عملية قيصر في قلب آلة الإبادة السورية
22 ذو الحجه 1439
مهند الخليل

تحت عنوان: (عملية قيصر ــ في قلب آلة الموت السورية) نشرت دار ستوك كتابًا للكاتبة الفرنسية غارانس لو كازن. تصدر طبعة منه بالإنكليزية في الشهر المقبل، وتُرجمت فصول منه إلى العربية تولت نشرها بعض الصحف والمواقع الإلكترونية السورية المناوئة للنظام.

 

عزاء نسبي متأخر
والكتاب ثمرة لقاءات عدة بين المؤلفة وبطل فضيحة نظام الأسد الذي كان مصورًّا لدى الشرطة العسكرية، واحتفظ بنسخة من جميع الصور التي كانت مهمته التقاطها لجثث ضحايا القتل بالتعذيب في مخابرات بشار.

 

هرب الرجل إلى الغرب سنة 2013 ، واتخذ اسمًا مستعارًا هو: " قيصر" ، وفي جعبته 55 ألف صورة لضحايا التعذيب في الفترة التي سبقت هروبه وعددهم 11 ألف شخص – في فروع دمشق وريفها فقط-!!

وربما يشعر قيصر الآن بشيء من العزاء عن تصامم المجتمع الدولي عن صوره الصادمة، بعد أن اضطر القضاء الفرنسي إلى القبول بها كأدلة قانونية محترمة لمحاكمة الطغمة الحاكمة في دمشق، عن جرائمها الرهيبة في حق ملايين السوريين.

 

مذعور حتى اليوم
قال قيصر للكاتبة: . كنت أعمل لدى النظام السوري. كنت مصوراً في الشرطة العسكرية في دمشق. سوف أخبركم عن عملي قبل الثورة، وخلال العامين الأولين منها. لكن لا يمكنني تفسير كل الأمور لأني أخاف أن يتعرف النظام علي من خلال المعلومات التي سأفصح عنها. أنا لاجئ في أوروبا.

 

أخاف أن يجدوني ويتخلصوا مني، أو ينالوا من عائلتي. قبل الثورة، كنت مسؤولاً عن تصوير الجرائم والحوادث التي يتورط فيها عسكريون. يشمل ذلك عمليات انتحار، وغرق، وحوادث سير وحرائق. كنا، أنا والمصورون الآخرون، نذهب إلى أمكنة الحوادث ونصوّر المنطقة والضحايا. هناك كان القاضي أو المحقق يقولان لنا: “صوّر هذا الشخص… صوّر ذلك الأمر”. كان عملنا مكملاً لعملهم. على سبيل المثال، إذا وقعت جريمة في مكتب ما، كنا نصوّر المكان الذي وجدت فيه الجثة، ثم نصوّر الجثة في المشرحة لنسجل من أين دخلت الرصاصة وخرجت. كنا أيضاً نستطيع تصوير الأدلة الخاصة بالجريمة، أي المسدس أو السكين المستخدم. إذا كان الأمر يتعلق بحادث سير، كنا نصوّر المكان والسيارة، ثم نعود إلى المكتب ونكتب تقريراً يرافق الصور. ثم يتم إرسال التقرير إلى المحكمة العسكرية كي تبدأ الإجراءات القضائية. في تلك الفترة، كان قسمنا مرغوباً جداً من قبل الجنود والشباب المستدعين من الاحتياط.

 

كثيرون كانوا يرغبون بالعمل في القسم لأنّه لم يكن هناك الكثير من العمل. كنا نتابع قضايا كل يومين أو ثلاثة، ولم نكن مجبرين على لبس أي زي رسمي، وكان بإمكاننا العمل بلباس رسمي أو مدني. لكن الضباط لم يكونوا يرغبون بالعمل في القسم! إنّ قيادة (أو إدارة) مصورين واختصاصيي أرشفة ليس بالفعل عملاً ذا شأن. لا تملك الشرطة العسكرية الكثير من السلطة في البلاد، لا علاقة للأمر بالطبع بسلطة أجهزة الاستخبارات.

 

أكثر من ذلك، لم يكن لدى عناصرها أي تواصل مع المدنيين، وبالتالي لا إمكانية لكسب المزيد من المال عبر البقشيش، كما يحصل في الجمارك، وفي الوزارات. كذلك لم يكن لديهم أي تأثير على المخابرات والجيش. في الهرمية الإدارية، لا أحد يهتم بعملنا، وقسمنا غير مهم. كان قسماً من بين العشرات.

 

تشمل الشرطة العسكرية العشرات من الأقسام والفروع والكتائب. في دمشق وحدها كان يوجد ثلاثون قسماً على الأقل: مصورون، وسائقون، وميكانيكيون… وخدمات تشغيل، ورياضة، وفرقة لنقل المساجين بين الأفرع المختلفة للاستخبارات العسكرية.

