حول مراقبة وتقييد دور المساجد عربيا !!
20 شعبان 1438
د. زياد الشامي

ليس هناك أي جواب شاف أو تبرير منطقي أو سبب وجيه وراء تلك السلوكيات والتصرفات من بعض حكومات الدول العربية تجاه المساجد , فما يصدر عن المسؤولين عن إدارة المساجد في تلك الدول كتبرير لما يتخذ من قرارات لم يقنع عموم المسلمين فضلا عن المثقفين منهم والمفكرين , يكفي دليلا على ذلك أن الكثير من مواطني تلك الدول يتسائل باستغراب : لماذا لم تتخذ نفس الإجراءات تجاه الكنائس مثلا أو دور عبادة غير المسلمين عموما !!!

 

 

 

كثيرة هي القرارات التي تم اتخاذها تجاه المساجد في بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة , والتي تتسم جميعها بالتقييد والمراقبة والحد من حرية ممارسة المسلمين لشعائر دينهم بالشكل الذي ينبغي في دول يشكل فيها المسلمون غالبية ساحقة !!!  

 

 

 

ففي مصر ومع اقتراب حلول شهر رمضان أصدرت وزارة الأوقاف قرارا بمنع استخدام مكبرات الصوت في المساجد خلال أداء المسلمين لصلاة التراويح، وحددت موضوع خاطرة التراويح ومدتها ؛ بحيث لا تتجاوز عشر دقائق ، وألا تخرج عن موضوع "الأخلاق" , ناهيك عن وضع الوزارة شروطاً جديدة لشعيرة الاعتكاف في المساجد في العشر الأخير من شهر رمضان .

 

 

 

وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة قال في بيان مطلع الشهر الجاري : إن الاعتكاف سيكون تحت إشراف الوزارة ، وبناءً على تقرير يرفع من مدير الإدارة التي يتبع لها المسجد، مؤكداً أنه "لن يسمح بمخالفة الضوابط السابقة، وفي حالة مخالفتها يعد اجتماعاً خارج إطار القانون تتخذ ضده الإجراءات اللازمة" ....بينما قال رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف "جابر طايع" الجمعة 12 مايو/أيار : إن جميع المساجد المخصصة للاعتكاف خلال شهر رمضان ستكون تحت سيطرة الوزارة ورقابتها ....مشيراً إلى أن "أي كلمة ستقال داخل المسجد ستكون بعلم من الوزارة" .

 

 

 

من جهة أخرى أصدر محافظ  بورسعيد اللواء "عادل الغضبان" قرارا الخميس الماضي بمنع إقامة ما يُعرف بـ "موائد الرحمن" بالمحافظة هذا العام , معللا ذلك أن بعض القائمين على موائد الرحمن يستغلون السلع المدعمة بالمخالفة للقانون، وأن ثمّة طرقاً أفضل لتوصيل هذه السلع للمحتاجين بمنازلهم دون شعورهم بالحرج حسب قوله .... بينما يرى آخرون أن القرار يستهدف واحداً من أبرز مظاهر تكافل المصريين خلال شهر رمضان .

 

 

 

أثارت هذه القرارات استياء الكثير من المصريين متسائلين عن معنى قصر مثل هذه القرارات والإجراءات على مساجد المسلمين دون دور العبادة للنصارى والملل والمذاهب الأخرى ؟!

 

 

 

لم تكن ظاهرة تشديد الرقابة على المساجد واتخاذا إجراءات تقييد إضافية على روادها والمصلين قاصرة على أرض الكنانة وبلد الأزهر فحسب , بل طالت الظاهرة دولا عربية أخرى في الشمال الافريقي .

 

 

 

ففي الجزائر قرّرت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في بلد المليون شهيد تحديد مدة ساعة واحدة لصلاة التراويح خلال شهر رمضان المقبل، بعد أن كانت المدة مفتوحة سابقا , وأعلن الأمين العام لنقابة موظفي الشؤون الدينية بالجزائر "جلول حجيمي" أمس أنّ "وزارة الأوقاف وجّهت تعميما لمختلف مديرياتها الفرعية عبر التراب الوطني بضبط مدة صلاة التراويح في ساعة واحدة".

 

 

 

"جلول" اعتبر في تصريحات نقلتها عنه وكالة "الأناضول" أنّ "التعميم إجراء عادي جدا اعتادت عليه الوزارة كل سنة وليس غريبا أو جديدا" !!....مشيرا إلى أنّ "تحديد وقت صلاة التراويح بساعة واحدة لا يعني الإسراع في الصلاة !! بل ينبغي أن تكون التلاوة بطريقة متأنية، ليست سريعة جدا وغير بطيئة كثيرا" ....زاعما أنّ "التعميم الموجه يهدف إلى التخفيف على المصلين من خلال عدم إطالة وقتها" !!

 

 

 

ويتساءل الشارع الجزائري : ما دام الإجراء عاديا وليس غريبا فلماذا يقتصر على دور عبادة المسلمين دون غيرهم ؟! ولماذا لا يتم التدخل بعبادة غير المسلمين أو مراقبة ما يجري داخل دور العبادة الخاصة بهم ؟! ولماذا لا تتخذ الحكومة إجراءات مماثلة للتخفيف عن النصارى الذين يمضون ساعات في كنائسهم للقيام ببعض طقوسهم ؟!

 

 

 

أما في تونس فقد قال وزير الشؤون الدّينية فيها "أحمد عظّوم" : إن بعض المساجد في تونس لا تزال خارجة عن سيطرة وزارته ، وذلك رغم الجهود المبذولة باتجاه إخضاعها جميعا لسلطة الدولة , مشيرا إلى أن نحو 4 آلاف و500 مسجد في البلاد تخضع لإشراف وزارته"، فيما "يوجد عدد آخر من المساجد خارج السيطرة" .

 

 

 

الوزير التونسي أكد خلال الندوة المنعقدة تحت عنوان "محاضن الإرهاب واستراتيجيات تفكيكها" والمستمرة حتى غد الخميس : أن وزارته تبذل جهودا من أجل تحديد تلك المساجد وإخضاعها لسيطرة الدولة ، مشددًا في الوقت ذاته على أن "المعركة مع الإرهاب ومحاضنه فكرية بالأساس" ....مشيرا إلى أنه سلّط الضوء في مداخلته على "فرضية أن تكون المساجد محضنة للإرهاب"، وهو ما يرى فيه -في حال حدوثه بالفعل- "حيادا عن الدور الأصلي للمساجد، كبيوت للعبادة" ــ وفق تعبيره ــ .

 

 

 

الواضح من كلام الوزير وسياقه والمناسبة التي خرج منها أن المساجد – وخصوصا تلك التي قال إنها خارج سيطرة الوزارة – متهمة بشكل أو بآخر بما يسمى "محاضن الإرهاب" , وهي في الحقيقة تهمة باطلة يروج لها الغرب منذ زمن وتتردد أصداؤها - للأسف الشديد - في بعض الدول العربية والإسلامية .

 

 

 

وبعيدا عن مناقشة مدى شرعية مثل هذه القرارات فإن من حق أي مسلم في تلك الدول التي تتخذ مثل هذه الإجراءات تجاه المساجد دون غيرها أن يتساءل عن سبب ذلك , وأن يتعجب من ترويج بعض من ينتسبون لديننا ويتكلمون بلغتنا لما يحاول الغرب إلصاقه بالمساجد من تهم باطلة وشائعات مفبركة ليس لها دليل أو برهان سوى الحقد والخوف من انتشار دين الله والهلع من دخول الناس فيه أفواجا .

 

 

4 + 0 =