إطلالة على المؤتمر العلمي للحسبة
4 جمادى الثانية 1439
عبد الحكيم الظافر

جهد كبير أبرزته دراسات معمقة طرحت في المؤتمر العلمي للحسبة الذي أقيم بمكة المكرمة أواخر شهر جمادي الأولى، والذي احتضنه المعهد العالي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بجامعة أم القرى، نوقشت من خلاله قضيتي الانتماء الوطني والأمن الفكري من خلال أوراق شملت محاور عدة: وهي
المحور الأول: مفاهيم الاحتساب في الإسلام

المحور الثاني: الحسبة وتعزيز قيم الانتماء الوطني

المحور الثالث: الحسبة ودورها في تعزيز الأمن الفكري في المجتمع

المحور الرابع: دور القطاعات الحكومية ومؤسسات التنشئة المجتمعية والعمل الخيري في توظيف الاحتساب لتعزيز قيم الانتماء الوطني والأمن الفكري.

 

وفيما يلي، إطلالة على بعض تلك الأوراق الخاصة بتأصيل مفاهيم الاحتساب، التي لا غني عن لفهم وإدراك وتحديد وضبط شعيرة الاحتساب:

 

"الاحتساب النبوي - دلالاته وبعض آثاره في تحقيق الأمن الفكري"، إعداد: د. أشرف بن محمود بنيكنانة، ويعيد فيه الباحث أسباب ورود المجتمعات موارد الردى إلى البعد عن منهج الاحتساب النبوي الذي يحيط بكل تحديات المجتمعات ويعصمها – إن التزمت به – من مخاطر تقويض تلك المجتمعات. ويستعرض الباحث تالياً ملامح هذا المنهج النبوي في الاحتساب من خلال استعراض مراتب وصور ومعالم الاحتساب النبوي ودوره في تحقيق أمن المجتمعات، لاسيما على الصعيد الفكري.

 

 

ويبسط د. جمال نور الدين إدريس حسن شارحاً وسائل تغيير المنكر من خلال دارسته المعنونة بـ" وسائل تغيير المنكر بين الثوابت والمتغيرات"، والتي حددها على النحو التالي:
-    شرح المنكر
-    النهي بالنصح والوعظ والإرشاد
-    النهي بالقول الغليظ
-    التهديد والتخويف
-    التغيير باليد لذات المنكر
-    مباشرة الضرب
-    الاستعانة بالغير
-    العزل والمقاطعة

 

موضحاً بدقة، الضوابط الشرعية للتعامل بهذه الوسائل والطرق، والتي لا تترك أمر الإنكار مطلقاً دون ضابط، وقد رصد لها مجالات تعمل فيها الحسبة إما في حق الله سبحانه أو حق عباده أو مشتركاً ما بين حق الله وحق عباده.

 

وقد خلص د. حاتم محمد منصور مزروعة في دراسته المعنونة بـ"الهدايات المستفادة من أبرز آيات الحسبة في القرآن الكريم – دراسة موضوعية" إلى جملة من النتائج المهمة، منها أن وحدة الأمة إنما تتحقق بالقيام بالاحتساب لا بتركه، وأن القدوة في الأمة هي لأهل الحسبة، وأن هذا الواجب هو أمر منوط بالجميع؛ فـ"ترك الاحتساب هو جرم عظيم يعرض صاحبه للطرد من الرحمة الإلهية"، ونوه إلى أن القيام بالاحتساب هو عمل تبادلي بين الأفراد، منبهاً إلى كونه جالباً للأذى في بعض الأحيان. وحرص الباحث على التذكير بما يعين على الاحتساب من الصلاة وغيرها من العبادات، لافتاً إلى ضرورة الاهتمام بالأخلاق المصاحبة للمحتسب، والتي لا تنفك عن المسلم لاسيما المحتسب.

 

المفاهيم المتعلقة بالحسبة وعلاقتها بالألفاظ المشابهة، لـ د. سالم بن عبيد المطيري، هو أحد تلك الدراسات التي قدمت بالمؤتمر، وعنيت خصيصاً بتحديد العلاقة بين الحسبة، والدعوة إلى الله، والنصيحة، وولاية القضاء، وولاية المظالم، والإفتاء، والشهادة، والجهاد. مبيناً الفروق الجوهرية بين الحسبة وهذه المفاهيم، والتقاطعات بينها أيضاً.  

 

{ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير...}، { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر }، { لولا ينهاهم الربانيون... } ، {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.. } ، { فلولا كان من القرون... } ، { لعن الذين كفروا... } ، { المنافقون والمنافقات بعضهم...} ، { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض... } آيات قرآنية لها دلالاتها الواضحة فيما يتعلق بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حيث المراتب ونقض الإشكالات التي قد تلتبس فيما يتعلق بالأمر بتلك الشعيرة، ناقشها د. عادل بن محمد بن عمر العمري في دراسته التأصيلية حول "الاحتساب على المنكر من خلال دلالات النص القرآني".

 

 

وثمة ما يتعلق بالجانب التربوي لشريعة الحسبة، إذ لم يقتصر مفهوم الحسبة على قضية الإلزام الشامل للأمة من دون يلمس مكنون نفوس المحتسبين والمأمورين بالمعروف والمنهين عن المنكر من خلال قواعد تربوية أرساها الكتاب والسنة، ولهذا توجه إليها د. عبدالله بن عطية الله الأحمدي، باحثاً في "الدلالات التربوية المستنبطة من نصوص الحسبة في الكتاب والسنة وعلاقتها بتعزيز الأمن الفكري"، وقد أوجز في بحثه هذا عدداً من تلك الدلالات، منها: الصبر، والحكمة، والحلم، والعمل على الحفاظ على  تماسك المجتمع، وإقامة الحجة، والعدل والإنصاف، والوسطية والاعتدال، والتبشير، والقدوة الحسنة، والتدرج.

