صبرا وشاتيلا الموصلية والمنصورية بكل هدوء
28 جمادى الثانية 1438
أمير سعيد

في الذاكرة الفلسطينية والعربية، حفرت ذكريات أليمة لمذابح نفذها الكيان الصهيوني أو بعض أدواته في فلسطين ولبنان، كمجزرة دير ياسين (1948م)، أو صبرا وشاتيلا (1982)، ظل الفلسطينيون خصوصاً والعرب عموماً يحيون ذكراها الأليمة كل عام محفزين أنفسهم على مواصلة النضال، يتناقل أحداثها جيل من بعد جيل.

 

صار اليوم من العبث مجرد التذكير في إحياء تلك المآسي؛ فكيف للمرء أن يذكر بماضٍ أليمٍ وهو يعاني حاضراً أشد منه بشاعة وإجراماً، حتى لكأن الحديث عن مجزرة دير ياسين بفلسطين التي راح ضحيتها ما يربو عن 250 شهيداً، أو مذابح صبرا وشاتيلا بلبنان التي ارتقى فيها ما يفوق ثلاثة آلاف شهيد، يمثل تغييباً عن واقع فاق جرائمها بمراحل على نحو ألزم الجميع بخطيئة النسيان.

 

المفارقة المؤلمة فيما نحن نعالج حاضرنا المخجل أن تلك المجازر التي وقعت في الماضي لم تكن حدثاً يومياً، وكانت على بشاعتها عصية على التكرار اليومي والاستهانة المخجلة بالدماء، فيما نحن نعاينها بشكل يومي، كأخبار رتيبة تستدعي مشاهدتها على الفور إدارة أزرار التلفاز لمشاهدة ما هو أكثر منها إثارة وتشويقاً! والمشين في هذا كذلك أن مجازر ومآسي الماضي كان للآباء بعض العذر في عدم الاطلاع عليها في أزمان الإعلام الواحد الموجه، بينا نحن نتعرف إليها بسهولة، لكن دون اكتراث أو فعالية.

 

في زمن وسائل التواصل التي ظن كثيرون منا أنها فتح إعلامي كبير، واختراق هائل للعتمة الإعلامية الموجهة، بات تدفق المعلومات فيها حافزاً أكبر للنسيان والتجاهل لا للمعرفة، وأصبح الإغراق المعلوماتي وسيلة ناجعة لطمر مثل هذه الجرائم، كتلك التي وقعت في الموصل العراقية والمنصورة السورية، والتي ارتقى على إثرها ما يناهز 3000 آلاف شهيد أو يزيدون في لمحة البصر، مدفونين تحت أنقاض مبانٍ استهدفها طائرات تحالف الإجرام الدولي الذي يلتحف بما يسمى بالشرعية الأممية لاقتراف تلك البشاعات الوحشية.

 

قصفت طائرات لا حساب لها إلا من رب العالمين أهلنا في الموصل والرقة بزعم ملاحقة بضعة أفراد من تنظيم داعش الخائن يتجولون فيهما بكل حرية، على نحو يستحيل تخيل غياب التواطؤ الدولي وتشارك المجرمين في الطائرات وعلى الأرض في ارتكاب هاتين الجريمتين وغيرهما، حيث غابت عمليات الرصد التي سربتها القوات الأمريكية والأطلسية للإعلام من قبل إبان حرب العراق وما تلاها في شاشات التلفزة من قبل للتدليل على دقة واحتراف مقاتلاتها في قتل من أرادت بمبضع جراح يتجنب لو أراد إيقاع ضحايا مدنيين.

 

عمليات التهجير القسري التي تتغذى من تلك الجرائم، "الأخطاء الكاذبة" غير المدفوعة الثمن، التزييف الإعلامي، هذا كله مفهوم من عدو يطبق أجندته التي جاء لأرضنا من أجلها، لكن نعود لمبتدئ تلك السطور: ما الذي تغير فينا نحن فلم نعد نأبه بهذا برغم سهولة وصول المعلومة وقدرتنا على تنظيم صفوفنا إعلامياً وحقوقياً وإغاثياً.. إلخ؟!

 

لقد صرنا بكل أسف أكثر بلادة وبرودة، صرنا نتابع مباراة في الدوري الإسباني على نحو يفوق آلاف المرات اهتمامنا بقضايا أمتنا المصيرية، التي لا ترسم مستقبل منطقتنا وشعوب جيراننا المسلمين العرب فحسب، بل مستقبلنا وذواتنا نحن، حيث ستطولنا أنصال السكاكين بعد قليل من ذبح الأشقاء؛ فأي بله وجنون نعيش فيه؟! وما الذي فعلوه لنا لترويضنا إلى هذا الدرك الأسفل والسلوك المنحط حتى غدونا مخدرين على هذا النحو المزري؟!

 

أهو الإعلام أو التعليم؟ أهو القهر والتخويف؟ أهو الاستعداد الذاتي للانحراف وإلى قبول المحتلين؟

 

أم هو الإحساس بالعجز وانسداد السبل؟ أم هو توقف العقول عن الإبداع والابتكار وانعدام الحيل وفقدان الأمل؟

 

مهما يكن؛ فالجامع لكل هذا هو في قلب هذه الآية: { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير } ، فالعجز هو سلوك مذموم يمكن تجنبه كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "واستعن بالله ولا تعجِز"، فعجز أرباب الآراء وأصحاب النهى والألباب هو مفضٍ لما نحن فيه، وتجاهل وانحراف الجماهير هو الطريق لهذا الهزال الذي يتبدى على جسد أمتنا.

 

إن النظر إلى نكبات دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغيرها، ثم مد البصر إلى اللحظة، يرسم لنا طريقاً للمستقبل أكثر وعورة ووحشة، حيث لا سبيل إلى وقف إبادتنا وتآكلنا إلا بأخذ الحكماء والعقلاء زمام المبادرة لوقف هذا النزيف الآخذ في التدفق.. ما لم نفعل على وجه السرعة؛ فسنصبح من قريب أشد بؤساً من جموع الخراف في يوم النحر.

 

15 + 1 =