دموع الشوق في ليلة ختم "الشمائل"
7 شعبان 1438
د. عمر بن عبد الله المقبل

في ليلة بهية من ليالي العمر، يسّر الله تعالى إنهاء شرح كتاب (الشمائل المحمدية) للإمام أبي عيسى الترمذي (279هـ) في ليلة الأحد السادس من شهر شعبان من عام ثمانية وثلاثين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية، في عشرة مجالس متفرقة، كل مجلس منها يمتدّ نحو أربع ساعات، وكانت ليلة الختام من أكثر مجالس هذا الشرح تأثراً، لا لشيء إلا لأنها كانت تتحدث في أحد أبواب هذا الكتاب عن وفاة سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم!

 

لقد رأيت الدموع سخية .. وسمعت النشيج والبكاء.. وممن؟ من أناس أكثرهم أعاجم، امتلأت قلوبُهم حباً وشوقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. وهنا وبدون مقدِّمات رجعتْ بي الذاكرةُ إلى أبي لهب وبقية صناديد قريش، الذين عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم وصِدْقَه.. بل هم أعلم العرب بسيرته، ومع هذا حاربوه، وآذوه، وطردوه من بلده ـ وما أشدها على النفس! ـ فكيف إذا كان هذا البلد الذي يضطر الإنسانَ للخروج منه هو مكة!

 

ثم إذا بك ترى أناساً من السعودية وأوروبا وباكستان والهند ومصر واليمن والشام ـ ممن حضروا هذه المجالس ـ تذرف دموعُهم وهم يسمعون خبر وفاته صلى الله عليه وسلم.. فقد أحبّوه أكثرَ مِن حِبّهم لآبائهم وأمهاتهم، وهم لم يروه، وإني لأرجو أن يكون لهم نصيبٌ من قوله صلى الله عليه وسلم: «من أشد أمتي لي حبًا، ناسٌ يكونون بعدي، يودّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله»([1]).

 

ولقد أعجبني قولُ أحد الطلاب معلقاً ـ بعد انتهاء هذه المجالس ـ: لقد كشف لنا الكتابُ مساحةً كبيرة كانت غائبة عنا من السيرة النبوية التي غالباً ما يقتصر تدريسُها على الجانب العسكري منها ـ الغزوات والسرايا ـ، فعرفنا صفتَه الخَلقية صلى الله عليه وسلم، وعرفنا شيئاً من زهده.. ولباسه ومتاعه.. وضحكه وبكائه.. ونومه ويقظته.. وعبادته ومزاحه.. وخُلُقه وتواضعه وحيائه.. وصمته وكلامه.. ومشيته واتكائه... إلخ ما بوّب عليه الإمام الترمذي رحمه الله. ا.هـ.

 

وثمة معنى آخر تكشفه لنا أمثال هذه الكتب، وهو هذا الوصف الدقيق المدهش لحركاته صلى الله عليه وسلم وسكناته، حتى إنه ليخيل لك ـ وأنت تقرأ الروايات ـ أنك أمام بثّ حيّ ليومه النبوي، بل لحياته صلى الله عليه وسلم! حتى عدد شعراته البيض في لحيته الشريفة نُقلت لنا! أيُّ نبي فضلاً عن غيره اعتنى أتباعُه به كما اعتنى أصحابُ محمدٍ بمحمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم؟! ثم يأتي لُكَعُ بن لكع([2]) ليقول لنا: إن السنة لم تُحفظ! وضاع منها ما ضاع!

 

ولو كان لي من الأمر شيء لجعلتُ في كل بلدٍ من يشرح الشمائل المحمدية، أو أيّ كتاب مناسب في السيرة النبوية؛ ويقرّبها لعموم المسلمين؛ ليزداد مستمِعُ الدرس شوقاً وحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرّك فيه دواعي الاتباع الظاهر والباطن، والرغبةِ في نصرة دينه، والدعوة إليه كلٌ حسب استطاعته..

 

هنا نقدّم للناس قدوةً لا كالقدوات: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب: 21]، حُبّهُ عبادة، وتذاكرُ سيرته علمٌ وقُرْبة، وسنختصر بمثل هذه الدروس طرائق في التربية والإصلاح لأبنائنا ومن يحضر أمثالَ هذه المجالس.

 

أسأل الله الذي منّ علينا باتباع دينه ومحبة سنته دون أن نسأله؛ أن يمنّ علينا بالثبات عليها ونحن نسأله، وأن يرزقنا صدقَ الاتباع ظاهرًا وباطنًا، وأن يميتنا على سنته، ويوردنا حوضَه، ويُدخلنا في شفاعته، ويحشرنا في زمرته، مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

 

__________________________________

([1]) رواه مسلم ح(2832).
([2]) اللُّكَعُ، كصُرَدٍ: اللئيمُ، والعبدُ، والأحمقُ. القاموس المحيط (ص: 761).

 

* المصدر: الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور عمر بن عبد الله المقبل



5 + 9 =