الأرقام والعناية بها ، وصحة المعلومة وتوثيقها ، وعدم الرتابة في الإلقاء الذي يدعو للنوم أحياناً ، ومن التحديث الذي أدعو إليه –حين إعداد الخطبة جيداً وإلقائها كذلك – تسجيلها صوتاً وصورة - إن لم يكن هناك إشكال ، وبثها لتوسيع دائرة الاستفادة منها لمن لم يستطع حضور الخطبة

 

ما هي الوسيلة الأمثل لتناول المنكرات المنتشرة, هل توجيه النصح للمسؤولين , أم توعية جماعة المسجد بها والتحذير منها

من أنفع الوسائل لتناول المنكرات – في نظري – الاهتمام بالأمور التالية :
•    التركيز على المعروف والحق ؛ فالناس به يَعْرفون ما عداه من منكرٍ وباطل
•     العناية بالمفاهيم العامة والآثار المترتبة على المنكرات ، وعدم التركيز على الأشخاص.
•    التذكير بالنعم ووجوب شكرها ، والتحذير من المنكرات ، وسلب النعم
•    مخاطبة أصحاب المنكر بلغة راقية ، تشعره بالعطف والدعوة، وتدعوه للخلاص والتوبة ، ولا يُعارض ذلك فضح واستبانة سبيل المجرمين ، حين تدعوا الحاجة لذلك.
•    إرسال نداءات موجهة لأصحاب الشأن من المسؤولين والعلماء..وإشعار الجميع أننا في مركبة واحدة
•    دعوة الناس للمساهمة في الإنكار بقدر ما يستطيعون ، مع فتح الطرق والآليات المشروعة للإنكار

ما هي أبرز القضايا التي ترى أنه يجب التركيز عليها في هذه الفترة تحديداً

•    من القضايا التي أرى أهمية طرقها:
•    الإيمان والثبات على الحق.
•    النفاق ووسائل المنافقين قديماً وحديثاً.
•    الأخوة وحقوقها وواجباتها، والوحدة والحاجة إليها.
•    المخاطر المحيطة بالأمة من داخلها وخارجها وطرق علاجها( الذنوب والمعاصي ، الفرقة والاختلاف ، الولاء والبراء ، الصبر ، الوعي..الفتن ، الفأل ، المبادرة..ألخ
•    محكمات الدين ، والاستجابة لله والرسول صلى الله عليه وسلم

 

وما هي أبرز السلبيات التي تأملون من الخطباء تجنبها ؟

 

من أبرز السلبيات في نظري:
•    عدم اهتمام الخطيب بخطبته ، وضعف إعدادها
•    البعد عن واقع الناس في المواضيع المطروحة
•    ضعف تعاون الخطباء فيما بينهم ليستفيد بعضهم من بعض
•     عدم اعتناء عدد من الخطباء بخطبهم ونشرها ليستفيد منها الآخرون ، ومن التحدث بنعمة الله أنني طبعتُ من خُطبي – حتى الآن اثني عشر جزءً باسم (شعاع من المحراب ) وعسى الله أن ييسر طبع ما بقي ، وقد نشرتُ عدداً منها في الشبكة العنكبوتية
•    الإطالة المملة في الخطبة ، وتكرار المواضيع دون تحديثها

جزاكم الله خيراً ونفع بكم

حوار رائع ومفيد، ومهم ومطلوب، للخطباء والدعاة والوعاظ، وخاصة في هذه الأيام، فجزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 1 =