ثورة تونس المتوقعة.. يشعلها العطش الجديد أم الفساد المستمر؟!!
18 محرم 1438
منذر الأسعد

يبدو أن تونس لم تعد خضراء مثلما كانت توصف تاريخياً،  فهي على أبواب العطش لأول مرة في تاريخها، بينما ينهش الفساد نظامها السياسي ويرهق اقتصادها العليل، أما الحاكمون فاختاروا  إشغال الرأي العام بـ"محاربة الإرهاب" فراراً  من التصدي للتحديات الحقيقية التي تنذر بإشعال ثورة شعبية جديدة.

 

الـمُسَكِّنات لا الجراحة
صحيح أن الربيع التونسي لم يوأد على يد جيشها مثلما جرى في بلدان الربيع الأخرى، لكن تعنت التغريبيين أجهض الآمال التي أطلقتها الثورة الأولى في العالم العربي من بلدة سيدي بوزيد، واستطاع هؤلاء عرقلة التحول الذي بدأ بتعاون مميز بين إسلامييها بقيادة النهضة، والمعتدلين من علمانييها بزعامة المنصف المرزوقي.وفرض الترهيب التغريبي انتخاب السبسي للرئاسة مع أنه أحد رجالات العهد البائد..

 

فشل السبسي في سائر الميادين، باستثناء الميدان الذي يهم السادة في الغرب، أي: التحريض الرخيص على ثوابت الإسلام والسعي إلى التطبيع القسري مع الفاحشة في أقبح انحداراتها.

 

واضطرت النهضة إلى القبول بهذا النظام البشع، متذرعة بأن البديل ينطوي على تمزيق المجتمع على أيدي غلاة الفرانكوفونيين الذين يشبهون إخوانهم التغريبيين جميعاً فهم يضعون سيطرتهم على مفاصل السلطة فوق اعتبارات السلم الأهلي واستقرار الوطن ،  الذي يتشدقون به في شعاراتهم، لكنه عند التمحيص يماثل مفهوم الوطن في المسلخ الأسدي، ومعناه حصراً:احتكار السلطة وفرض رؤاهم التعسفية بالبطش.

 

لذلك لا تجد حكومة تونس في صيدليتها سوى الـمُسَكِّنات..

 

فها هو  رئيس الحكومة يوسف الشاهد يقرر تخفيض رواتب أعضاء الحكومة  وامتيازاتهم بـ30نسبة% وتقليص مخصصاتهم  من الوقود بنسبة 20%!!

 

إلا أن تلك التخفيضات لا تتجاوز  ألف دينار شهرياً (نحو 470 دولار).

ويرى مراقبون أنّ هذه الإجراءات هي تمهيد لتطبيق خطّة التقشّف التي لوّح بتطبيقها رئيس الحكومة يوسف الشاهد في خطابه الذي ألقاه أمم البرلمان لنيل الثقة أواخر شهر آب/أغسطس الماضي.

إلا أن الناشطين نشروا صوراً لـ15 سيارة فخمة استوردتها رئاسة الجمهورية، في مقابل صور لفقراء تونسيين يبحثون في حاويات القمامة عما يسد رمقهم!!

 

 

تهديد العطش
شهدت تونس خلال فصل الصيف انقطاعات في المياه،  وتراجعا في منسوب السدود،  ونقصا في الري،  نتيجة جفاف غير مسبوق في البلاد منذ سنوات عديدة،  ما أثار توترات اجتماعية في مناطق عدة.
علماً بأن تونس الكبرى-العاصمة وضواحيها الملاصقة- شهدت أول انقطاع لمياه الشرب في سنة 2013م!!

 

وأدى الجفاف الى نضوب سدود بأكملها ونفوق أسماكها مثل سد “نبهانة”  الذي تبلغ طاقته التخزينية 23 مليون متر مكعب، وكان  يروي أراضي زراعية في القيروان وسوسة والمنستير والمهدية  ويوفر يوميا 50 ألف متر مكعب من مياه الشرب لسكانها.
وفي نهاية آب/أغسطس،  بلغ مخزون المياه في السدود التونسية 746 مليون متر مكعب مقابل مليار و226 مليون متر مكعب في التاريخ نفسه من 2015.

