استهداف "وادي بردى" وشبح التهجير
26 ربيع الأول 1438
د. زياد الشامي

يلوح شبح التهجير القسري لسكان مدن وبلدات ريف دمشق عموما وقرى "وادي بردى" على وجه الخصوص في هذه الأيام , وذلك بعد  تكثيف النظام النصيري من قصفه المتواصل لبلدة عين الفيجية وبسيمة وغيرها من القرى الــ 11 التي يسيطر عليها الثوار بالوادي , ما تسبب في استشهاد 14 مدنيا وجرح العشرات وإلحاق أضرار مادية كبيرة بالمنشآت العامة والخاصة حسب ما أعلن الدفاع المدني هناك .

 

 

وكعادة النظام النصيري و أعوانه الرافضة والروس في نقض العهود و خرق الاتفاقيات والهدن , فقد كرر الشيء نفسه مع منطقة وادي بردى التي كانت تخضع  لهدنة مع النظام مقابل فتح خط بردى ومياه نبع الفيجة الذي يغذي الكثير من أحياء دمشق بماء الشرب .

 

 

التصعيد العسكري الذي يشنه طاغية الشام بكافة أنواع الأسلحة والقذائف على المنطقة منذ أيام , واستهدافه نبع عين الفيجة الاستراتيجي بالبراميل والصواريخ الفراغية وقذائف المدفعية الثقيلة ، الأمر الذي أدى لتلوث مياه النبع بالمازوت والزيت والبنزين وكمية كبيرة من الكلور عند انفجار المضخات واختلاط المواد من داخل المضخات والمولدات مع مياه النبع , وتسبب في خروج النبع - الذي كان يغذي معظم أحياء دمشق وريفها بالماء لمئات السنين - عن الخدمة بشكل كامل .....يشير بوضوح إلى نية النظام استنساخ تجربة ما حدث في قدسيا والهامة و من قبلها داريا والمعضمية في وادي بردى , وإجبار أهالي المنطقة على الرضوخ لما يسمى "التسوية" التي هي في الحقيقة وثيقة إذعان وتخيير الناس بين الموت والتهجير ليس إلا .

 

 

لا تقتصر أهمية منطقة وادي بردى بكونها تقع على مقربة من غرب العاصمة دمشق , إذ لا تبعد عنها سوى 15 كم فقط , ولا لمجرد كونها تتصل بشكل مباشر مع منطقة مضايا و الزبداني الاستراتيجية عبر بلدتي بسيمة وعين الفيجة , ناهيك عن وجود نبع الفيجة الحيوي فيها , وطبيعتها الجغرافية الجبلية المرتفعة التي تشرف على العاصمة وتحيط بها كإحاطة السوار بالمعصم , ووقوعها بين منطقة الدريج مركز ما يسمى "قوات الحرس الجمهوري" , والديماس التي تعج بمراكز التدريب العسكري للنظام النصيري .....

 

 

بل تزداد أهمية هذه المنطقة إذا علمنا أن جميع أهالي المنطقة من أهل السنة تحديدا , وهي منطقة سياحية بامتياز , وتمتاز بحرص أصحاب المطاعم فيها والأماكن السياحية على الالتزام الديني , إذ لا تقدم تلك المطاعم أيا من المحرمات في دين الله تعالى في المأكل أو المشرب , بل تشتهر المنطقة بالمحاظة على أوامر الدين الحنيف , ولذلك لا يقصدها إلا الملتزمون من سكان دمشق في فصل الصيف وفي أيام الاجازات والمناسبات , ولعل هذا السبب ما دفع النظام النصيري قبل الثورة لإهمال المنطقة خدميا , في مقابل اهتمامه الشديد بالأماكن السياحية الأخرى غير الملتزمة إسلاميا .

 

 

حاصر النظام هذه المنطقة أكثر من مرة , إلا أن وجود عين الفيجة تحت يد الثوار , وانشغاله في الكثير من المعارك في حلب وغيرها ... هو ما اضطره لمهادنة الثوار والقبول بإطلاق بعض المعتقلين والمعتقلات من سجونه وعدم الاستمرار في حصار المنطقة مقابل السماح باستمرار تدفق المياه من نبع عين الفيجة إلى أحياء دمشق .

 

 

أما وقد انتهى النظام النصيري من تسليم شرق حلب للاحتلال الروسي والرافضي بعد تهجير أهلها منها منذ أيام , وأجبر أهالي الهامة وقدسيا سابقا - والتي تقع على طريق وادي بردى - على قبول تسويته المزعومة , فقد حان الوقت على ما يبدو للالتفات إلى منطقة الوادي الاستراتيجية , لاستكمال الهيمنة على طريق غرب دمشق , ومتابعة عملية التهجير الممنهج لإهلها , تمهيدا لتسليمها أيضا لملالي قم لتأمين الطريق من عاصمة الروافض طهران مرورا بالعراق إلى سورية عبر غرب دمشق إلى الزبداني فلبنان .

 

 

كل المؤشرات تشير إلى ذلك : سواء منها القصف العشوائي المكثف , أو التعزيزات العسكرية الإضافية التي وصلت منطقة وادي بردى وتعج بمقاتلين من حزب اللات اللبناني والمليشيات الرافضية , أو بنود وثيقة الإذعان التي أعدها النظام مسبقا تحت مسمى "التسوية" .

 

 

وعلى الرغم من أن التسوية قد لا تشمل في العلن خروج جميع المدنيين من المنطقة وتهجيرهم , والاكتفاء باشتراط خروج االثوار المقاتلين فقط  إلى إدلب شمالا , إلا أن بند ما يسمى "تسوية أوضاع المنشقين والمتخلفين عن خدمة العلم" , والذي يعني عمليا تجنيد كل رجال المنطقة احتياطيا أو إجباريا حتى سن الــ50 عاما في صفوف النظام , وزجهم في خط المواجهة الأول ضد إخوانهم في مناطق أخرى , وهو ما سيدفعهم دفعا إلى قبول الخروج من ديارهم لتفادي هذا الخيار .

 

 

وإذا أضفنا إلى ذلك عدم الوثوق كليا بأي وعد او عهد أو بند يوقعه أو يقطعه طاغية الشام للثوار والمدنيين ضمن أي تسوية او اتفاق , نظرا لسجله الحافل بالغدر ونقض الاتفاقات الموقعة سابقا - لعل آخرها نقضه لاتفاق التل حيث دخلت قواته المدينة واعتقلت الكثير من الشباب رغم وجود بند في الاتفاق يمنع من ذلك – فإن خروج جميع سكان منطقة وادي بردى و الذي يقدر عددهم بحوالي 130 ألف نسمة - أو معظمهم على الأقل - سيكون هو الأرجح في أي اتفاق تسوية يتم بعد هذه الحملة الشرسة .

 

 

قد يكون تزامن الحملة الشرسة على وادي بردى مع المبادرة التي أطلقتها الهيئات المدنية والطبية والإغاثية ببلدتي مضايا والزبداني في ريف دمشق للخروج من الحصار الخانق المفروض عليهما  والمؤلفة من أربع نقاط هي : الحفاظ على وقف إطلاق النار , وخروجَ المدنيين الذين يودون ذلك للجهة التي يريدونها ، وحفظ أمن من لا يرغب الخروج ، وعودة قوات النظام للمواقع والثكنات التي كانت فيها قبل عام 2011م في الزبداني ومضايا ، وعودة أهالي البلدتين إلى ديارهم وتفعيل مؤسسات الدولة ....يشير بوضوح إلى أهداف هذه الحملة المتمثل بــ : إجبار ثوار الوادي على القبول بخروجهم جميعا من مسقط رأسهم وآبائهم وأجدادهم .

 

 

شبح التهجير الذي يلوح في الأفق وراء العملية العسكرية الذي يشنها النظام النصيري ومليشيا حزب اللات على وادي بردى أشار إليها المنسق العام لفصائل الثورة السورية عبد المنعم زين الدين الذي غرد على حسابه على "تويتر" قائلا : لليوم الرابع تتواصل هجمة مليشيات الفسد وحزبالة على أهلنا وثوارنا في #وادي_بردى متفاخرين بقصفهم بالبراميل وصواريخ الفيل، بغية تهجيرهم قسريآ.

 

 

و في تغريدة أخرى قال زين الدين : "يحاول خنازير حزب الشيطان السيطرة على #وادي_بردى لتكتمل عندهم السيطرة الحدودية، وعميلهم ذيل الكلب يقدم لهم الدعم، ليهجر أهل البلد، كأقذر عميل" .

 

المنسق العام لفصائل الثوار حذر من الرضوخ لما يسمى "هدن النظام ومصالحاته المخزية : "يساقون بإذلال، وتقيد أسماؤهم، وأرقام سلاحهم، تحت اسم:(مصالحة) كي يحملوهم ذات السلاح من جديد لقتال إخوانهم، ويحاكموهم لاحقآ عندما يتفرغون لهم .

 

وأضاف : لا مصالحة مع من انتهك أعراضكم، وقتل إخوانكم، ودمر بيوتكم، ومن يدعو لها من لجان التشبيح في البلدات المهادنة، فعرضه رخيص عليه، ولا كرامة عنده.

 

وفي سلسلة تغريدات أخرى حذر زين الدين من نشر مشاعر الإحباط , داعيا الثوار إلى دعم صمود أهل الوادي وإشعال جبهاتهم الخامدة :

  1. للأسف بعض الإعلاميين والسياسيين المحسوبين على الثورة يخشى أن ينشر عن صمود الثوار في #وادي_بردى كي لا يخرج بالخجلة كون المعركة بنظره محسومة/١
  2. يافرحة عدونا بهكذا معارضة وسياسيين لم يصدر عنهم كلمة واحدة تحذر من تهجير أهالي #وادي_بردى بل بعضهم صدر عنه ما يثبط ثوارها وأبطالها الشجعان/٢
  3. الواجب أن ندعم صمود ثوارنا، وألا نترك أرضنا رخيصة للعدو، حتى لو لم يبق لدينا إلا شبر ألا نسلمه دون أن نبذل دونه الروح، ونمنع المحتل منه./٣
  4. تحية عالية إلى ثوار #وادي_بردى في ظل صمت المحبطين، تحية إلى جباهكم النيرة، وعزائمكم الصلبة، دافعوا بشرف عن قراكم ضد المحتل الطائفي المتربص/٤
  5. وإلى المراهنين على هدن لن تتم، أشعلوا جبهاتكم فهي خياركم للشرف، وانفضوا غبار الوهن والاحباط فهو لا يأتي بخير، فعدونا لا يوقفه إلا مهاجمته/٥

 

15 + 2 =
د. عمر بن عبد الله المقبل
د. عمر بن عبد الله المقبل