 

 

ولقد ركز الباحث د.علاء الدين الأمين الزاكي على حديث واحد جامع في الحسبة، من خلال دراسته المعنونة "دلالة ألفاظ حديث (من رأى منكم منكراً فليغيره) على الأحكام"، لاعتبار الحديث أصل في صفة تغيير المنكر، كما نقل الباحث عن القاضي عياض رحمه الله، وهو ما استدعى منه تركيزاً على دلالة ألفاظ الحديث الذي رواه مسلم وغيره، وبعد تمهيد أصولي معمق، أوضح الباحث عموم لفظ "من" بمعانيها: الشرطية والموصولية (الذي) والنكرة، وكلها معانٍ تفيد العموم، وهي أيضاً تشمل المحتسبين المعينين أو جموع المسلمين (المحتسب المتطوع)، وتعم الرجال والنساء، ويستنثى منها الأطفال إلا على سبيل التعويد كما قرر بعض العلماء. وعموم لفظ "منكراً"، وهو يشمل المنكر الظاهر (بغير تجسس)، المستمر (في الحال)، المعلوم كونه منكراً لا اجتهاد أو خلاف معتبراً فيه.  وقد شرح الباحث أقوال العلماء فيمن يخرج من قول "من" كالمجنون والكافر وغيرهما وممن يفصل أو يختلف فيه العلماء كالجاهل أو العاجز أو ما نحوه. وكذا ناقش مسألة التعيين أو الكفائية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعرض أقوال العلماء وتفصيلهم فيها.

 

 

وفي دراسته "الحسبة في السنة النبوية، وأثرها في وقاية المجتمع من الانحراف الفكري"، أوجز الباحث د. محمد عالم بن أبو البشر شاهر ملوك مفاهيم الحسبة والوقاية والانحراف الفكري، موضحاً أن الحسبة هي سفينة المجتمع التي تقيه من الانحراف الفكري، وتعبر به إلى شاطئ الأمان والنجاة، إذ "لا صلاح ولا فلاح لأمة الإسلام إلا إذا تمسكت بهذه الشعيرة العظيمة... قال تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به... }"، وقد شرح الباحث معاني حديث السفينة «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ, فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا, وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» (رواه البخاري). منوهاً إلى قول بعض العلماء أن الحسبة هي الركن السادس من أركان الإسلام.

 

 

ومن خلال مباحث أربعة، شرح الباحث د. المهدي بن محمد الحرازي "الخطأ في المفاهيم وأثره على الانحراف الفكري" في دراسة عميقة بهذا العنوان، لخصها الباحث فيما يلي:
-    "بين المبحث الأول أسباب الخطأ في المفاهيم المتعلقة بالاحتمالات الواردة على اللفظ، وهي: احتمال الاشتراك، واحتمال المجاز، واحتمال النقل بالعرف أو الشرع، واحـتـمـال الإضـمـار، واحـتـمـال التخصيص، واحـتـمـال الـتـقـديم واحـتـمـال التأخير، واحتمال النسخ، واحتمال المعارض العقلي، واحتمال تغير الإعراب والتصريف.

-    بـين المبحث الـثـاني الخطأ في المفاهيم بسبب بعض الجـوانـب العلمية، وهـي: قلة العلم، وضعف التلقي، وتشييخ الكتب، وضعف العلم باللغة العربية، والعزوف عن علوم الآلة، والبعد عن المصادر الأصيلة للمعرفة، والقراءة المجتزأة (عدم مراعاة السياق)، وقلة الاهتمام بالمصطلحات العلمية، ضيق التخصص وضعف الاطلاع، والتصورات السابقة.

-    بـين المبحث الثالث الخطأ في المفاهيم بسبب حالة الشخص وبيئته، وهـي: التعصب المـذمـوم، والتقليد الأعـمـى، والتسرع في التعبير عن المفاهيم والتعجل في استخلاص النتائج، وحـب الشهرة، واتـبـاع الهـوى، والخـوف على الـرزق والمكانة، وضعف الوازع الديني، والحالة النفسية، والبيئة.

-    بين المبحث الرابع أثر الخطأ في المفاهيم على الانحراف الفكري، ويتمثل في: ظهور الفرق الضالة، ونشأة الجماعات والأحزاب المنحرفة، وانتشار الأقوال الشاذة، وظهور عدد كبير من المثقفين المستغربين المتأثرين بأفكار المستشرقين، وبروز التصرفات النشاز بين أفراد المجتمع".

 

وقد نخلص في المنتهى إلى أن هذه الدراسات التسع قد أوفت للباحثين عن قضايا الحسبة برؤية تكاملية شاملة ترسم طريقاً واضحاً للحسبة لا يعتريه عوار انحراف فكري أو تقصير عملي، كما أنه يعيد الحيوية إلى هذه الشعيرة في وقت تتأكد وتتعزز أهميتها لتحقيق الأمن الفكري للمجتمعات المسلمة، وكذلك التناصح الضامن للتماسك البنيوي لها، والذي لن يكون إلا بقيام الأمة بهذه الشعيرة التي جعلتها خير أمة أخرجت للناس.

1 + 16 =