سمرقند ثغر الإسلام وحافظة حضارته
1 رمضان 1439
أمير سعيد

درة الشرق الإسلامي، سمرقند، المدينة المبهرة في جمالها، كما في تاريخها، وتراثها، التي ما إن تدمرت بفعل حروب طاحنة حتى تعود بهية شامخة من جديد، دمرها شمر بن إفريقيس بن أبرهة، والاسكندر الأكبر، وجنكيزخان، وكتب الله لها أن تشهد ازدهاراً هائلاً في بنيانها حتى صارت حاضرة الشرق في زمن القائد الشهير تيمورلنك (تيمور الأعرج)، الذي دمر أبرز حواضر الإسلام في الشرق حتى دمشق!

 

قال صاحب "خريدة العجائب وفريدة الغرائب": لما أشرف عليها قتيبة بن مسلم قال: كأنها السماء في الخضرة، وكأن قصورها النجوم اللامعة، وكأن أنهارها مجرة. وكان يقول: سمرقند جنة في الأرض ترعاها الخنازير. (والأصح أن العبارة لحضين بن المنذر الشيباني، كما قال ابن الفقيه في البلدان)، وذكر أيضاً أن المأمون قد سأل رجلا عن سمرقند فقال: يا أمير المؤمنين، كأن مدينتها دارة القمر، وكأن نهرها المجرة، وكأن ضياعها حولها النجوم. وقد وصفها ابن بطوطة الرحالة بقوله: "إنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالًا، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصّارين، وكانت تضمُّ قصورًا عظيمة، وعمارة تُنْبِئ عن هِمَم أهلها"

 

"في باب سمرقند مكتوب: بين هذه المدينة وصنعاء ألف فرسخ"، كذا قد ذكر صاحب الروض المعطار في خير الأمصار، أبو عبدالله الحِميري رحمه الله، واللافت أنها قد كتبت بلسان حمير اليمني كما نص على ذلك الأصمعي. كتبها – على ما يبدو - جيش شمر بن إفريقيس بن أبرهة قبل البعثة بقرون، لكن ظل الرابط متصلاً لقرون طويلة، ظل الإسلام فيها لا يعرف حدوداً ما بين سمرقند، وصنعاء، ولا غيرهما، على طريق الحرير الممتد الآمن بأمان دولة الإسلام ما بقيت وبسطت سيطرتها وعدالتها. هذا الرابط الموصول بمنبع الحضارة قلب الحجاز، حيث خرج منه النور للعالم كله، واستفاض منه البلاغ إلى ربوع الأرض، فجاب رجاله الدنيا معلمين فاتحين، ومنها سمرقند التي يرقد في ثراها قُثَم بن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما وغيره من رجال صدر الإسلام.

 

مدينة بارعة الجمال، لكن إن كان لها أن تفخر بين لداتها في الدنيا، فلا أروع من أن تفخر ببنائها الحقيقي، بناء روحها، روح العدل الذي انبعث معها وقت فتحها الثاني، حين قدم المسلمون فيها النموذج الفريد الذي لم يشهده التاريخ برمته، لا قبلاً ولا بعداً، في إعلائهم لقيمة العدل، والتزامهم بأحكام الشريعة، ووضع قوانين الحرب وفق المثل العليا الساميات.

 

قصة فتح سمرقند الثانية – بعد تمردها الأول – تستحق أن يجوب ذكرها الآفاق، إظهاراً لعدالة هذا الدين ونصاعة جباه رواده الأول، هؤلاء الذين أدوا وظيفتهم الحضارية السامقة، حيث تسبق الأخلاق غنائم الدنيا وإن حيزت لهم.

 

فرغم تمرد أهل سمرقند على المسلمين الفاتحين ونقضهم الصلح معهم، ما دعا قتيبة بن مسلم الباهلي لغزوهم دون أن يخيرهم بين إسلام أو صلح أو قتال، إلا أن أهلها لما علموا بتولي العادل عمر بن عبد العزيز الخلافة، ودعوته لعامله سليمان بن أبي السري لمزيد من العدل وبناء الخانات وحسن معاملة الرعية، طلبوا من سليمان أن يأذن لهم بإيفاد وفد لأمير المؤمنين للشكوى من القائد الفذ قتيبة بن مسلم الباهلي الذي باغتهم بفتح بلادهم دون إنذار؛ فأذن لهم، فطلب الخليفة من عامله أن يعين قاضياً بين قتيبة ووجهاء سمرقند؛ فإن كان لهم الحق أمر سليمان بأن يخلي البلاد من فاتحيها ويخرجوا لإيذان أهل سمرقند بالفتح؛ ففعل، وحكم القاضي جميع بن محاضر لأهل سمرقند على قتيبة وجيشه؛ فخرج الجيش، وسط ذهول السمرقنديين، بل ذهول كل من سمع بالقصة، التي ازدانت رونقاً بتنازل السمرقنديين عن تنفيذ الحكم ورضاهم بعودة الفاتحين صلحاً تجنباً لخسارة الحرب مجدداً، وتطلعاً لعدالة لم يعرف التاريخ لها مثيلاً.
 

