لكن لوبان نجحت فيما عدا الانتخابات الرئاسية
12 شعبان 1438
أمير سعيد

"لدينا 11 مليون ناخب وهو عدد غير مسبوق.. ونحن اليوم قوة المعارضة الرئيسية في فرنسا".

صحيح ما قاله فلوريان فيليبو، الذراع اليمنى لمرشحة اليمين المتطرف لوبان في قيادة حزب الجبهة الوطنية لتلفزيون تي أف 1، فالواقع أن لوبان حققت لتيارها تقدماً هائلاً، حيث إنه قد أصبح رقماً صعباً في معادلة السياسة الفرنسية.

 

مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف الخاسرة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية هي في الواقع ناجحة على مستوى آخر بالغ الأهمية، تتأثر به أوروبا كلها والمسلمون سلباً. هو مستوى العداء للمهاجرين والمهجرين المسلمين، من جهة، والبنى القيمية والاقتصادية التي قامت عليها النهضة الأوروبية.

 

ليس ثمة مبالغة بالقول إن ما يحدث في فرنسا يغير كل أوروبا بغربها وشرقها؛ فهذا البلد الذي نقل أوروبا من الحالة الإمبراطورية والملكية إلى النظم الديمقراطية بوسعه أن يعيد ترتيب أوروبا وفق نظام جديد، وهو الذي نفذت منه الماسونية لتحويل نظم الحكم الحالية لتصبح أكثر قابلية للتطويع والانحراف باتجاه ما تريده الصهيونية العالمية.

 

والنموذج الفرنسي يستحق التأمل: لوبان ليست بارعة، ولها أخطاء جمة، لكن علينا أن نلحظ  الخط الذي سار عليه اليمين المتطرف منذ 15 عاماً ليتضح شكل فرنسا وأوروبا المتوقع فيما بعد. لقد حصل الأب المؤسس للجبهة الوطنية جان ماري لوبان على ما نسبته 16.86% من الأصوات في المرحلة الأولى ثم حصل على 17.8% من الأصوات في المرحلة الثانية التي خسرها أمام جاك شيراك. كان هذا في العام 2002 حيث لم يكن قد مضى على تفجيرات 11 سبتمبر بالولايات المتحدة سوى بضعة أشهر، والعالم كله مشحون ضد "إرهاب القاعدة"، وأوروبا الغربية غارقة في دائرة التأييد للانتقام وإلى وضع المسلمين في دائرة الشك.

 

مع هذا، لم يتمكن لوبان الأب المستفيد من أعلى موجات الغضب والكراهية ضد المسلمين في أوروبا إلا بالحصول على نصف ما حصلت عليه ابنته اليوم في الانتخابات الفرنسية، ثم عاد إلى وضعه الطبيعي في انتخابات 2007 متأخراً إلى المركز الرابع في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.  

من 17.8% حصل عليها لوبان الأب في انتخابات 2002 إلى 33.9% حصلت عليها لوبان في انتخابات 2017 هناك أشواط قد قطعتها وقطعها اليمين للحصول على ما يتمنياه مرحلياً، وهو حصد أكثر من 11 مليون صوتاً يمثلون أكثر من ثلث أصوات الناخبين، ورفع مستوى إيمان الشعب الفرنسي بضرورة تقييد الهجرة وإدماج مسلمي فرنسا قسرياً على النحو الذي يفقدهم هويتهم الدينية، وانكفاء الشعب الفرنسي على ذاته.

 