 

وقد أعلن وزير الزراعة آنذاك سعد الصديق أن الأوضاع ستصبح “كارثية” إن لم تنزل الأمطار قبل نهاية الشهر الحالي.

 

ودعت وزارة الشؤون الدينية أئمة المساجد إلى إقامة صلاة “الاستسقاء”.وهنا دخل الزنادقة على الخط فأطلقوا موجات من الاستهزاء بالدين وتسخيف المجتمع لأنه يتمسك بإسلامه..

 

ومنذ منتصف أيار/مايو،  تشهد مناطق عدة في تونس انقطاعات لمياه الري والشرب كانت تتراوح بين بضع ساعات وثلاثة أيام،  واعترفت وزارة الزراعة بحصول أكثر من 700 انقطاع حتى اليوم.

 

وقال منسق المرصد الوطني للمياه علاء المرزوقي ان المياه انقطعت في بعض المناطق الداخلية فترات قاربت الشهر، وحذر  من  تفاقم الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في مختلف المناطق ، الأمر الذي ينذر بـ"انتفاضة عطش"،  ما لم تجد السلطات “حلولا عاجلة”.

 

 

إرث الطاغية
وكانت دراسات أعدها البنك الدولي منذ أكثر من عشر سنوات قد حذرت من وصول تونس إلى  حالة العطش  هذه بسبب التغيرات المناخية،  لكن الدولة في عهد المخلوع ابن علي لم تكترث بهذه التحذيرات، لأن أولوياتها كانت تنحصر في أجهزة القمع والتجسس على المواطنين وترهيبهم.

 

ويؤكد الخبراء أن نسبة كبيرة من المياه تضيع بسبب تهالك شبكة القنوات التي يبلغ إجمالي طولها 70 ألف كلم.
كما  يؤدي تكلس المياه داخل القنوات وتعطل معدات الضخ التي تجاوز عمر بعضها 30 عاما،  الى انقطاع المياه.

 

ولا تملك  شركة المياه  التمويل اللازم لصيانة القنوات أو تجديدها بسبب ارتفاع ديون الشركة لدى المواطنين والشركات الخاصة والعامة والتي بلغت نحو 150 مليون دينار (60 مليون يورو) في 2016.
وبعد الثورة التي أطاحت مطلع 2011 بنظام زين العابدين بن علي،  تعطل إنجاز مشاريع مائية جديدة في تونس مثل بناء سدود وحفر آبار عميقة.

 

وعندما تسلمت الحكومة السابقة برئاسة الحبيب الصيد مهامها مطلع فبراير/شباط 2015،  بلغت قيمة المشاريع المائية “المعطلة أو التي كانت تسير ببطء كبير،  حوالى 935 مليون دينار (378 مليون يورو)”.
إلا أنه تم  مؤخراً  استئناف العمل في أغلب المشاريع  المتوقفة.

 

غول الفساد
بعد الإطاحة بالنظام الاستبدادي فوجئ التونسيون بحجم الفساد المتغلغل في سائر أوصال الدولة، وهو داء كان القمع يحجبه،  لأن الاستبداد يوفر حماية لأزلامه الذين ينهبون المال العام،  في ظل غياب كامل للشفافية ولأي رقابة حقيقية من البرلمان أو الإعلام الحر..

 

فقد أعلنت نجاة باشا المسؤولة في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (مستقلة)، خلال جلسة استماع في البرلمان التونسي أن "عدد الملفات المتعلقة بقضايا الفساد في ارتفاع وتزايد مهول جدا،  وقد بلغ عدد الملفات التي تلقتها الهيئة من جميع أنحاء البلاد (منذ العام 2011) قرابة 12 ألف و500 ملف".

 

وأوضحت أن الهيئة تختار الملفات العاجلة للتقصي حولها والتدخل بصفة عاجلة،  ليتم بعد ذلك إحالتها للقضاء".

 

وأشارت إلى أن عدد الملفات التي تم التقصي حولها بلغ نحو 3 آلاف ملف،  مستدركةً  بأن دور الهيئة اقتصر حتى الآن  على مكافحة الفساد بالقطاع العام،  مع أن القانون يمنحها الحق في مراقبة القطاع الخاص،  وأرجعت ذلك إلى نقص الإمكانات البشرية والمالية لديها.
وقالت باشا إنه "من خلال الملفات وبإجماع كل الأطراف،  فإن الفساد طال جميع الهياكل وجميع المجالات والميادين،  على غرار الصحة والتعليم والتربية والجمارك والتعليم العالي"،  مؤكدةً أنه "لا مجال يخلو من الفساد".

