الحريري انتحر سياسياً أم قلب الطاولة على خصومه؟
24 محرم 1438
منذر الأسعد

هل غامر رئيس وزراء لبنان السابق سعد الحريري بمستقبل الحريرية عندما استدار على نفسه بزاوية قدرها 180 درجة،ليعلن قبوله بترشيح  خصمه اللدود وأداة إيران: ميشيل عون رئيساً للبنان؟ أم أن الحريري باع أهل السنة في لبنان بلا مقابل وسلَّم رقابهم إلى عدوهم المجوسي، مثلما تتهمه رموز  سنية لبنانية؟

 

 

 

كفالة خامنئي بعد بشار
ما لم تقع مفاجأة من نوعٍ ما،فإن ميشيل عون سيصبح رئيساً للجمهورية اللبنانية في يوم الاثنين  المقبل (31/10/2016)..

والمفاجآت في السياسة اللبنانية لكثرتها وحدتها لا تفاجئ أحداً، لكن سياق الأحداث حتى اللحظة يشير إلى أن طريق عون إلى قصر بعبدا الرئاسي أصبح سالكاً..

 

هناك من يشكك انطلاقاً من قناعة لديه بأن حزب اللات يفضِّل الفراغ في منصب الرئاسة الأولى،وأن تظاهره بتأييد عون ليس سوى انتهازية لضمان لهاثه وراء إملاءات حزب السلاح الإيراني دون مناقشة.. وربما كان قراءة سعد الحريري مقتنعاً بهذه القراءة عندما أقدم على قفزته في المجهول،بالرغم مما قيل عن أن السعودية لا تؤيد انقلاب الحريري على نفسه ..

 

وكان الحريري أعلن مساء الخميس في مؤتمر أمام أنصاره ببيروت أنه قرر "تأييد ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية"، مضيفا أن القرار يأتي بعد التوافق مع عون على نقاط عدة، وهو "نابع من ضرورة حماية لبنان وحماية النظام وحماية الدولة وحماية الناس".

 

 

وبرر الحريري قراره -أو ما وصفه بتجرع "الكأس المرة"- بتجنيب لبنان الانهيار وإبعاده عن المخاطر وحمايته من انتقال "النيران" المجاورة إليه، قائلا إن "ما أقدم عليه هو تسوية سياسية بكل معنى الكلمة".
فماذا لو كان حسن زميرة جاداً في إيصال عون إلى الرئاسة؟

 

حاول الحريري طمأنة جمهوره إلى اتفاقه مع عون على نقاط أساسية مثل:تحييد لبنان فعلياً عن الحرب في سوريا،لكنه لم يقنع أحداً، فلا شيء يضمن صدق عون ولا قدرته على الوفاء بوعوده إذا كان صادقاً.. فهو سيكون مسماراً في يد نصر الله، الذي يبدو أنه يكمل بذلك نقل كفالة لبنان من وصاية العائلة الأسدية إلى قبضة الولي الفقيه،فالسوريون غادروا لبنان عسكرياً منذ 2005، وبشار نفسه أصبح الآن مجرد ورقة في يد طهران..

 

 

معارضة داخل البيت
فشل سعد الحريري في إقناع كبار أعوانه المخلصين في تيار المستقبل، بخطوته الانتحارية القبول برئاسة أشد النصارى عداء له ولعائلته ولأهل السنة عامة..
رئيس الحكومة الأسبق وقائد كتلة المستقبل في البرلمان فؤاد السنيورة، صدع برفضه انتخاب عون، مع بقائه عضداً للحريري.. وهذا وفاء شخصي من السنيورة لرفيق عمره الحريري الأب،وليس اقتناعاً بالمراهقة  السياسية التي ينتهجها الحريري الابن،والتي قد تدفن مشروع رفيق الحريري إلى الأبد.

 

 

والسنيورة ليس وحيداً، فهناك رموز أخرى من رجالات الصف الأول في تيار المستقبل،جاهروا برفضهم ترشيح عون،ومنهم النواب: الوزير السابق أحمد فتفت ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري وعمار حوري..
وأما أشرف ريفي وزير العدل المستقيل من الوزارة احتجاجاً على استسلام الحريري لهيمنة حسن زميرة،فقد أعلن أن سيقود مقاومة سلمية ضد انتخاب عون!!