وإذا أردنا أن نقيس مدى نجاح لوبان في حملتها وحملة جبهتها في قطع شوط في هذا المسار، علينا أن نضع في اعتبارنا العديد من المعوقات لنجاحها، والتي من أهمها احتشاد المسلمين بصورة واضحة ضدها، وهم يمثلون نسبة لا يستهان بها من الناخبين حيث يبلغ عدد المسلمين ما يتردد ما بين 10-12% من سكان فرنسا، وعليه؛ فإن انحيازهم مع ماكرون وباحتشاد ملحوظ مدفوع بخشيتهم من سياسة لوبان إزائهم يعني أن نسبة تأييد لوبان بين الفرنسيين "المسيحيين" أكبر بكثير مما حصلت عليه. ومن أهمها أن وقوع بريطانيا في فخ الانفصال عن الاتحاد الأوروبي بعد تصويت الشعبويين فيها للانفصال، ثم الندم الذي أعقب هذا من قطاعات مهمة من المصوتين للانفصال، قد أوهن من حظوظ لوبان في كسب تأييد الفرنسيين لانفصال أو استقلال مماثل عن الاتحاد الأوروبي. ومنها أيضاً انحياز يهود فرنسا في معظمهم – بما يمثلونه من مراكز قوى - ضد لوبان بعد "خطيئتها" حول مزاعم المحرقة.

 

لما تقدم يُعد نجاح لوبان المرحلي كبيراً في مضمونه ودلالاته على نحو أكبر بكثير مما يمثله تصويت ثلث الناخبين لها؛ فالخط البياني لصعود اليمين بها أو بغيرها يدل على أن المسافة المتبقية له لحكم فرنسا قد لا تكون طويلة، لاسيما مع إخفاق الأحزاب والقوى التقليدية في حصد أصوات الناخبين بما ألجأ الشعب الفرنسي إلى انتخاب مرشح لا ينتمي للكتل السياسية التقليدية، استناداً إلى كاريزما وملامح شخصية خاصة قد لا تتوفر لغيره في قادم الانتخابات أمام اليمين المتطرف.

 

ما يمكن استنتاجه من هذا، أن الحالة الفرنسية التي تحوي في مدنها الكبرى أكبر جالية مسلمة في أوروبا تبرهن على أن أوروبا متجهة إلى مسار ذي طريقين متوازيين:

 

الأول: هو طريق الاستقطاب الديني الذي يُتخذ كأولوية تسبق فكرة المواطنة القائمة على أسس علمانية لا تنظر للفوارق الدينية، وهو الذي بدأ يرث فكرة "الحداثة الأوروبية" التي غلفت لقرون قلب "أوروبا الصليبية". بمعنى أن أوروبا شرعت في تأطير أيديولوجية أكثر وضوحاً لها بعد إخفاق مفهوم المواطنة العلماني في وقف زحف الإسلام الدعوي في أوروبا.

 

الثاني: أن الجامعة الاقتصادية التي تجللت بإنشاء الاتحاد الأوروبي وتطويره هي الأخرى لم تصمد كثيراً بعد مرور ما يزيد عن نصف قرن فقط عليها، لكن هذه المرة ليست أمام الإسلام ودعوته، وإنما لأسباب اقتصادية بحتة؛ فالأمل المرجو من الاتحاد الأوروبي كان اقتصادياً في أبرز أهدافه، وإخفاق "منطقة اليورو" المستمر والكساد الاقتصادي الأوروبي المتصاعد من شأنه أن يكفأ الشعوب على ذواتها أكثر ويحول بين استمرار رابطتها الاقتصادية ذات الكلفة العالية، والتي تتحمل بها اقتصادات نامية انتكاسات أخرى داخل الاتحاد الأوروبي على نحو لا تتحمله رابطة اقتصادية لم تقم بالأساس على "المآخاة" (كالمهاجرين والأنصار)، وإنما تدور مع "المصلحة" الوطنية والشعبية؛ فإن زالت المصلحة زالت معها مبررات الاتحاد.

 

يدل "نجاح لوبان" النسبي على أن أوروبا بدأت تميل في إحدى نماذجها الأبرز (فرنسا) إلى "الوطنية" كبديل عن الأممية، و"الدينية" كبديل عن العلمانية، وإلى "الديكتاتورية النسبية" كبديل عن الانفتاح الليبرالي الواسع. إنها – على ما يبدو – بداية عاصفة بدأ دورانها مع ارتفاع التأييد لليمين المتطرف، وبدأت تظهر ملامحها مع وصول خيرت فيلدرز ومارين لوبان إلى الجولات الثانية في الانتخابات الرئاسية، وحصولهما على أقلية لا يستهان بها أبداً.  

1 + 2 =
محمد علي يوسف
مؤسسة الموصل
د.مالك الأحمد