المجاعة بالصومال...أزمة مزمنة تحتاج لعلاج
8 جمادى الثانية 1438
د. زياد الشامي

أعلن رئيس الوزراء الصومالي حسن محمد خيري أول أمس أن أكثر من 100 شخص ماتوا جوعا في منطقة واحدة بالصومال خلال 48 ساعة , ودعا - في مؤتمر صحفي عقده بمقر مجلس الوزراء - الصوماليين في المهجر ومنظمات الإغاثة إلى تقديم مساعدات عاجلة للمتضررين جراء الجفاف وانقاذ الذين يموتون جوعا.

 

 

 

وتأتي تصريحات رئيس الوزراء في وقت أعلن فيه الرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد فرماجو الثلاثاء الماضي، أن موجة الجفاف الحالية بمثابة "كارثة وطنية" , مطلقا صرخة استغاثة قبل استفحال الكارثة .

 

 

 

من جهتها أعلنت الأمم المتحدة مؤخرا عن حاجة 6 ملايين من سكان الصومال "نصف السكان تقريبا " لمساعدات إنسانية , مشيرة إلى أن هناك 3 ملايين بحاجة لمساعدات فورية من المساعدات الغذائية , وأن ألف طفل مهدد بسوء التغذية , وأن 60 ألفا من أطفال الصومال سيموتون إذا لم يتلقوا العلاج المناسب , كما أشارت إلى تعرض نحو 5.5 ملايين صومالي لخطر الإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة .

 

 

 

 وكان الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" قد حذر نهاية الشهر الماضي من إنتشار المجاعة في عدد من البلدان ، وفي مقدمتها اليمن والصومال وجنوب السودان وشمال شرق نيجيريا في حال لم يتحرك المجتمع الدولي وبشكل فوري للتصدي للأسباب التي تدفع إلى وقوع هذه الأزمات الانسانية.

 

 

الأهوال و الأمراض والمخاطر الكثيرة التي تشير إليها التقارير الدولية وتحذر منها في حال تباطؤ المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والهيئات الخيرية عن إغاثة الآلاف من الصوماليين الذين يعانون من الجوع ونقص التغذية جراء الجفاف الذي يضرب أرضهم ....لم تجد آذانا صاغية لدى الدول الكبرى , ليس على المستوى التفاعلي العملي الإغاثي فحسب , بل حتى على المستوى الإعلامي , فخبر موت العشرات جوعا في الصومال بينهم الكثير من الأطفال لم يسترع اهتمام وسائل الإعلام العالمية !!

 

 

 

ليس المناخ الصحراوي وقلة الأمطار هذا العام - حيث لم يهطل سوى ربع الكمية المتوقعة - هو السبب الوحيد لتكرار كارثة المجاعة في الصومال , بل هناك أسبابا أخرى كثيرة أهمها : الحرب والصراع المستمر منذ سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991م ، والذي أدى إلى نزوح أكثر من مليون صومالي من مناطقهم القروية الزراعية , لتتقلص بذلك المساحات المزروعة في البلاد , التي هي في الأصل ضئيلة جدا مقارنة بالمساحات الصالحة للزراعة , حيث تشير التقارير إلى أن نسبة استغلال مساحة الأراضي الصالحة للزراعة لا تتعدى 2%  فقط , ناهيك عن تسبب الحرب في ضرب معالم الاستقرار في الدولة ومؤسساتها وفقدانها لتماسكها، وتحول البلد إلى كيان هش لا يقدر على الصمود في وجه الأزمات .

 

 

 

كان يمكن أن يكون وضع الصومال أفضل مما هي عليه الآن لو كان هناك حسن إدارة للموارد الطبيعية والثروات الكثيرة التي حبى الله بها تلك البقعة من الكرة الأرضية , حيث تمتد سواحلها لقرابة 3300كم لتكون أطول شواطئ الدول العربية وثانيها بين الدول الأفريقية , بالإضافة لغناها بالكثير من المعادن والنفط .

 

 

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي تضرب فيها المجاعة أرجاء الصومال , فقد حصدت الكارثة عام 2011م - حسب تقرير صادر عن منظمة الغذاء التابعة للأمم المتحدة وشبكة أنظمة الإنذار المبكر للمجاعة - أكثر من ربع مليون نفس بشرية أكثر من نصفهم أطفال تحت سن الخامسة ، وتوفي في ذلك الوقت ما يقدر بـ 4.6% من مجموع سكان البلاد , بالإضافة إلى 10% من الأطفال دون سن الخامسة في جنوب الصومال ووسطه .

 

 

الإغاثة العاجلة والمساعدات الفورية هي المرحلة الأولى من مراحل مواجهة مثل هذه الأكوارث والأزمات , فشبح الموت جوعا الذي يهدد أهل الصومال لا ينتظر كثيرا , ومع كل تأخير أو تباطؤ في توفير تلك المساعدات الإنسانية يعني الموت المحقق لمزيد من الأشخاص .

 

 

 

على المستوى العربي وافق مجلس وزراء الصحة العرب في ختام أعمال الدورة الـ47 للمجلس  بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة على قيام الأمانة الفنية بزيارة ميدانية إلى الصومال بالتعاون مع الأمانة الفنية لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب لتقديم الدعم اللازم للحكومة الصومالية ....إلا أن مثل هذا القرار قد لا يؤتي أكله إن لم يكن التنفيذ عاجلا ومثمرا , ناهيك عن كونه غير كاف عربيا وإسلاميا , فالكارثة تستدعي المسارعة لتحريك قوافل الإغاثة الإنسانية سريعا من الدول العربية والإسلامية القادرة على ذلك , أو على الأقل تقديم الدعم المالي لتوفير المواد الإغاثية للمشرفين على الموت جوعا هناك .

 

 

 

أما على المستوى الدولي فيبدو أن الأمر لا يعني الدول التي تزعم أنها كبرى , ربما لأن الذين يموتون جوعا هم من المسلمين الأفارقة وليسوا من غير المسلمين ذوي البشرة البيضاء  , حيث عجز المجتمع الدولي حتى الآن عن توفير أقل من مليار دولار – 846 مليون تحديدا - طلبتهم الأمم المتحدة بشكل عاجل لمواجة كارثة المجاعة بالصومال , ولم يؤمن منهم سوى 75 مليون دولار حتى الآن !!

 

وفي نهاية المطاف تبقى الطريقة والأسلوب الأنجع في مواجهة مثل هذه الكوارث والأزمات كامنة في معالجة الأسباب الجوهرية لهذه الظاهرة المتكررة , بدءا بإيجاد حل سياسي للحرب الدائرة هناك , وإعادة النازحين إلى أراضيهم الزراعية , وصولا إلى حسن إدارة الموارد والثروات الطبيعية , وليس انتهاء بإيجاد مصادر للمياه تعوض نقص كميات الهطول وتساهم في إمكانية استثمار المزيد من الأراضي الزراعية .

 

 

1 + 1 =