 

 

وقد نفذ أنصار  ريفي اعتصاما نددوا خلاله بتبني زعيم تيار المستقبل سعد الحريري ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وقال ريفي للحشود أمام مكتبه في طرابلس إن وصول العماد ميشال عون إلى القصر الرئاسي في بعبدا أو أي "مرشح للنفوذ السوري" هو أمر مرفوض، معتبراً أن ذلك سيعرض لبنان لمزيد من الانقسامات وسيؤدي إلى اختطاف الدولة والمؤسسات وتسخيرها "لخدمة النفوذ الإيراني".
وأضاف "لقد خبرنا ما فعله حزب الله ومرشحه الرئاسي بالدولة وبالمؤسسات قتلا وشللا وغزوات لبيروت والجبل، ومحاولة لتعطيل المحكمة الدولية، وانتشارا للسلاح وسرايا السلاح، وما يسمى سرايا المقاومة".
واعتبر وزير العدل اللبناني المستقيل أن لبنان يمر بأصعب مرحلة منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري يوم 14 فبراير/شباط 2005، وأنه الآن أمام مفترق طرق، فإما أن يعود إلى المرحلة التي سبقت الاغتيال مع رئيس يشبه الرئيس الأسبق إميل لحود، الذي اعتبره مرشح وصاية السلاح الإيراني، وإما الانتصار للوطن كما حدث بعد الاغتيال لمنع تكرار المأساة، حسب تعبيره.
وأعلن ريفي في خطابه "المقاومة السلمية في وجه الوصاية الإيرانية على لبنان"، واعداً بالمحافظة على "الهوية اللبنانية والعروبة والعيش المشترك".

 

 

 

مزاد مرفوض
من الأصوات القوية التي صدعت برفض توجه الحريري الأخير، الشيخ  الدكتور عبد الرحمن دمشقية الذي رأى أن ترشيح سعد الحريري لميشال عون هو بمثابة بيع أهل السنة في لبنان في مزاد.
وأوضح الشيخ دمشقية في تغريدة على حسابه بموقع التدوينات المصغرة"تويتر" أن ترشيح  الحريري لعون يعني :

 

1- بيع أهل السنة في لبنان بالمزاد وإهانتهم بعدما وصفهم عون بالكلاب
2- تمكين المخطط الرافضي من احتواء لبنان".

 

وكان مثيراً للانتباه،أن دار الفتوى أصدرت تعليمات الى الخطباء وأئمة المساجد   بعدم التطرق في خطبة الجمعة الأخيرة الى الاستحقاق الرئاسي والخطوة الاخيرة للحريري لا من قريب ولا من بعيد!

 

ومن المفارقات أن تلتقي هذه المواقف الإسلامية المحتجة، مع تحليل عضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق "فارس سعيد" – النصراني!!-الذي شدد  على أنّ تأييد ترشيح ميشيل عون مخاطرة، وذلك لأسباب عددها في تغريدة عبر موقع "تويتر" وتضمنت:
١-أنه مكبل بشروط حزب الله
٢-يولد موجة اعتراض عارمة.
٣-يمثل غلبة فريق على آخر.
٤-عاجز عن انجاز مصالحة.

 

 

اعتراضات شيعية!!
أغرب هجوم تلقاه الحريري  على ترشيح عون، جاء من رئيس مجلس النواب الرافضي نبيه بري شريك حزب اللات في اختطاف لبنان لخدمة خامنئي وبشار!! واعتبر بري أنه ليس من حق عون والحريري إملاء إرادتهما على الآخرين..وهذا منتهى النفاق المعهود في القوم، فبري يعلم أن الحريري ركع لإملاءات حليف بري: حسن زميرة، فإذا كان جاداً في التصدي للإملاءات فليواجه نصر اللات  ولا يعرض عضلاته على الحريري المغلوب على أمره!!

 

 

هناك أصوات شيعية مناوئة لحزب اللات، تظن أن قرار الحريري بشأن عون بمثابة هزيمة لحزب الله بالضربة القاضية حيث خسرت “الشيعية السياسية” فرصة استثمار دماء 10 آلاف شاب شيعي، سقط نحو ربعهم في الحرب السورية، وأصيب الباقون بإعاقات متفاوتة. واستطاع الحريري، دون أن يكلّف الطائفة السنية قطرة دم واحدة، هو المفلس مالياً، والذي لم يدفع لأيّ من موظفيه قرشاً منذ أكثر من عام، استطاع، وبجدارة، أن يحافظ على “الطائف” لستّ سنوات آتية، على الأقلّ، إذا انتُخِبَ ميشال عون رئيساً. الطائف بما هو تسوية جعلت “السنّة” في لبنان الطرف الأقوى في النظام، بصلاحيات واسعة، مقابل تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، وترك رئيس مجلس النواب، تقريباً بلا صلاحيات تُذكر.
وبترشيح عون-حسب هذه الرؤية- أخذ سعد الحريري البلاد من انتصار شيعي يبحث عن ترسيخه في النظام والسلطة، إلى “صفقة” سنية – مارونية، استشعر الرئيس نبيه برّي خطرها باكراً جداً.