قصة فتح سمرقند غاية في الغرابة والإبهار، ولولا أنه مشهورة بين أهل التاريخ، ووردت في معظم كتب تأريخ الإسلام والبلدان، كتاريخ الطبري، والكامل في التاريخ، والبلاذري في فتوح البلدان، ومن المتأخرين، الدولة الأموية عوامل الإزدهار وتداعيات الإنهيار للصلابي، والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي للشيخ عبد الشافي محمد عبد اللطيف، وقصص من التاريخ للشيخ علي طنطاوي وغيرها من المصادر التي لم نقف في غيرها على مناقض، لولا اشتهارها لظنها السامعون ضرباً من الخيال!  

 

روعة العدالة التي خطفت قلوب السمرقنديين، فدخلوا في دين الله أفواجاً، كافأها السمرقنديون على مر القرون إلى الفاتحين إنتاجاً غزيراً من العلم، حمله علماء أفذاذ، أحصى منهم صاحب "القَند في علماء سمرقند" في كتابه ما يفوق الألف عَلَم وعالم وشيخ، لعل أبرزهم الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن برهام الدارمي السمرقندي، المتوفى سنة 255ه صاحب سنن الدارمي، وردوا جميلها إلى الحالة العلمية صناعة ورقية هي الأعلى جودة في العالم فاقت أختها المصرية، رفدت الثورة العلمية الهائلة التي تفجرت في الأمة الإسلامية على مر العصور بالورق، والعلم معاً. وامتد عطاؤها حتى استبد الحقد والطغيان السوفييتي بها القرن الماضي فدمروا مطبعتها العامرة، وهدموا جامعتها ومساجدها ومدارسها الزاخرة بأهل العلم والتدريس.
 

 

أدرك أعداء سمرقند قيمتها على مر الأزمان؛ فدمرها جنكيزخان، لكن تدمير الطاغية المغول لم يساوِ شيئاً أمام تدميرها المعنوي الذي نفذته الطغمة السوفيتيية التي استولت على سمرقند وأخواتها من مدن أوزبكستان المسلمة، ذات الملايين الثلاثين ونيف. فلقد أزعج مظهر سمرقند الإسلامي بمساجدها ومدارسها الإسلامية وقصورها السوفييت فعطلوا مساجدها وقوضوا منائرها العلمية، ثم نقلوا العاصمة إلى طشقند بدلاً منها لما رأوه فيها من "مظاهر إسلامية صارخة" وتدين واضح، كما قال بعض "مثقفيهم"، وبسبب مقاومة أهل سمرقند أكثر لمساعي السوفييت لتغيير سمتها الإسلامي، ولما رأوه في طشقند بديلاً يرضيهم حيث فرض الروس أنفسهم عليها فبلغوا نحو خمس "سكانها"، وبثوا فيها فسادهم وانحلالهم، وبعد أن كانت حاضرة الشرق وعاصمة بلاد ما وراء النهر التي ارتفعت تحت ظلال راية الإسلام، صارت مدينة فقيرة مهملة تحت حكم السوفييت.
 

 

ثم لما حملوا عصيهم راحلين منها في تسعينات القرن الماضي، استبقوا فيها جلاوزة الاستخبارات السوفييتية (كي جي بي)، ورموز الحزب الشيوعي حكاماً وساسة للحؤول دون استعادتها ريادتها الحضارية.. لكن نور الله تام، وعودة الإسلام إليها وإلى آسيا الوسطى حاصل حقيقة لا استشرافاً، وبرغم التضييق المعروف على أبنائها إلا أن ثمة ضوءً في نهاية نفق الشيوعية المظلم، وثمة انفتاحاً محدوداً وكوة صغيرة من الحرية بدأت تتنسمه رويداً رويداً، سيعيد بمشيئة الله سمرقند، العلم، التدين، الطيبة والأخوة الإيمانية.. الجنة.
 

تلك التي قال عنها البستي يوماً:

للنّاس في أخراهم جنّة، ... وجنّة الدنيا سمرقند

8 + 0 =