إيران.. العيون على حلب والاختراق في إندونيسيا
26 ربيع الأول 1438
أمير سعيد

فيما العيون شاخصة باتجاه حلب، والأحبار تسيل في إدانة وتحليل ورصد دور الميليشيات الإيرانية في احتلال حلب الشهباء، كانت طهران تقوم بلعبة أخرى في تمزيق العالم الإسلامي، وشحنه بالأحقاد والطائفية وإشغاله بذاته في اتجاه آخر تماماً.

 

وإذ تجيد إيران عملية تجسير نفوذها في العالم الإسلامي على أرضيات مختلفة، سبق بسطها في دراسات سابقة، فرشت قريحة الرئيس الإيراني هذه الأرضية للعلاقات مع البلد الإسلامي الأكبر في العالم، فقال روحاني خلال زيارة له مؤخراً لإندونيسيا: "نولی أهمیة للعلاقات بین إیران وإندونیسیا باعتبارها البلد الإسلامي المهم فی شرق آسیا والجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة البلد المهم فی غرب آسیا". وعندما كانت الميليشيات الإيرانية والعراقية وكل شذاذ الأرض باسم إيران يلاحقون مدنيي حلب منتصف هذا الشهر، كان روحاني ونظیره الإندونیسی جوكو ویدودو يوقعان عدة اتفاقات أبرزها، من خلف ستار الاقتصاد، الاتفاقية الخاصة بالعلاقات الثقافية بين البلدين، وفيها أنه "نظرا لاعتماد البلدین نهج الإسلام المعتدل، ونبذهما لأی تطرف وعنف، تشكیل لجنة العلاقات بین علماء الدین فی البلدین ومتابعة القضایا الثقافیة".

 

الاختراق الإيراني (الطائفي) لإندونيسيا معلوم منذ مدة، وعليه أدلة دامغة فيما يخص الجانب التعليمي الجامعي وغيره، وقد أفاضت في رصده دراسات متنوعة، ومن جهات لا يمكن تواطئها على الكذب أو المبالغة، لكن هذه الجولة من الاختراق لها مغزاها ولونها المتميز، والطريقة التي مضت إليها تلفت النظر كثيراً.

 

تنسحب شركة شيفرون عملاقة الطاقة الأمريكية من إندونيسيا وتصفي استثماراتها، وبالتزامن توقع طهران وجاكرتا اتفاقية للطاقة تتعهد فيها إيران بسد احتیاجات إندونیسیا فی مجال النفط الخام ومكثفات الغاز والبتروكیماویات وباقی مجالات الطاقة، وفي الخلفية يتم الاتفاق – بحسب روحاني – على "تعزیز التعاون فی مجال القضایا والمشاكل التی یعانی منها العالم الإسلامی لاسیما فی الیمن وسوریا ومیانمار ودعم الأمن والاستقرار فی المنطقة"، وهو ما يعني أن إيران قد تجد دعماً لوجهة نظرها في قضيتي اليمن وسوريا من إندونيسيا، وهذه استدارة دولية مهمة بكل تأكيد في هذه المنطقة من العالم التي كثيراً ما وجدت تعاطفاً كبيراً مع القضايا الإسلامية، ومنها القضيتين السورية والفلسطينية.

 

إيران تضرب بيد فولاذية في مناطق السنة في العراق وسوريا، وفي الأفق تزحف بنعومة حية لتغير التركيبة الدينية في أكبر دولة إسلامية في العالم، وفي القلب لا تتحرك الدول الإسلامية المؤثرة بما فيه الكفاية لوقف هذا الزحف الناعم.

 

فيما سُمي بعقيدة أوباما في حواره وانطباعات المقربين منه من خلال سلسلة مقابلات للصحافي الأميركي جيفري غولدبرغ والتي نشرتها دورية ذي اتلانتيك الأمريكية،  جاء أنه في لقاء مع رئيس حكومة استراليا مالكوم ترنبول "وصف أوباما كيف انتقلت إندونيسيا، التي عاش فيها أربع سنوات في صغره، تدريجيا من إسلام مرتاح معتدل إلى تبني تفسيرات متطرفة وغير متسامحة، دلل على بعضها بملاحظة أوباما، حسب غولدبرغ، أن "أعدادا كبيرة من النساء الإندونيسيات صرن يلبسن الحجاب"! وعندما سأل المسؤول الأسترالي لماذا يحدث ذلك؟ أجاب أوباما أن "السعوديين وعرب الخليج يصبون المال، ويرسلون أعدادا كبيرة من الأئمة والمعلمين إلى إندونيسيا، وأنه "في التسعينات، مول السعوديون بكثافة مدراس وهابية تدرس الصيغة المتطرفة من الإسلام" يعتقد أوباما – والكلام يبقى لغولدبرغ - أصبح "الإسلام في إندونيسيا أكثر عروبة في توجهه مما كان عليه يوم كنت أعيش هنا"!

 

ولكيلا تصبح إندونيسيا "وهابية"، ولكيلا يلبس نساؤها الحجاب فيصبحن "أكثر تطرفاً"، ولكيلا تصبح إندونيسيا "أكثر عروبة"، ولكي يمنع السعوديون و"عرب الخليج" من أن "يصبوا المال" هناك ويبعثوا بالأئمة، مُهِّد الطريق لـ "عجم الخليج" لأن "يصبوا المال" دون تعقيدات ولا رقابات مالية من أجل أن تصبح إندونيسيا خارج حسابات المسلمين.. أن تصبح طائفية تحمل فكر وعقيدة إيران الضاليْن المناهضين لسبيل المؤمنين.

 

عقيدة أوباما تجد تجسيداً في حركة روحاني واتفاقاته، وتجد تجسيداً في تقييد حركة كل مصلح وداعٍ لطريق التوحيد الخالص والعبادة الصحيحة والشريعة السمحاء.. كنا ننظر هنا، وكانوا ينظرون هنا وهناك.. وإذ نبطئ يتحركون، ولو ظفروا – لا قدر الله – بإندونيسيا؛ فسيتغير وجه العالم الإسلامي كله.. المسألة لا تدور حول عدة اتفاقات اقتصادية بل تغيير خرائط، وليتها سياسية أو جغرافية.. بل خريطة أمة الدين الخالد.

 

2 + 3 =