اسمٌ مستعار
28 ربيع الأول 1436
د. عمر بن عبد الله المقبل

دأَبَ بعضُ الشعراء والكُتّاب والمغرّدين على الكتابة باسم مستعار في المنتديات ومواقع التواصل؛ بغية السلامة من النقد اللاذع في أول التجارب، أو خوفاً من الفشل، أو لغير ذلك من الأسباب، وهذا مقبولٌ ومفهوم إذا كان الإنسانُ يريد أن ينشر بعضَ القصائد أو المقالات ذات البعد الاجتماعي أو التربوي، لكن ما الذي يدعو مَنْ يتكلم في قضايا الأمة الكبرى، أو يقوم مقامَ مَن يوّجّه الآخرين لذلك؟

إن حساسيةَ الموضوعِ، أو جرأةَ الفكرة، لا تحْتملُ التخفّي، ولا يُقبل فيها التستُّر في هذه المقامات، فمن نصبَ نفسه لهذه الميادين؛ فعليه أن يكون شجاعاً، ويتحمل تَبِعةَ كلمته، فالكلمة أمانةٌ، والقيادةُ العلميةُ أو الفكرية تبعةٌ ومسؤولية عظمى؛ لا يمكن أن تُربط بشخصيات مجهولة!

وبعضُ الناس يهوّن من ذلك بقوله: الأهمّ هنا هو الفكرة، وهذا ليس بدقيق؛ فمعرفة المتحدِّث ـ الذي نَصَب نفسه للتوجيه ـ لا تَقلُّ أهميةً عن معرفة حقيقة فِكره، وفي معرفة الاسم فوائد تختصر كثيراً من السجالات التي لا يخلو منها هذا النوع من الأطروحات.

والغالب أن مَن يكتب وينشر باسم مستعار، سيعيش مختفياً ويكتب مختفياً، ويموت مختفياً! فيذهب ما يطرحه ـ إن كان مفيداً ـ ويُنسب إلى مجهول! ومَن ولجَ عالم المخطوطات؛ أدركَ ما قيمة المخطوط المجهول عند أهل الاختصاص!

إن مِن أخطر مواضع هذا النوع من "التستر" حينما ينبري أناسٌ للحديث في القضايا الكبرى والمعقّدة، ذات الأبعاد الشرعية أو الفكرية أو السياسية، أو بها جميعاً، فينصب نفسه خَلْفَ معرّف على مواقع التواصل؛ ليوجّه الشبابَ ويَصوْغ عقولَهم، وهم ـ لفرط حماسهم ـ ينساقون ولا يَسألون عن اسمه، ولا عن تاريخه العلمي أو الفكري أو السياسي، بل يروّج هؤلاء المتسترون مقولةَ حقٍّ يراد بها تمرير بعض الأفكار الغالية أو الجافية: دعك من اسمي، وانظر إلى كلامي!

ومما قد يخفى على بعض الشباب ـ الذين ينجرفون خلف هذه المعرّفات المجهولة ـ أنها قد تُدار بأيدي استخباراتية محترفة، لديها أجندة معيّنة للتغرير بالشباب والفتيات، ودَفَعهم إلى مواطنَ ملتهبة، أو أماكن اشتعلت فيها نارُ الفتنة، وربما ظهرت بصورٍ تَستدرُّ العواطف، وتستهوي الناظرَ لها؛ فيقعون فريسةً وهم لا يشعرون.

ولئن كان التخفي باسم مستعارٍ مقبولاً في قضايا الأدب، أو الاقتصاد، فلا يمكن قبوله في قضايا الشرع والفتيا، وقضايا الأمة المصيرية، فالله تعالى حينَ أمرَ بالسؤال عند المشكلات؛ أمر بالرد إلى أهل العلم المعروفين به: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل: 43]، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء: 83]، ورحم الله عمر بن عبدالعزيز حين قال: «إن العلم لا يهلك حتى يكون سِرّاً»([1])، ومن صور الاستسرار به: الكتابة في هذه الموضوعات باسم مستعار مجهول.

إن الكتابة بالاسم الصريح، تعني تحمّل المسؤولية، وأمانة الحرف والكلمة، بل وأدعى لاحترامه، وتقدير وجهة نظره مِن قِبَل المخالفين -بلْه الموافقين- وأما السفهاءُ فلن يردعهم عن الردود الفجّة اسمٌ مستعارٌ ولا عالمٌ جليل له قدْره ومكانته، والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) صحيح البخاري (1/ 31).