 

وذكّرت أن "الهيئة الوطنية تعوّل على الإرادة السياسية للنجاح في محاربة الفساد"،  مشددة على أن "محاربة الفساد أصعب بكثير من مقاومة الإرهاب إذا لم تشارك كل الأطراف في محاربته".

 

وأرجع رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس،  شوقي الطبيب،  في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية،  في يوليو/ تموز الماضي،  تراجع البلاد في مكافحة الفساد إلى "عدم وجود خطة وطنية لذلك،  وعدم قيام محاكمات للفاسدين،  وعدم تجلي إرادة سياسية حاسمة وقاطعة لمكافحة الفساد خاصة في العامين الأخيرين".

 

وأكد أحمد صواب الرئيس السابق لاتحاد القضاة الإداريين في تونس أن الديمقراطية الناشئة في البلاد تتعرض إلى تهديدين مباشرين بينهما علاقة موضوعية وثابتة وهما الإرهاب،  والتهريب الذي هو وجه من وجوه الفساد.
واعتبر صواب أن مكسبي الحرية والديمقراطية اللذين حققتهما تونس بعد الثورة مهددان بشكل مباشر الآن بطاعوني الإرهاب والتهريب الذي شكل بحسب رقم حكومي رسمي 52% من الناتج المحلي الخام أي ضعف ميزانية تونس لعام 2016.

 

ورأى أن  الفساد  هو أخطر بعشرات المرات من الإرهاب. وشدد على أن الإرادة السياسية لمكافحة الفساد تتطلب أدوات وتشريعات منتظرة التزمت حكومة يوسف الشاهد بإصدارها وتتضمن نصوص التبليغ عن الفساد وحماية المبلغين،  ونصا حول الإثراء غير المشروع،  ونصا يتعلق بتصريح المسؤولين بمكاسبهم عند توليهم أي وظيفة وعند الخروج منها،  والنص المنظم للهيئة الدستورية الجديدة لمقاومة الفساد والحوكمة الرشيدة.

 

مصالحة الفساد!!
بينما تشكو البلاد من استفحال الفساد، وتطالب القوى السياسية والشرائح الاجتماعية بضرورة محاربته كأولوية وطنية تتقدم على مواجهة الإرهاب، فاجأ رأس النظام الباجي السبسي جميع هؤلاء ،   بمشروع يهدف للتطبيع مع الفساد بذريعة" تحسين مناخ الاستثما"ر،  في حين اعتبرته  المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية الأخرى تقويضاً للعدالة الانتقالية.

 

وينص القانون محل النقاش،  على أن "توقف التتبعات أو المحاكمات أو تنفيذ العقوبات في حق الموظفين العموميين وأشباههم من أجل أفعال تتعلق بالفساد المالي وبالاعتداء على المال العام باستثناء تلك المتعلقة بالرشوة والاستيلاء على الأموال العمومية".
أما الفصل الثالث منه،  فينص على أنه "يمكن لكل من حصل له منفعة من أفعال تتعلق بالفساد المالي أو بالاعتداء على المال العام تقديم مطالب صلح إلى لجنة تحكيم ومصالحة يتم إنشاؤها في رئاسة الحكومة ".

 

وكان حزب التيار الديمقراطي المعارض،  قد دعا،  في بيان منشور على موقعه،  "كل الأحزاب والمنظمات الرافضة لهذا القانون وكل التونسيين إلى المشاركة في جميع التحركات السلمية الرامية لإسقاط هذا المشروع والحفاظ على مسار العدالة الانتقالية".

 

هذا ولم تتوقف الانتقادات الموجهة لمشروع القانون عند حدود الأحزاب والمنظمات التونسية،  بل امتدت لتشمل المنظمات غير الحكومية على غرار "هيومن رايتس ووتش"،  التي قالت في بيان لها،  إن هذه "الإجراءات من شأنها تقويض مسار العدالة الانتقالية".