 

 

تفجير المسرح كله
    نشرت صحفية لبنانية تقريراً عن مبادرة الحريري بخصوص ترشيح عون،استهلتها بسؤال مهم قالت فيه:
مبادرة الحريري بإمكانها سدّ الفراغ الرئاسي الذي يهدّد لبنان، فهل سيملأ الفراغ قبل نهاية العام الحالي أم أنّ المبادرة ستنتهي كما سابقاتها مع تنفيذ مخطط تهديد أمني كما لوّحت صحف الممانعة؟

 

 

عشرة أيام فقط تفصل لبنان عن مرحلة جديدة في الحياة السياسية، إن تمّ انتخاب النائب ميشال عون أو لم ينتخب. فإن اكتمل النصاب ورجّحت أصوات صندوق الاقتراع العماد ميشال عون في الواحد والثلاثين من تشرين الثاني وتوّج رئيسًا بعد فراغ دام أكثر من سنتين، سيدخل لبنان مرحلة جديدة من خلط الأوراق والسجالات خصوصًا بين حلفاء الصف الواحد في الثامن من آذار بعدما اختلفوا في التوافق على اسم عون.

 

 

أمّا إذا تم تعطيل الجلسة القادمة، واستمرّ حزب الله بمقاطعة الجلسات الانتخابية، وهذة المرّة تحت ذريعة عدم التوافق بين برّي وعون، سيدخل لبنان مجددًا في دائرة المراوحة والتعطيل، ممّا سيخلق أزمة بين حزب الله وحليفه الوفي ميشال عون، أو بمعنى آخر ازمة شيعية – مسيحية، سيكون لها آثارها السلبية على الوضعين السياسي والاجتماعي العام في البلد.

 

 

وآخر عقبات تعطيل جلسة 31/10 هو العودة مجددًا إلى نقطة الصفر، فمن سيكون المرشح الخامس المفترض للجمهورية، وما هو شكل الرئيس ومواصفاته، ومن سيتولى اخراج لبنان من هذا الفراغ القاتل؟

 

 

أمّا السيناريو الأكثر خطورة والذي ألمحت إليه الصحف التي تدور في فلك حزب الله هو تفجير أمني يطيح بالاستحقاق الرئاسي وبالاستقرار النسبي، حيث أوضحت مصادر صحيفة «الديار» يوم أمس أنه «لا يمكن الجزم بحصول الاستحقاق الرئاسي مع التسريبات والخشية من حدث امني قد يعطل الاستحقاق عبر تحركات على الارض ينتج منها احداث دموية أو عملية اغتيال تؤثر في الاستقرار اللبناني برمته»، لافتة إلى «استحالة حصول الاستحقاق الرئاسي في ظل الكباش الكبير في المنطقة ولبنان ليس خارجه مطلقاً».

 

 

كذلك دعت «السفير» اليوم إلى أن «تكون العيون مفتوحة على الأمن في هذه الأيام العشرة الفاصلة عن جلسة الانتخاب». وقالت في ختام افتتاحيتها «كل التجارب تشي بأن مسارات كهذه لم تنكسر إلا بالأمن».

 

 

ولكن كيف يمكن قراءة هذه التسريبات والتحذيرات، أهي رسائل تهديدية، أم إنّه سيناريو تسعى جهة ما إلى تنفيذه ؟

 

 

وتساؤلات الصحفية في محلها تماماً،فما زال اللبنانيون -والسوريون!!-يذكرون أن المقبور حافظ الأسد في سنة 1989م اختار رينيه معوض ليكون أول رئيس للبنان بعد اتفاق الطائف،ثم قامت مخابرات العصابة الأسدية بتفجير موكب معوض بعد 17 يوماً من تسلمه منصبه !!

 

 

وقد وقع  الانفجار الذي استهدف موكب الرئيس معوض في منطقة تابعة لمركز المخابرات السورية – مفرزة الحمراء، والنقيب السوري جهاد صفتلي كان من عديد هذا المركز.. كما ان الرائد جامع جامع كان في طليعة الموكب ومتقدماً 150 متراً عنه، وهو نفسه من كان يوجه الموكب عند وقوع الانفجار الذي استهدف موكب الرئيس معوض قرب ثانوية رمل الظريف، كان الرائد جامع جامع قد وصل الى محاذاة منزل الرئيس سليم الحص، فتابع سيره وكأن شيئاً لم يكن رغم ضخامة الانفجار ،فلما  وصل الى المقر الرئاسي، سُئل عن مصير الرئيس معوض فأجاب الرائد جامع جامع: لا أعرف!

2 + 12 =