الإسلام "المتطرف".. رؤية إعلامية غربية!!
22 جمادى الثانية 1438
منذر الأسعد

بفضل الله وحده، لم تعد الشكوى من التلاعب بالمصطلحات والمفاهيم لمحاربة الإسلام تحت شعار محاربة الإرهاب، لم تعد شكوى تخصنا نحن المسلمين..

فهنالك أصوات نادرة في الإعلام الغربي تجأر من هذا الدجل!!

 

أعدادنا تتزايد

في مطلع شهر مارس/آذار الجاري، نشر الصحافي البريطاني الشهير ديفيد هيرست مقالاً حول هذه النقطة، مشبع بالسخرية من الساسة الغربيين وتلاعبهم بالعقول.. استهله بقوله:

بحسب تصنيف موقع على الإنترنت أقامه مجلس تمويل التعليم العالي في إنغلترا بعنوان «مجتمعات الأمان داخل الجامعات»، يمكن أن أعتبر متطرفًا!!

 

فأنا عبرت عن «دعمي لفلسطين جهارًا»، وأنا أعارض ليس فقط «المستوطنات الإسرائيلية في غزة»، بل جميع الإنشاءات التي أقيمت ما بعد الخط الأخضر للرابع من يونيو (حزيران) 1967. وكم انتقدت الحروب الغربية في الشرق الأوسط، وأنا «معارض لحملة امنع» على اعتبار أنها لا تمنع نشأة الجهاديين المحليين.

 

أعتقد أن إسرائيل تدير شكلًا من أشكال الأبارتيد (التمييز العنصري) وليس فقط في الضفة الغربية، فالدولة اليهودية بكل وضوح، وكما هو ثابت بالدليل، عبارة عن منظومة ديمقراطية لمواطنيها اليهود دون سواهم....

 

ومضى هيرست:

بعد قليل سوف يكون قد مر عامان منذ أن أعلنت الحكومة للمرة الأولى عن مشروع قانون لمكافحة التطرف. كان ذلك في شهر مايو من عام 2015. بعد مرور ستة شهور على ذلك، نشرت الحكومة استراتيجيتها بهذا الشأن. ومنذ ذلك الحين، ورد ذكر مشروع القانون المشار إليه في خطابين من خطابات العرش، ومع ذلك لم ير النور بعد.

 

والآن، بادرت النائبة في البرلمان البريطاني هارييتهارمان، والتي تشغل منصب رئيس اللجنة المشتركة حول حقوق الإنسان، بالكتابة إلى وزيرة الداخلية أمبر راد تسألها ما الذي يجري؟ فثمة أسباب قوية تبرر تحفظ الحكومة بشأن التشريع الخاص بقضية تعتبرها حجر الزاوية.

 

لم تجد اللجنة التي تترأسها السيدة هارمان ما يصلح لأن يكون دليلًا داعمًا لفرضية الحكومة بوجود رافعة بين التيار الديني المحافظ والتيار الجهادي الممارس للعنف. ولقد جاء في تقرير اللجنة الاستفسار التالي: إذا كان التطرف ينكر «الاحترام المتبادل والتسامح مع المعتقدات والأديان المختلفة» فمن هو المتطرف حينما تشتمل ديانة ما على عناصر من كره النساء والرهاب من المثليين؟

 

هل ينبغي أن يطبق هذا التشريع الجديد على المسلمين فقط دون غيرهم؟ وفي هذه الحالة فإنه سيمارس التمييز، وسينتهك حرية التعبير الديني، أم يتوجب أن ينطبق على جميع الديانات؟ وفي هذه الحالة سيطبق التشريع الجديد على الناس دون تمييز بين فرد وآخر. وحينها ستكون معابد اليهود -مثلها مثل مساجد المسلمين- عرضة للنقد والمساءلة والمحاسبة.

 

وفي غياب التعريف القانوني والوضوح، فإن «امنع» -الواجب القانوني للقيام بالعمل وربما المخالفة الجنائية في حالة التجاهل- تلجأ إلى استخدام ترسانة من الضبابية المسلحة.

 

من الملاحظ أن العرض المنشور في موقع «مجتمعات الأمان داخل الجامعات» مملوء بكلمات مثل «ممكن» و«ربما»، وكذلك الكثير من علامات الاستفهام، إلا أن القطن الصوفي الفكري الذي يشكل بطانة التقرير المنشور من قبلهم يمكن أن يوصف بأي شيء سوى أنه ناعم.

 

ترهيب بثياب "قانونية"

بحسب هيرست:ألغت جامعة وسط لانكشير نشاطًا نظمته جمعية أصدقاء فلسطين؛ بسبب الخشية من ألا يكون النشاط «متوازنا».

 

وفي أماكن أخرى، ألغيت حجوزات كانت قد أتمت قبل شهور، وذلك قبل دقائق من الموعد المقرر للنشاطات، حيث طولب المنظمون بضمان إجراءات أمنية إضافية، أو قيل لهم إن الكلمات سترصد وتراقب، أو -كما حصل في بعض الحالات- قيل لهم إن الكلمات التي ستلقى لا بد أن تحصل على موافقة مسبقة.

