في نور آية كريمة.. "أربعين سنة يتيهون في الأرض"
7 رمضان 1440
أمير سعيد

"قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ"

الآية جزء من قصة ذكرها القرآن في قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين".

 

وقد عاقب الله قوم موسى بالتيه لمدة أربعين سنة ضلوا فيه طريقهم مثلما ضلوه في طريق الطاعة لنبيهم، فجزاهم الله عن تيهم بتيه يتخبطون فيه في ست فراسخ – كما قال بعض المفسرين – يسيرون جادين ثم يجدون أنفسهم في نفس الموضع الذي انطلقوا منه؛ فسئموا، وأقاموا حيث هم كل هذه المدة حتى زال جيل الفاسقين الرافضين لامتثال أمر ربهم، وحل آخر يخضع لأمر الله ويمتثل لأمر نبيه. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة؛ وقلة اجتماع الرأي؛ وأن الله تعالى رماهم بالاختلاف؛ وعلموا أنها قد حرمت عليهم أربعين سنة؛ فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص؛ وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع؛ على غير نظام واجتماع؛ حتى كملت هذه المدة؛ وأذن الله بخروجهم؛ وهذا تيه ممكن؛ محتمل؛ على عرف البشر؛ والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة؛ وعجب من قدرة الله تعالى. وأصل التيه الحيرة، كما يقول القرطبي رحمه الله.

 

وفي هذا التيه، لم يتركهم الله يهلكون بل ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فتكفل برزقهم، لكن كان هذا الفراغ ابتلاءً آخر لإشعارهم بطول مدة التيه مثلما ذكر بعض أهل العلم، كالشيخ الشعراوي رحمه الله.

 

وسواء أكان التحريم مؤبداً لكل هؤلاء الذين عصوا، أو كان محكوماً بالسنوات الأربعين؛ فإن الحاصل قريب، من أن هذا الجيل الذي فسق لم يعد يصلح للمهمة، وأنه غير جدير بحمل هذه الأمانة. وسواء أكان موسى قد مات في التيه أم لا؛ فإن جوهر القصة ومغزاها، كان في هذا التمحيص والاستبدال الذي فرضه الله على قوم موسى؛ فأزاح من طريق الاستخلاف من كانوا يمثلون عبئاً عليه، واستبدل بهم قوماً فاتحين صالحين. العبرة هي كما قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها، ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة، وتألف الخضوع، وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة حتى تكون كالغرائز الفطرية، والطبائع الخلقية. إذا أخرجت صاحبها من بيئتها ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها، ويتفلت منك ليتقحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر" (تفسير المنار).

 

لقد قالوا "إنا هاهنا قاعدون" فأقعدهم الله، يقول محمد بن يوسف الأندلسي رحمه الله: "صاروا في صورة القاعدين وهم سائرون"، ولقد صار قوم موسى بحاجة لإعداد جديد يزيل عنهم عبادة العجل أربعين يوماً بأربعين سنة كاملة، يعانون فيها مشقة الصحراء ولأواءها.. فلم تكن المسألة تتعلق بأربعين يوماً فقط، إنها كانت ركام عبودية قرون، ثقافة استمرؤوها فعظم عليهم التخلص منها، ولو مع نبي يحمل إليهم الكثير من المعجزات والآيات. يقول صاحب المنار: " أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر، وطبع عليها طابع المهانة والذل، وقد أراهم الله تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السلام، وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل والعبودية والعذاب إلى الحرية والاستقلال والعز والنعيم، وكانوا على هذا كله إذا أصابهم نصب أو جوع أو كلفوا أمرا يشق عليهم يتطيرون بموسى ويتململون منه، ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها، ولما غاب عنهم أياما لمناجاة ربه، اتخذوا لهم عجلا من حليهم الذي هو أحب شيء إليهم وعبدوه، لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين، وإعظام معبودهم العجل (أبيس) وكان الله تعالى يعلم أنهم لا تطيعهم نفوسهم المهينة على دخول أرض الجبارين (...) فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها الله تعالى لنا، ونعلم أن إصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها".

 

وإذ ندم موسى عليه السلام أن دعا عليهم، جاءته السلوى والتوجيه من رب العالمين: "فلا تأس على القوم الفاسقين"، وامتد التوجيه – بحسب صاحب التفسير المحيط – للنبي صلى الله عليه وسلم، اعتباراً من هذه القصة ألا يأسى على القوم الفاسقين من قومه. وهي توجيه لكل داعية ومصلح ألا يأسى على قوم فاسقين بعد دعوتهم وبذل جهوده، تلك الجهود التي لا تضيع عند رب العالمين. يقول د.ناصر العمر حفظه الله: "هي برهان على الثبات على المنهج من قبل الرواد والأئمة، مهما كان التجاوب الظاهر سلبياً".. "فلا تأس على القوم الفاسقين".

2 + 6 =