 

لكن الرئاسة تهزأ من سيل الاعتراضات بزعمها أن  " المعارضة التي تواجه مبادرة الرئيس التونسي هدفها حرمانه من حقه الدستوري في القيام بمبادرات تشريعية ومنعه من القيام بدوره واستعمال صلاحياته"!!.

 

وبلغ اهتمام السبسي بقانون شرعنة الفساد درجة الإصرار على  تمريره للمرة الثالثة أمام مجلس نواب الشعب رغم أنه سقط في المرة الأولى من خلال محكمة مراقبة دستورية القوانين وفي المرة الثانية سقط خلال إقحامه في الفصول من 59 إلى 64 من قانون المالية 2016".

 

ورغم كل محاولته إسقاطه،  غير أن "الرئيس السبسي لا زال يصر على تمرير القانون وكأن هناك شيئا ما يدفعه إلى هذا الاتجاه وكأن هناك قوى ضاغطة تدفعه نحو ما يسميه:  المصالحة الاقتصادية.

 

بالرغم من أن بعض مؤيدي السبسي  يشككون في صحة تلك الادعاءات، لأن رجال الأعمال الذين مرت ست سنوات على مصادرة أموالهم أو منعهم من السفر أو الحجز على حساباتهم البنكية ليسوا  قادرين على الاستثمار وعلى بعث المشاريع من جديد.

 

بينما يجزم معارضو السبسي بأن الفاسدين الكبار ناصروا السبسي في الفوز بانتخابات الرئاسة، وأنه يريد "رد الجميل" إليهم.

 

فشل  وسوء إدارة
غلب على الحكومات التونسية السبع منذ الثورة وخلع الطاغية،  العجز عن إنجاز المهمات الوطنية الكبرى، نتيجة الصراع الإيديولوجي الذي افتعله التغريبيون فأقصوا أهداف الثورة، وفرضوا جدول أعمال تخريبي وتمزيقي.

 

 في جلسة الاستماع التي عقدها البرلمان التونسي للنظر في سحب الثقة من حكومة الصيد،  جَبُنَ الصيد عن مكاشفة التونسيين بحقيقة المصاعب التي أفشلت حكومته، وعلى رأسها وحش الفساد الذي ترعاه الدولة العميقة ورأس النظام الحالي، وتحريف غلاة التغريبيين جدول الأعمال الوطني وفرض اهتمامات هامشية –بل إنها مؤذية للبلد وللنسيج الاجتماعي-، وذلك وفق خطة خفية ماكرة،  تهدف إلى زرع قناعة لدى الناس أن حكم المخلوع كان أفضل لتونس!!

 

لذلك أصبحت تونس حلبة صراع بين أجنحة الدولة العميقة،  وبات الفساد تهديداً بتحوُّل البلاد إلى نظام مافيوي..ما دام الفساد قد نخر المؤسسات الصحية، وقد كشفت وسائل الإعلام المحلية جانباً من صور الفساد المستشري في ما يتعلق بصحة المواطن داخل القطاع الحكومي نفسه.

 

وأخيراً، قرّر رئيس الحكومة يوسف الشاهد في أول إطلالة أمام البرلمان،  بعد التنسيق مع مستشاريه أن يكشف للشعب التونسي بالأرقام عن العجز الكبير في الموازنة التونسية لعام 2016 وذلك بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وتواصل الاحتجاجات والاعتصامات في عدد من المنشآت الحيوية بالدولة.

 

لكنه بعد المصارحة التي بعثت بصيصاً من الأمل في أن تكون حكومته أفضل من سابقاتها،    فاجأ الجميع بإعلانه أن  الدولة ستتوجّه نحو تطبيق سياسة التقشّف القائمة على تقليص مصاريف الدولة في قطاع الصحة والضمان الاجتماعي وتسريح آلاف الموظّفين والعمال بالإضافة إلى زيادة الضرائب وتجميد الاستثمار العام والمشاريع التنموية.

 

وهنا تأكدت مراهنة البعض على أن حكومة الشاهد جيء بها فقط لتطبيق "وصفة" صندوق النقد الدولي بحذافيرها.

 

بعد تصاعد الجدل والسخط الشعبي ،  اضطر الشاهد إلى التراجع  سريعاً عن تصريحاته السابقة،  ويعلن للتونسيين أنه لن يكون هناك تقشّف في برنامج حكومته مستقبلاً،  وأنه لن يتم تسريح الموظفين ولا تجميد المشاريع العمومية،  بل إن كل ما في الأمر دعوة إلى العمل وبذل الجهد وتأجيل المطالب الاجتماعية للنهوض باقتصاد البلاد.