 

هل ينطبق هذا «التقييم والإدارة للمخاطر» على جميع المناظرات التي تجري في الجامعات؟ طبعا لا. خذ على سبيل المثال معظم بيغ، المعتقل السابق في غوانتانامو والناشط في مجال حقوق الإنسان، والذي يصنف الآن على أنه «متحدث عالي الخطورة». لو أنه دعي إلى إحدى الجامعات ليتحدث إلى جمهور جمعية العفو فلن تكون هناك مشكلة. ولكن، فيما لو دعي لإلقاء الكلمة ذاتها أمام الجمعية الإسلامية، لفتحت عليه أبواب جهنم من كل حدب وصوب.

 

من الواضح والملموس أن ثمة هدفًا ظلاميًّا من وراء ذلك، وهذا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالقيم البريطانية، ولا بالتطرف الجهادي، ولا حتى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بل له ارتباط مباشر ووثيق بالرغبة في إغلاق الباب على كل حوار يتعلق بإسرائيل أو بفلسطين في لحظة زمنية بالغة الحساسية، تم عندها حتى التخلي عن مجرد الكلام عن وجود الدولة الفلسطينية.

 

ويستشهد الكاتب المخضرم بحالة جيرالد كوفمان، الذي توفي مؤخرًا، والذي كان ضحية أخرى من ضحايا هذه الحملة. وكان كوفمان، الصهيوني الذي تحول إلى ناقد شرس لإسرائيل، قد تعرض للشيطنة بسبب خطاب قارن فيه الممارسات الإسرائيلية في غزة أثناء عملية الرصاص المسكوب بالأعمال النازية التي مورست في بولندا بلد أسلافه.

 

كما يعيد هيرست إلى الذاكرة مقالاً وثائقياً أعده الصحفي كريس ماكغريل، سنة 2006 عن سياسة العزل العنصري الصهيونية فجرى اتهامه بأنه «أنكر الحقوق التاريخية للشعب اليهودي»، وأنه أظهر «الازدراء للصهيونية». لحسن الحظ، لم يكن من هيئة تلقي الشكاوى الصحفية إلا أن وقفت لهم بالمرصاد، مفندة كل جزئية من جزئيات شكواهم، لكن ذلك كان في عام 2006. وكان ذلك بالضبط ما فعله كذلك محرر صحيفة الغارديان آنذاك، ألان روسبريدجر.

 

تجارة المستبدين العرب

في مقابل العداء الغربي للإسلام والمسلمين نتيجة التلاعب بمصطلحات الاعتدال والتطرف، هناك "إسهام" قبيح يتولاه طغاة عرب لحماية كراسيهم!!

 

وقد سلطت واشنطن بوست الضوء على هؤلاء مؤخراً، وانطلقت من نقطة غياب أي اتفاق حقيقي حول معنى الإسلام المعتدل، لكن الحكومات ذات الأغلبية المسلمة التي تستخدم هذا المصطلح تتخذه سبيلاً للتوافق مع جدول أعمال الولايات المتحدة، حيث جرى استغلال هذا الأمر قبيل التفاوض على معاهدات السلام بين إسرائيل ومصر في عام 1979، وكذلك مع الأردن في عام 1994.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن بعض الأنظمة العربية تستخدم مصطلح "الإسلام المعتدل" لمتابعة جداول أعمالها في الداخل والخارج للتأكيد على أنه يقدم حلولا للعنف، فضلا عن تبرير زيادة حملات القمع ضد الجماعات الإسلامية!!

 

وذكرت واشنطن بوست أن هذه النظم عندما تدعي أنها تمثل الإسلام "المعتدل"كبديل للإسلام "المتطرف"، فإنها تكتسب ميزة تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي تجري في بلادها!

 

وقد سعت هذه الحكوماتإلى تصوير نفسها على أنها تدافع عن الإسلام المعتدل والتسامح الديني، ورعت مبادرات للتأكيد على "التشابه بين المسيحية والإسلام" في أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، كما أن الكتب المدرسية والخطب والبيانات الصادرة عن المؤسسات الدينية الرسمية تصر على هذه الشعارات.

 

واختتمت واشنطن بوست بالتنبيه إلى أن استراتيجية "الإسلام المعتدل" غامضة في الإعلام العالمي، وفي مراكز التدريب الدينية أو مبادرات الحوار بين الأديان، ولم تثبت حتى الآن نجاحها في تقديم علاج فعال للتطرف العنيف، وما دام مصطلح الإسلام المعتدل مشروعاً تقوده النظم والحكومات، فإنه من غير المحتمل أن ينظر إليه مواطنوها باعتباره ذا صدقية، ولذلك يقتصر توظيفه على جني بعض الفوائد والمكاسب للحفاظ على بقاء الأنظمة العربية، وضمان استمرار الدعم الخارجي(الغربي!!).



6 + 13 =