تفجيرات الدستور التركي
12 ربيع الأول 1438
أمير سعيد

بالنظام البرلماني تم إسقاط الخلافة العثمانية بعد صدور الدستور العثماني (المشروطية الثانية)  في العام 1908 م، وتم الحد من سلطات السلطان عبدالحميد الثاني، ومُهد لعزله بعد "عملية إرهابية" جرت أعمال عنف، حُمل السلطان المسؤولية عنها.

 

وللنظام البرلماني أثرته لدى النظام العلماني الذي أقيم منذ قرن ونيف، أثناء حكم السلطان المهمش عبدالحميد وما تلاه من انقلابات بدأها حزب الاتحاد والترقي وتواصى من بعد عليها "الشعب الجمهوري" كغطاء لنظام عسكري فاشي يتدثر بالبرلمانية ويتخذها ردءًا عن أي انتقاد.

 

النظام البرلماني من شأنه أن يكون ضعيفاً، عرضة لتدخلات اللوبيات المتنفذة في إدارة العملية الانتخابية بالمال والنفوذ، ولهذا ارتضته الصهيونية العالمية لكثير من الدول، ومنها في الشرق تركيا، ولقد نفذ الاتحاد والترقي ما طلب منه، وظل "أميناً" على العلمانية المستوردة حتى سلمها للشعب الجمهوري الذي حافظ أيضاً على تلك "الأمانة"، متمتعاً بحماية دستورية ظلت تشدد على "علمانية تركيا".

 

الآن، يُسمي الغرب أردوغان بـ"السلطان"، وهم لا يريدون له أن يعود عن هذه "المشروطية" التي فرضها الاتحاد والترقي قبل قرن ونيف حين كان يحكم الدولة العثمانية في أواخر عهدها من خلف ستار.. باختصار لا يريدون أن تتحول تركيا إلى نظام رئاسي ينتقص من أطراف العلمانية ويقوي صلاحيات ونفوذ الرئيس (السلطان كما يسمونه).

 

هذا باختصار  المناخ الذي فجر فيه انتحاري نفسه ليحصد أرواح نحو أربعين بريئاً حرام الدم في اسطنبول، ويجرح أربعة أضعافهم؛ فهذا الأداة سواء أكان يسارياً أم خارجياً ينفذ ما سبق أن وضع على طاولة الانقلابيين الدوليين على سلطة العدالة والتنمية التركي، حيث "يمكن ربط الموجة الحالية من عمليات الإرهاب المستهدفة مدنيين وعسكريين، بالمحطة القادمة المتعلقة إما بتغيير الدستور كلياً أو تغيير ما يتعلق منه بوضع رئيس الجمهورية وصلاحياته، وتحويل النظام التركي إلى نظام رئاسي" [مقال: المراد من تسميم الوضع الأمني في تركيا يونيو الماضي].

 

ليس ثمة شك في علاقة وثيقة بين الإرهاب في تركيا، ودلائل هذا أكثر من أن تحصى، ولعل "أطرف" تلك الدلائل هو توقف الإرهاب لأسابيع في أعقاب فشل الانقلاب في يوليو الماضي ولمدة عدة أسابيع، تظاهر فيها مئات الآلاف من الأتراك آمنين من مفاجآته التي لم تكن معدة لسيناريو فشل الانقلاب، لكنه عاود مجدداً بعد أن التقط أنفاسه على إثر اضطراب كبير له (العجيب أن كلا التنظيمين الإرهابيين الأبرز بي كي كي قد أحجحما معاً في لحظة واحدة عن الإرهاب في فترة الاضطراب ما بعد الانقلاب مباشرة ثم بدءا يستأنفان معاً!).

 

التفسير  إن كان مهماً لما يحصل، لكن الأكثر أهمية منه هو الالتفات إلى أمور جوهرية تتعلق بالتفجيرات الأخيرة، والتفجيرات التي يتوقع أن تأتي لاحقاً وبوتيرة أعلى في محاولة لإيقاف إقرار الدستور.