 

وليس سراً أن حكومة الشاهد  حكومة محاصصة ولذلك ضمّت الصالح والطالح ، ولم تخْلُ من  بعض الفاسدين والأزلام.

 

إنّ فشل الحكومة الحالية أو نجاحها سيتحمّل مسؤوليته الجميع بدون استثناء،  فوسائل الإعلام المحلية ومنظمات المجتمع المدني التي لم تمارس وظيفتها الحقيقية وانجرت في المقابل نحو صراعات أيديولوجية وحزبية ضيّقة،  تتحمّل جزءا كبيرا من فشل الحكومة السابقة وستتحمل مسؤولية فشل الحكومة الحالية إن حدث ذلك.

 

فزَّاعة الإرهاب
 
مددت الرئاسة التونسية حالة الطوارئ،  التي فرضتها منذ نوفمبر 2015،  شهرا إضافيا،  ابتداء من يوم الاثنين 19 سبتمبر 2016.

 

وويمنح إعلان حالة الطوارئ وزارة الداخلية صلاحيات استثنائية واسعة،  مثل فرض حظر تجول على الأفراد والعربات،  ومنع الإضرابات العمّالية،  ووضع الأشخاص في الإقامة الجبرية،  وحظر الاجتماعات،  من دون  الحصول على إذن  من القضاء.

 

وما زالت  جيوب العهد البائد في أجهزة الأمن تعيش  الماضي، كما يوثق ذلك ناشطون حقوقيون ومحامون،  متحدثين عن حجم الفظاعات التي لاتزال تمارس خلف الأبواب المغلقة،  فضلاً عن سوء المعاملة  في بعض الإدارات التابعة لوزارة الداخلية التونسية،  حتّى أنّ استخراج بطاقة هوية أو جواز سفر في بعض المراكز الأمنية أصبح وسيلة يستغلّها بعض الأمنيين لإذلال المواطنين واستعبادهم.

 

من جهة أخرى وفي سياق متّصل،  قرّر بعض الأمنيين الّذين تحوم حولهم شبهات كبيرة،  أن ينتقموا من بعض القضاة وضرب المرفق القضائي لتحقيق منافع شخصيّة،  فقد قرّر أحدهم المتاجرة بفتاة قاصر لم تتجاوز  سنة17 للإيقاع بقضاة وتصويرهم في أوضاع مخلّة ومن ثمّ ابتزازهم بالصور والفيديوهات الملتقطة لتصفية حسابات وتسوية ملفّات كانوا قد اختلفوا عليها مسبقا،  ورغم فعلتهم الشنيعة لم تتحرّك أجهزة الدولة لتطبيق القانون ولكن تحرّكت وسائل الإعلام للدفاع عنهم وعن فعلتهم الدنيئة.

 

في ضوء هذه المعطيات، يستطيع المراقب تفسير التهويل الرسمي المتعمد للحضور الإرهابي في تونس ومدى خطورته، مع تهوين النظام من أضرار الفساد الذي ينخر جميع مفاصل الدولة..

 

ولذلك يتم قمع الإعلام بغلظة، حتى إن الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي قال :"الثابت أن الأفعى عادت وأنها الآن دون قناع"،  وهو تصريح شديد اللهجة أدلى به عقب ضغوط مارسها السبسي  على قناة تلفزيونية محلية لمنع بث حوار للمرزوقي،  توحي بأن ممارسات النظام السابق عادت للواجهة وتثير مخاوف من تكبيل الإعلام وتقييده.

 

وأعادت الواقعة الفجة قضية  "حرية التعبير والإعلام" من جديد إلى صدارة المشهد،  وأشعلت الجدل الساخن في  مواقع التواصل الاجتماعي.

 

خط شعبي أحمر
بعد أكثر من خمس سنوات على الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي،  وجد التونسيون أنفسهم في مواجهة ممارسات تذكّرهم بالسلطات القمعية وأمام تحدّيات جمّة قد تعود بهم إلى نقطة الصفر.
المرزوقي الذي اعتبر إبان تسلمه السلطة أن "حرية التعبير هي ضمانة الديمقراطية"،  وأنها لن تكون "محّل بيع أو شراء في الدستور"،  بدا اليوم غير متيقّن من وجود ضمانات لذلك،  فهذه الحريات باتت "مستهدفة".

