أميركا بين مزاجٍ ماضٍ في بناء دول ومزاجٍ راهٍن في تفتيتها
5 ربيع الثاني 1438
دـ أحمد موفق زيدان

مطلع الستينيات وحين زار الملك الأفغاني محمد ظاهر شاه أميركا والتقى برئيسها الشاب يومها جون كيندي، لاحظ الأخير إعجاب الملك الأفغاني بنيويورك وشوارعها فسأله إلى ماذا تنظر قال أنظر إلى ذلك اليوم الذي تصبح فيه كابول كنيويورك، فقال له كيندي سأساعدك على ذلك، ومن يومها وقعت بلديتا المدينتين اتفاق توأمة فيما بينهما وساعدت نيويورك على تحديث كابول وقفزت الأخيرة في أشهر معدودة سنوات تنمية حقيقية، حتى كان الباكستانيون يقومون بزيارتها ويصفونها بباريس الشرق...

 

 

هكذا كان المزاج الأميركي يومها، حين كان يمشي الأميركي في العالم العربي والإسلامي لا يخشى أحداً ليأتي اليوم الذي قلما نعثر فيه على عدم تحذير رسمي أميركي لرعاياهم من التحرك بهذه المدينة أو تلك، السبب أجاب عنه أخيراً الرئيس الأميركي المغادر من السلطة  باراك أوباما في حديث نقلته النيويورك تايمز" لم نعد في مزاج بناء الدول."

 

 

أوباما وصف حرب العراق بالحرب السيئة بينما وصف الحرب الأفغانية بالحرب الجيدة، ولكن الحرب السيئة التي أراد التخلص منها تماماً، لاحقه شبحها حتى أرغمته على العودة لكن من شبابيك أخرى، أما الحرب الأفغانية التي وصفها بالحرب الجيدة فقد واصل الاستثمار بها، ويوم أعلن عن الانسحاب منها، عاد وأبقى على آلاف من قواته بسبب اشتداد الحرب الطالبانية على الحكومة الأفغانية..

 

 

اليوم يغادر أوباما الحكم وقد دمر ما لم يستطع أحد من رؤوساء أميركا تدميره، فقد عمّق الدمار والخراب في العراق بإطلاق أيدي الصفويين فيه، ودمر سوريا بذرائع وحجج واهية، وهو الذي وضع الخطوط الحمر ثم ابتلعها، ومنع كل أصدقاء الشعب السوري من تزويد المقاومة في سوريا بأسلحة متطورة تمنع القتل والتدمير لبلدهم، ولم يكتف أوباما بالسماح لإيران ومليشياتها الطائفية بالعبث والتدمير، وإنما راح يسمح لروسيا ووفر لها غطاءاً دولياً من أجل أن تعيث خراباً ودماراً في سوريا، وسط انسحاب أميركي غير مسبوق من  المنطقة، والأنكى من ذلك كله توجه إلى التورط الفاضح في تدبير انقلاب عسكري ضد حكومة منتخبة من المفترض أن تكون حليفة له في تركيا، وقد كشف عن ذلك الرئيس المنتخب دونالد ترمب الذي غرّد بتغريدة تحدث فيها عن علمه بتورط 13 من ضباط المخابرات الأميركية في انقلاب تركيا..

 

 

منذ عقود ونحن نسمع من مراكز الدراسات والبحث الأميركية والغربية بشكل عام أن سبب الإرهاب وجذره هو ضعف الدولة وبنيتها وعدم التشارك في السلطة، لنجد اليوم اصطفاف أميركا مع الاستبداد العربي في دول الربيع العربي وتحديداً في الشام والعراق وليبيا، مما وفّر الأرضية الخصبة للإرهاب، ولا تزال أميركا مصرة على معالجة العرض وليس المرض، ولا تزال تصم آذانها عن حديث العقلاء الذين يدعونها للاستماع لرأي الشعوب، بدل الاستماع للاستبداد والاحتلال ومعه، للتكتيك وليس الاستراتيجيا..

 

 

سيذكر التاريخ أوباما على أنه صاحب غرفة التوقيع عن قرارات الطائرات بلا طيار، ومع كل ضربة طائرة بلا طيار لما يوصف وينعت بالإرهاب والإرهابيين يتولد معها عشرات الإرهابيين، هذا ما حصل في اليمن وباكستان ويحصل اليوم في سوريا وغيرها، فقد أتقن الأميركيون معالجة العرض لا المرض، وأتقنوا الاهتمام بالتكتيك وليس الاستراتيجيا، بعد أن تم تسييس الإرهاب والحرب عليه..

 

 

لا تزال كلمة الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية ترنّ في أذني  حين قال للأميركيين قبل موته :" أنتم لتحلّوا مشكلة تخلقوا مشكلتين" وهو ما حصل في كل بقعة عربية وإسلامية سعوا إلى التدخل فيها ..

 

17 + 1 =

تكثر الكتابات والتعليقات والتحليلات في كل مرة تُجرى فيها انتخابات الرئاسة الأمريكية، لكن وصول أول رئيس أسود في تاريخ هذا البلد إلى مقعد الرئاسة فيه استحوذ على اهتمام كبير وأعطى مادة خصبة للكتابة مما جعل هذه الكتابات تتضخم تضخماً ملحوظاً.