العلاقات الخليجية التركية.. التقاء الأخوة والضرورة أيضاً
20 جمادى الأول 1438
أمير سعيد

بعد فترة جزر طويلة امتدت لنحو قرن كامل، تحول الانحسار التركي (العثماني) من الخليج العربي الذي شهدته بدايات القرن الماضي، واستمر مع النظام العلماني الذي أسسه مصطفى كمال، بدأت العلاقات التركية الخليجية تعيش مداً وانتعاشاً مع سياسة حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الانفتاحية على دول الإقليم، ومنها دول الخليج العربي.

 

هذه السياسة المدفوعة برغبة تطوير العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج، حفزتها في الأعوام الأخيرة عوامل أخرى كثيرة ساهمت في تقريب الطرفين بعضهما من بعض، حتى غدت حجم الأعمال المتداولة والمستثمرة والمتبادلة عشرات المليارات بين الجانبين.

 

غير أن ما يحفز في الماضي من أسباب تتعلق بمناخات الاستثمار، والمصالح المتبادلة، زادت الحاجة إليه مؤخراً مع تطورات استراتيجية كبيرة طرأت على المنطقة، وجعلت من تطوير هذه العلاقة الاقتصادية ضرورة أكثر منها مجرد مصالح اقتصادية طبيعية؛ فمتغيرات الوقت الراهن تستدعي تقارباً بين دول الخليج وتركيا على أكثر من صعيد، أبرزها الصعيدين الاقتصادي والعسكري.

 

تركيا، من جهتها، وهي تعتمد سياسة "تصفير المشاكل" قد أفسحت المجال لتعاون أكبر مع دول الخليج، وفي إطار حرصها على تنويع استثماراتها جسرت علاقاتها بدول الخليج كلها تقريباً، لكن وتيرة هذا التطوير زادت بعد ظروف اضطرارية عمت المنطقة، من أبرزها لدى الجانب التركي أحوال ما بعد الانقلاب الفاشل الذي حصل في شهر يوليو الماضي.

 

أنقرة وجدت نفسها مرغمة على مضاعفة حجم تبادلها التجاري واستثماراتها مع دول الخليج في أعقاب ما تعتبره الحكومة التركية "مؤامرة" استهدفت اقتصادها بعد عملية استهدفت سحب شركات ورجال أعمال غربيين ما يقارب 10 مليارات دولار من السوق التركي، ما هبط بالليرة التركية لمستويات قياسية، وهو ما استدعى تدخلات جذرية من الحكومة التركية، للحؤول دون تراجع الاقتصاد التركي، منها تشجيع رجال الأعمال الخليجيين على الاستثمار في تركيا، وتهيئة الظروف لإقامة شركات تركية مشروعات عملاقة في دول الخليج العربي.

 

عواصم الخليج من جهتها، تجد نفسها مضطرة أيضاً إلى تطوير هذه العلاقة مع الأتراك لأكثر من سبب، وهي التي تعرضت بدورها لـ"مؤامرة" تخفيض أسعار النفط، ومخططات غربية لـ"إفقار دول الخليج عمداً"، من بينها قلق الخليجيين من تداعيات قانون "جاستا" الجائر، وما يستتبعه من إجراءات أمريكية في إطار ما يدعوه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "دفع دول الخليج ثمن حمايتنا لهم"!

 

في فورة النفط، اتجه الخليجيون إلى الاستثمار الريعي أكثر في الولايات المتحدة وآسيا، لكنهم ومنذ سنوات شرعوا في تغيير وجهتهم، ومؤخراً آثروا الاتجاه إلى الاستثمار التنموي الآمن والاستراتيجي، ولو كان أقل ربحاً. وجهة مثل تركيا تعتبر بيئة مناسبة لمثل هذا الاقتصاد. ووجهة تشاركية مع الأتراك تسمح أيضاً للخليجيين بلعب دور أكثر تأثيراً في الاقتصاد التنموي في إفريقيا التي باتت محط أنظار العالم، ومحل اهتمامه لإقامة مشروعات تسمح لها الظروف بالنجاح والتمدد في ظل ضيق آفاق الاستثمار في مناطاته التقليدية حول العالم.

 

التعاون مع تركيا في المجال الاقتصادي له أبعاد أخرى غير اقتصادية، منها توثيق علاقة قد تأخذ منحى "الحلف العسكري" لاحقاً؛ فلا يغفل المراقبون النظر إلى التعاون في مجال التسليح المتطور الذي يستثمر فيه الأتراك في دول الخليج، كما لا يغفلون مرد الاقتصاد المتنامي بين تلك البلدان في التمهيد لمثل هذا الحلف.

 

يجد الخليجيون حالة فريدة للأتراك في مثل هذا تميزهم عمن سواهم؛ فالدولة التركية بما تمثله كقوة إقليمية ليست لها مطامع إيران في المنطقة، والتي "يشجع" الأمريكيون مطامعها الاحتلالية في دول أخرى كالعراق وسوريا ولبنان واليمن وربما غيرها لاحقاً. الأتراك لا يتطلعون لمثل هذا، ولا يتشاركون مع الخليج في حدود، كما لن تسمح لهم الدول الكبرى بمثل هذه المطامع إن وجدت. هذا بالطبع علاوة عن المطامع التقليدية للولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا في منطقة الخليج التي قال عنها ترامب مؤخراً إنها "المنطقة الوحيدة الثرية في العالم"!

 

لا يحلو للمتغربين الحديث عن غير "المصالح" الحاكمة للعلاقات بين تركيا ودول الخليج، لا غرو: في قلب تلك "المصالح" تكمن أخوة الدين أيضاً كحافز كبير لنمو هذه العلاقات؛ فلا شك أن دولة إسلامية عربية مهمة كالسعودية، وأخرى لها أهميتها البارزة أيضاً في العالم الإسلامي كتركيا، مؤهلتان للعب دور أكثر استقلالية في العالم الخاضع لاستقطابات غربية وشرقية، هذا يعزز دور كليهما ويبنى مستقبلاً أكثر رسوخاً لهما وللمنطقة خصوصاً، والعالم الإسلامي برمته عموماً. هذا أيضاً يزيح "استراتيجياً" دولة طائفية تريد أن تسعى لانتهاب العالم السني كله، كإيران وتوابعها المتعددة في قلب العالم الإسلامي، العراق، سوريا، اليمن، لبنان. لا مناص أمام كلٍ من السعودية وتركيا في أن يتقدما للعب دور أكثر حضوراً وتأثيراً في العالم الإسلامي، جوار باكستان أو بدونها.

 

5 + 8 =
تقرير إخباري - محمد الشاعر
تقرير إخباري ـ خالد مصطفى
حمزة إسماعيل أبو شنب