 

من جانبه،  قال الأمين العام لـ"حراك تونس الإرادة" عدنان منصر في صفحته على موقع فيسبوك إن "قرطاج (الرئاسة) والقصبة (رئاسة الحكومة) ضغطا بكل قواهما وبكل أساليب الاستبداد البغيض حتى لا يظهر الدكتور (المرزوقي) في الإعلام. يستهدفون حرية الإعلام ليخفوا عجزهم".

 

الضغوط ذاتها تحدّثت عنها قناة "التاسعة"،  التي قالت إن مسؤولَيْن في رئاسة الجمهورية  ورئاسة الحكومة مارسا ضغوطاً عليها لكي تمتنع عن بث الحوار،  داعية في بيان لها -نشرته صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك- المؤسستين إلى "توضيح مدى علمهما بهذه الضغوط التي مارسها بعض من تكلم باسمهما".

 

وقد ولَّدت هذه الضغوط  حالة من الصدمة،  عّبر عنها المذيع مكي هلال الذي أجرى الحوار مع المرزوقي بقوله في تدوينة على موقع فيسبوك :أنا "في غاية الإحباط! ليست هذه تونس الجديدة التي حلمت بها وعدت من أجلها".

 

في حين قالت نقابة الصحفيين التونسيين في بيان لها إنها تستنكر بشدة "كل تعد على حرية الصحافة"،  معربة عن استغرابها "صمت رئاسة الجمهورية وعدم إصدارها أي توضيح لما حدث".

 

وأكدت النقابة "عدم سماحها تحت أي ظرف بعودة منظومة الاستبداد التي قامت على تدجين الإعلام وتطويعه والتدخل في مضامينه"،  معلنة عن "تجنيد كل طاقاتها دفاعا عن حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام".

 


في المقابل
نفى نور الدين بن تيشة المستشار السياسي للرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في تعليقات أدلى بها لراديو موزاييك المحلي،  تعّرض القناة لأي ضغوط،  وتحدّى أي صحفي أو منتج من القناة أن يثبت أن الرئاسة ضغطت لمنع الحوار.

 

لكن هذه الرواية لم تقنع كثيراً  من ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي الذين كتبوا تحت وسوم بالعامية، معناها: (لن نعود إلى الوراء)  و(أطلقوا الإعلام) و(لم تفهمونا)،  منبهين إلى أن حرية الإعلام والتعبير مكسب لن يتراجعوا عنه.

 

ورأى عدد منهم أن هذه المعركة ليست من أجل المرزوقي،  بل من أجل الحرية  التي قامت من أجلها الثورة .

 

فهي كما معركة يقول المرزوقي إنها خيارهم الأوحد من أجل الدفاع عن "ديمقراطية يريدونها على قدر مصالحهم ونريدها على قدر مبادئنا".

 

كما كتب القيادي في حراك تونس الإرادة والنائب في البرلمان التونسي عماد الدائمي عبر صفحته الرسمية على “الفيسبوك” تدوينة جاء فيها “من لم يصدّق بعد أنّ عصابة المفسدين التي تسرّبت في غفلة من التونسيين الى مؤسسات الدولة بتزوير الإرادات وبالمال الفاسد للوبيات الفساد تريد اعادة منظومة الاستبداد والفساد التي ترعرعوا في بركتها الآسنة .. فها هو دليل جديد على ذلك ..

 

صدقوا او لا تصدقوا: وزراء ومستشارون و”وجهاء” يتصلون ويضغطون ويهددون حتى يمنعوا بث حوار تلفزي ..

 

أمر مثير للقرف والاستهزاء … حتى في القمع فاشلون .. يخبطون خبط عشواء بدون أدنى رؤية ويسوقون أنفسهم والبلاد مباشرة نحو النتوءات الأبرز من الحائط الأملس الذي أصبح أقرب جدا مما يتصورون ..

 

كنّا نحتقركم لأنكم فاشلون واليوم نحتقركم أكثر لأنكم جبناء ..

3 + 11 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد