22 شعبان 1438

السؤال

والد زوجي طلّق أمه بعد مولد زوجي بشهور، وأهمله ولم يسأل عنه، بل لم يتعرف عليه إلا في سن 13 سنه قدرا في موقف بغير ترتيب!

لما وعى زوجي وكبر أصبح يتردد على أبيه من أجل الله.

كان والد زوجي عليه نفقة 10 دنانير كنفقة مقررة رسمية لولده، فحاول الأب التهرب من النفقة وخدع زوجي بأنه يريد يأخذ قرضاً والأمر متوقف على هذه العشرة دنانير فطلب منه أن يتنازل ويعطيه تعويضاً ثلاث آلاف بالمقابل طبعا كذب.. تنازل زوجي وما أخذ شيئاً!

 ومع ذلك ظل يزور والده مع أنه ما كان يرى منه الحب وحنان الأب أبداً.

كبر زوجي وفتح تجارة وصار الأب يحب ابنه عندما يعطيه مالاً، وإذا ما أعطاه غضب عليه.. ومع ذلك كان يعطيه..

وعند زواجنا، راح زوجي وطلب من والده أن يحضر وما قبل أبداً.. وظلت حسرة بقلب زوجي.. وما زار أباه بعدها!

حاول زوجي قدر المستطاع أن يرضي أباه ولم يكن يرضى!!

السؤال هل يجب على زوجي أن يتواصل مع أبيه بعد كل هذا؟

أجاب عنها:
أنس بن ناصر العمر

الجواب

أهلاً بالأخت الفاضلة، ونشكر لك ثقتك واستشارتك عبر موقعكم "موقع المسلم" سائلين الله عز وجل أن نكون سبباً في تقديم النصح والمشورة والسعادة لكم.

 

بداية، لك ولزوجك حق الشكاية، إذا كان الأمر كما وصفت من شدة والد زوجك عليه، وأقدر ألمكم وحزنكم من سلوكه ومواقفه، لكنني لا أتفق معكما أبداً على رد السلوك السلبي بسلوك سلبي مثله، ولا على قطع بر أبي زوجك، فإنَّ حاكِمَنا هو شريعة ربنا، وفي ديننا ضوابط وخطوط عريضة نتحرك من خلالها ونضبط ردود أفعالنا بضوابطها..

 

وأحاول أن أختصر لك ذلك في نقاط كما يلي:

أولا: لك الأجر في وقوفك مع زوجك حتى يبر بوالديه، متى ما كان خالصاً لله -سبحانه- ووقوفك الإيجابي هذا يكسب الزوج الرضا والمحبة تجاهك، مما ينعكس على البيت وأبنائكم بإذن الله.

 

ثانيا: التعامل مع الوالدين ليس عن طريق مبدأ التكافؤ أو التماثل، بل مبدؤه هو الفضل والبر، بل إن هذا المبدأ يحكم جميع تعاملات علاقات الرحم، يقول صلى الله عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" أخرجه مسلم.

بمعنى أنه عندما يقدم الابن براً لوالديه فلا ينتظر الجزاء منهما أو رده، بل ما عند الله خير وأعظم.

 

ثالثا: بلا شك أن الظلم وسوء المعاملة يسببان الآلام النفسية وتراكمات المشاعر السلبية، ويسبب الفرقة ويقطع التواصل وكما قال الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهنّد

لكننا عندما نقدم أي عمل للوالدين فإننا نبتغي الأجر من الله سبحانه، فعندئذ تهون الآلام والمشاق لوجه الله سبحانه.

 

رابعا: التعامل مع الوالدين يكون بمكارم الأخلاق وأفضلها والآيات والأحاديث والشواهد كثيرة في ذلك كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:23-25].

 

فمهما كان تعاملهما أقل مما يريد أو يحب فلا ينظر إليه، ولا يحاسب الوالدين عليه، بل يجاهد نفسه ويصابر، ومتى ما كان صادق النية سيوفقه الله لذلك: ولنتأمل الآية الأخيرة: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} فالبر مبعثه بما في داخل النفس والله مطلع عليه وأعلم بمراد الابن تجاه ما يقدمه لوالديه، فمن كانت نيته صالحة سيوفقه الله ويكتب أجره.

 

خامسا: لنتذكر الأجور المترتبة على البر والصلة كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب قال: فهو لك" متفق عليه، وقوله: "من سرّه أن يُبسط له في رزقه وأن يُنسأ له في أثره - أي يؤخر له في أجله وعمره- فليصل رحمه" متفق عليه.

 

سادسا: إذا كان الرد من الوالدين سلبيا - برغم إحسانه - فتذكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن أبى هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلمُ عنهم ويجهلون علي. فقال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تُسفّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك" رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها" رواه أبو داود.

 

سابعا: عندما نقدم البر للوالدين لا ننظر إلى تصرفات الأقارب وتدخلهم مما يزيد الجفوة، ويقطع التواصل، بل نزداد براً وصلة، وما عند الله خير وأبقى.

 

ثامنا: حذار من قطع الصلة بالوالدين، وهذا من العقوق، بل يحسن إلى والده ويزداد قربة وتوددا، يقول الله عز وجل: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15].

 

تاسعا: رمضان والايام الكريمة فرصة للقرب أكثر من الله، وفرصة لإنهاء المشكلات، فيلين قلب الوالد، ومع كثرة البر سيدرك الأب قيمة ابنه ويصلح الله بينهما ان شاء الله.

 

عاشرا: أكثروا من الدعاء والالتجاء إلى الله، والله سبحانه يقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60].

 

وكل هذه أسباب والتوفيق بيد الله سبحانه، ورددوا دائما: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88].

 

دعواتنا لكما بالتوفيق وأن تجدوا أثر ما فعلتموه في والد الزوج على أولادكم وذرياتكم...

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.



اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
د.عبدالكريم الخضير