 

الصدمة الأولى
يقول المصور الهارب بضميره اليقظ: في أحد الأيام أخبرني زميل لي عن ضرورة تصوير جثث مدنيين. كان قد عاد للتو من تصوير جثث متظاهرين من محافظة درعا: كنا في الأسابيع الأولى للثورة في شهر مارس/آذار أو إبريل/ نيسان 2011. أخبرني وهو يبكي: (لقد أهان الجنود الجثث، وقاموا بدوسهم بأحذيتهم وهم يصرخون: “يا أبناء ال.....!”). لم يرغب زميلي أن يعود، فهو كان خائفاً. حين اضطررت للذهاب، رأيت الأمور بنفسي. قال الضباط إنّ هؤلاء هم “إرهابيون”.

 

لكنّهم كانوا ببساطة متظاهرين. كانت الجثث مصفوفة في مشرحة مستشفى تشرين العسكري، وهو غير بعيد عن المركز الرئيسي للشرطة العسكرية. في البداية، كان يوضع الاسم على كل جثة. بعد بعض الوقت، أي حوالى بضعة أسابيع أو شهر، لم يعد للجثث أي أسماء، فقط أرقام. في مشرحة مستشفى تشرين قام جندي بإخراجهم من البرادات، ووضعهم على الأرض كي نتمكن من تصويرهم ومن ثم أعاد الجثث إلى البرادات. كلما تم استدعاؤنا لجلسة تصوير، كان يحضر طبيب شرعي. مثلنا لم يكن الأطباء الشرعيون مضطرين لارتداء زي رسمي، لكنهم كانوا عسكريين مع رتب. في الأشهر الأولى، كانوا ضباطاً عاديين، ثم تم استبدالهم بمن هم أعلى رتباً. مع وصول الجثث إلى المستشفى، كانت تحمل رقمين مكتوبين على ورقة لاصقة أو على الجلد مباشرة، الجبين أو الصدغ، وكانت المادة اللاصقة من نوعية رديئة وغالباً ما كانت الورقة تقع من تلقاء نفسها.

 

الرقم الأول كان رقم الموقوف نفسه، والثاني خاص بفرع أجهزة الاستخبارات التي كان محتجزاً لديها. الطبيب الشرعي الذي كان يحضر في وقت أبكر صباحاً، يمنح كل جثة رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. كان هذا الرقم هو الأهم بالنسبة لعملنا الأرشيفي. يمكن للرقمين الآخرين أن يكتبا بشكل سيئ، أو خط غير مقروء، أو أن يكونا ببساطة غير صحيحين، بسبب وقوع أخطاء أحياناً. كان الطبيب الشرعي يكتب الرقم الطبي على ورق مقوى. كان هو أو عنصر من جهاز أمني يضع الرقم قرب الجثث أو يمسك به حين نلتقط الصورة. هذه هي الأيادي التي رأيتموها في الصور التي سربتُها. أحياناً يمكن حتى رؤية أقدام الطبيب الشرعي أو العناصر الأمنية إلى جانب الجثث.

 

الأطباء الشرعيون هم أعلى منا مرتبة. لم يكن ممكناً الحديث معهم أو حتى توجيه أسئلة لهم. حين كان أحدهم يوجه لنا أمراً، كان علينا الطاعة. كان يقول لنا: “صوّر الجثث من 1 إلى 30، مثلاً، وارحل”. من أجل التمكن من التعرف بشكل سريع على الجثة في الملفات، كان يجب التقاط أكثر من صورة لها: واحدة للوجه، وأخرى للجسد بأكمله، وواحدة لجانبها، وواحدة للقسم الأعلى، وواحدة للقسم السفلي. كان يتم تجميع الجثث بحسب الأقسام التي أتت منها، فكان هناك مثلاً مكان للفرع 215 من الاستخبارات العسكرية، وآخر لفرع الاستخبارات الجوية. سهل ذلك عملية التقاط الصور وتصنيفها لاحقاً. لم أكن قد رأيت أياً من هذا مسبقاً. قبل الثورة، كان رجال النظام يعذبون المعتقلين من أجل الحصول على معلومات، لكنهم اليوم يقومون بذلك من أجل القتل.

 

رأيت آثار شمع، ومرة رأيت علامة دائرية خاصة بالموقد الصغير – أي ذاك الذي يستخدم في صنع الشاي – وقد حرق وجه وشعر أحدهم. كان لدى بعض الأشخاص جروح غائرة، وعيون مقلوعة، وأسنان مكسورة، وآثار ضربات بكابلات كهربائية من تلك التي تستخدم لتشغيل بطاريات السيارات. كانت هناك جروح مليئة بالقيح، كما لو أنها لم تعالج منذ زمن وتعرضت للالتهاب. أحياناً، كانت الأجساد مغطاة بالدماء، لكن دماء طازجة. كانوا توفوا منذ مدة قصيرة بالطبع.

 

أي مخلوقات هؤلاء؟

يشرح قيصر معاناته مع الأهوال التي أصبح يعايشها يوميًا، ثم قراره بالهروب من جحيم الوحشية والحقد الفظيع.. يقول:

كنتُ أجد نفسي مضطراً للتوقف وأخذ استراحة كي لا أبكي. أذهب لغسل وجهي. في البيت لم أكن في وضع جيد أيضاً. لقد تغيّرت. كنت ذا طبع هادئ، وأصبحت سريع الانفعال، مع أهلي، وأخواتي. في الواقع، كنت مرعوباً، وأشاهد في رأسي كل ما رأيته خلال النهار. كنت أتخيل إخوتي وأخواتي وقد أصبحوا من تلك الجثث. جعلني كل ذلك مريضاً. لم أعد أحتمل كل ما يحصل، وقررت حينها الحديث مع سامي، وهو صديق يعيش في المنطقة نفسها.

 

كان ذلك مساء يوم من ربيع العام 2011. كان قيصر يرغب بالتوقف عن العمل والانشقاق. سمع سامي حججه، وأقنعه بالاستمرار لأنه الوحيد الذي يستطيع جمع الأدلة من داخل النظام. وعده بالوقوف إلى جانبه مهما حصل. (….) خلال عامين ورغم خطورة ذلك على حياته، سيقوم قيصر بنسخ ملايين الصور الخاصة بالمعتقلين والتي يمكن مشاهدتها اليوم في متحف الهولوكوست في واشنطن وعلى مواقع الانترنت. سيسانده سامي يوماً بيوم خلال عامين. وهو اليوم - في العام 2015 تاريخ لقاءات الكاتبة مع قيصر-، يستمر في مساندته في مكان ما حيث يعيش في أوربا.

 

يروي قيصر تفاصيل من يوميات الرعب في تصوير الضحايا المتوفين تحت التعذيب، على بُعد 40 متراً من قصر بشار الأسد.

 

الروتين يصبح رعباً “في وقت من الأوقات أرسلت الجثث أيضاً إلى المستشفى العسكري في المزة، الأكبر حجماً من مستشفى تشرين. كان اسمه الحقيقي “المستشفى 601”.

 

في بعض الصور، يمكننا أن نرى التلة وكشك حارس المستشفى والأشجار التي تحدد محيط المبنى، وخلفه في الأعلى القصر الرئاسي.

 

 لم يكن علينا فقط تصوير الجثث، لكن فتح ملفات لها. كان علينا طبع الصور، وترتيبها وفق الفروع، ولصقها على الملفات، وتصنيفها. كان عملاً منهجياً، إذ يوجد شخص يطبع الصور، وآخر يلصقها أو يشبكها في الملف، وثالث يكتب التقارير. يقوم رؤساؤنا بالتوقيع على التقارير ثم نرسلها إلى القضاء العسكري. قبل الثورة، كنا نقوم بهذا العمل مع جثث العسكريين، وبعدها استمرينا مع جثث المدنيين. كان الأمر وكأنّه روتين. زاد العدد، وخصوصاً في العام 2012. لم نكن نتوقف عن العمل.

 

.... في باحة المستشفى العسكري في المزة، وسط دمشق، وقبل أن تتوقف سيارة الهيونداي تماماً، يرمي الجنديان عشرات الأجساد العارية على الأرض. “ارموا أولاد ... هؤلاء هناك”! كانت الجثث قبل ذلك في مراكز الاحتجاز الخاصة بالفروع العسكرية. “كيف سأحمل هذا؟”، يصرخ المستدعى من الاحتياط مذعوراً، وهو لا يجرؤ على لمس الأشلاء الهزيلة، ويقول لرفيقه الذي يؤدي خدمته العسكرية أيضاً: “قم أنت بذلك”! بنظرات الرعب يجد الشابان أنفسهما مجبرين على نقل الجثث إلى المخزن.

 

تصل كل يوم تقريباً جثث جديدة، وعلى الجنود تعلّم كيفية جرّها وحملها ومن ثم فرزها وفق فروع أجهزة الاستخبارات حيث كانت محتجزة. تتكرر كل الحركات بشكل شبه يومي. يصل الطبيب الشرعي حوالي الساعة السابعة صباحاً. في يده دفتر، هو مجموعة من الأوراق الكبيرة والتي قسمت لثلاثة أعمدة، وينتقل من جثة لأخرى. يحمل كل جسد رقمين كُتبا على الجلد أو على ورقة ملصقة عليه. الأول يعود لرقم الموقوف، والثاني رقم فرع جهاز الاستخبارات حيث كان محتجزاً.