 

نضع أنفسنا في مناخ التفجير:

 

-    معلومات عن احتمال استهداف التفجير للرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه، حيث مر موكبه بمحازاة موقع التفجير قبل وقوعه بربع ساعة فقط.

 

-    التفجير أدى لمقتل عشرات من قوات مكافحة الشغب، وهي بالمناسبة كان لها دور كبير في إحباط الانقلاب، ويبدو أن الانفجار استهدفها تقصداً من خلال السيارة المفخخة.

 

-    التفجيرات لم تستهدف فقط إيقاع خسائر بشرية؛ فموقعها الاستراتيجي يستهدف السياحة والاستثمار أيضاً.

 

-    التفجيرات أتت في أعقاب ما سُمي بالثورة النقدية (أو ثورة الليرة) التي نجحت في الحد من آثار الضربة الاقتصادية التي تعرضت لها تركيا بسبب المضاربات الغربية في العملة، والتي عمد فيها الغرب إلى سحب 5 مليارات دولار من البنوك التجارية في اسطنبول وأنقرة ما جعل الليرة التركية تخسر 0.3% من قيمتها في يوم واحد مواصلة انخفاض بلغ نحو  10% من قيمتها الشهر الماضي، لكن بسبب حملة أردوغان لتحويل العملات الأجنبية إلى ليرة تركية فقد نجحت الحملة في تحقيق الليرة مكسباً على الدولار بنسبة 04% في يوم واحد فقط.

 

لكن يعنينا أكثر من هذا على أهميته البالغة، هذين الخبرين:
-    تسلم رئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرمان، مقترح التعديل الدستوري الخاص بالانتقال للنظام الرئاسي
-    كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري قال أن حزبه لا يعترف بالاستفتاء المحتمل فيما يخص الدستور الجديد والنظام الرئاسي، حتى وإن بلغت نسبة التصويت 98 % لصالح الدستور الجديد.

 

هذان الخبران للمفارقة كانا في نفس يوم التفجيرات، وهما يعنيان أن الاستفتاء على الدستور الجديد يوشك أن يدخل حيز التنفيذ لاسيما أنه يحظى بأغلبية في البرلمان  يمكن أن تجعله يقر دون الحاجة إلى استفتاء شعبي، وفي أسوأ الأحوال سيصار إلى استفتاء لا يتوقع إلا أن يقود إلى إقراره شعبياً، ومن ثم من أردوغان ولمدة طويلة صلاحيات تمكنه من تنفيذ سياسات أكثر جرأة وانطلاقاً.  أو لنترجمه بلغة غربية "سيمكن هذا الدستور من المضي قدماً  في عملية أسلمة النظام التركي، وهذا أخطر ما في حقبة العدالة والتنمية الحالية".

 

لا ينظر الغرب للدساتير كنظرة الشعوب العربية – مثلنا -  فهو يقدر قيمتها جيداً، ولعل كثيرين لم يلتفتوا إلى أن أحد أهم أسباب انقلاباته الأخيرة كان الحفاظ على علمانية صبغ بها بلداننا رغماً عناً، بل منذ انقلاباته الأولى، يوم أسقط السلطان عبدالحميد بالمشروطية (الدستور). لهذا سترونه يقاتل من أجل إيقاف تعديل الدستور التركي في قادم الأيام. . أولم تروا إلى الأمريكيين والروس كيف لم يتفقوا في سوريا على شيء سوى "التزامهم بدستور علماني لسوريا" قبل عام؟!  لا يرى هؤلاء لنا حقاً في وضع دساتيرنا أو إقرارها، شأنهم شأن كمال كليجدار أوغلو الذي قالها فاقعة: "لا حق للشعب في وضع دستوره ولو بغالبية 98%" أو بعبارة أوضح: نحن وحدنا عملاء الغرب من يحق لنا وضع الدساتير للمسلمين عموماً وللأتراك خصوصاً!

 

3 + 5 =