 

يضع الطبيب الشرعي رقماً ثالثاً من أجل تقريره الطبي. بعد كتابته على ورق مقوى، يوضع هذا الأخير على الجثة أو قربها. يقوم المصوّر بأخذ صورة بواسطة جهاز رقمي هو نيكسون كولبيكس بـ50 أو فوجي، ثم يعود الطبيب مع دفتره ليكتب الأرقام الثلاثة في العمود المناسب. يرافقه جندي “شاهد عيان”، ويعطيه مواصفات الميت لوضعها في العمود الأول: عمره التقريبي، وطوله، ولون بشرته وشعره، ووجود وشم من عدمه، وجرح ناتج عن رصاصة…

وكذلك أسباب الموت، التي بشكل لا يتغيّر تؤكد بأنّ “الموقوف توفي إثر نوبة قلبية” أو بسبب “مشكلة في التنفس”. بالطبع لا تُكتب أي ملاحظة عن التعذيب في أي ورقة. يقوم الطبيب الشرعي بعدها برسم خط تحت كل المعلومات وينتقل إلى الجثة التالية. تتضمن كل صفحة معلومات عن ثلاثة أو أربعة أشخاص بشكل متوسط. يتم إنهاء التقرير الطبي في مكاتب الطب الشرعي الموجودة في مستشفى تشرين. ...

أسباب الموت، التي لا يتغيّر تؤكد بأنّ “الموقوف توفي إثر نوبة قلبية” أو بسبب “مشكلة في التنفس.

 

حصانة دولية للمجرمين
يضيف قيصر: تشعر الأجهزة الأمنية السورية بأنها تتمتع بحصانة مطلقة. لا يتصوّر ضباطها وعناصرها بأنه قد يأتي يوم يتمكن فيه أحد ما من محاسبتهم على تجاوزاتهم. يدرك هؤلاء أن قوى كبرى تساند النظام. كما أنهم لم يتخيلوا يوماً أن هذه الصور يمكن أن تخرج إلى العلن وتُنشر في الخارج. في الحقيقة، أتساءل إن كان مسؤولو الأجهزة الأمنية أكثر غباءً ممّا نتصور. فهؤلاء، المشغولون بقمع المتظاهرين، ونهب الشعب، وقتله، نسوا أن تجاوزاتهم موثقة. انظروا إلى الهجوم الكيميائي على منطقة غوطة دمشق. كان المسؤولون يعرفون جيداً أنه ستكون هناك أدلة تدينهم، وعلى الرغم من ذلك استهدفوا المنطقة. لكن في العمق، لماذا يقوم النظام بتصوير كل هذه الجثث التي تعرضت للتعذيب حتى الموت؟ وحده النظام يمكنه الإجابة بدقة عن هذا السؤال.

 

حتى أنني على ثقة بأنه لا يزال يصوّر الجثث على الرغم من الصور التي سرّبتُها ونشرتها. كما أنني على ثقة بأن عناصر النظام لا يزالون يعتقدون بأن المتظاهرين والثوار من الجيش السوري الحر هم “إرهابيون” مدفوعون من عملاء أجانب وأنهم يدمرون سوريا. في بداية الثورة، كان معظم العسكريين يظنون ذلك. بعدها، أدرك كثير منهم أن ذلك ليس صحيحاً، لكن بعدما سفكت الكثير من الدماء. أذكر جيداً عندما قام النظام بالإفراج عن “جهاديين” شاركوا في حرب العراق ضد الأميركيين، بعدما كان قد اعتقلهم لدى عودتهم من العراق إلى سورية. حينئذٍ، تساءلنا متفاجئين في قسمنا بجهازنا الأمني: لماذا يقوم بالإفراج عنهم؟ في حينها، لم أتحدث شخصياً مع أي من هؤلاء المعتقلين، لكنهم أُحضروا إلى المقر العام للشرطة العسكرية. كان يتم جلب من يشملهم العفو الرئاسي إلى مركزنا، بما أن كل من وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية العسكرية يرسلون أوامر إلى الشرطة العسكرية والشرطة المدنية. كان الموقوفون يصلون إلى مقرنا (الشرطة العسكرية) بحافلات مسيَّجة بقضبان حديدية. كان يتم تجميعهم في الباحة ويتم إبقاؤهم في سجن الشرطة العسكرية لما بين 24 ساعة و48 ساعة، قبل أن يتم إرسالهم ليمثلوا أمام قاضٍ يصدر أمر الإفراج عنهم.

 

7 + 0 =