في نور آية كريمة.. "ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة"
9 رمضان 1438
أمير سعيد

"وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ" (113) الأنعام

 

بعد أن قال الله عز وجل: 

" وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"، وبين طريقة أعداء الأنبياء من شياطين الإنس والجن الذين يوسوسون، ويتواصون بينهم في تلك الوسوسة المزينة بجميل الأقوال، قال سبحانه: "ولتصغى.. الآية". أرشد الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعاً إلى أن هذا الزخرف الذي يتواصى به الشياطين، ويقول بعضهم لبعض ها أنا قد نجحت في إغواء هذا فافعل مثلي مع صاحبك، سيجد من تميل إليه نفسه تصديقاً وتفاعلاً. 

 

 

وأصل الإصغاء كما في لسان العرب الميل، والمقصود ميل النفس وزيغ القلوب، واختار الرازي أن اللام في "لتصغى" متعلقة بـ"يوحي" أي أن إيحاءهم إنما ليحدث هذا الميل والزيغ لدى من لا يؤمنون بالآخرة. قال محمد بن يوسف الأندلسي: "وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة؛ لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الفعل، فكأن كل واحد مسبب عما قبله."

 

 

والغرور ضرب من الخداع بالباطل ينطلي على غير ذوي الخبرة (يقال شاب غر أي لا يدرك ما يدركه الرجال)، والاقتراف بمعنى الاكتساب، لكنه يكثر استعماله في السيء من الاكتساب، قال الألوسي رحمه الله: "وفي الإساءة أكثر استعمالا ولهذا يقال الاعتراف يزيل الاقتراف ويقال: قرفت فلانا بكذا إذا عبته به واتهمته".

 

"ما هم مقترفون" تفيد التعظيم والتشبيع لما يعملون، كقوله تعالى: "فغشيهم من اليم ما غشيهم"، قاله الأندلسي. 

 

 

وخلاصة القول: أن تلك النفوس غير المؤمنة بالآخرة، مادة جاذبة للإغواء والتوجيه والإغراء، ومن بديع القرآن وصفها لها بعدم الإيمان بالآخرة عما سواه من أركان الإيمان، لأن إغواءهم ما كان له أن يتم لولا أن قلوبهم خالية من ذكر الآخرة، لا تلقي بالاً بالمآلات؛ فكذلك كل نفس لا تعرف العواقب، ولا تنظر بعين بصيرة إلى المستقبل وعاقبة ما تفعل يسهل استدراجها، وحرفها بأي اتجاه يريدوه المغوون، الذين يجملون باطلهم بزخرف القول. ونلحظ أن الزخرف إنما أشير له هنا في موضع الذم، وقد جاء في لسان العرب أن "الزخرف هو الذهب، لكن سمي كل زينة زخرفاً ثم شبه كل مموه مزور به".

 

هكذا إذن هذا المموه الفاسد الباطن، المزين في ظاهره هو الأداة التي يستخدمها الشياطين بكافة أنواعهم، من إنس وجان، من وسائل إعلام أو أبواق توجيه ودعاية، من شخصيات عامة أو غيرها، من وسوسة شياطين، جميعها تعمد إلى التزييف والتجميل، يقول صاحب المنار: "والتغرير بزخرف القول قد ارتقى عند شياطين هذا الزمان ولا سيما شياطين السياسة ارتقاء عجيبا، فإنهم يخدعون الأحزاب منهم والأمم والشعوب من غيرهم فيصورون لها الاستعباد حرية، والشقاوة سعادة، بتغيير الأسماء وتزيين أقبح المنكرات، وإن من الشعوب غرارا كالأفراد، تلدغ من الجحر الواحد مرتين بل عدة مرار، فاعتبروا يا أولي الأبصار"، ولقد تعمد وسائل الإعلام إلى تجميل ما تبثه من مواد لتهييج الغرائز ونشر الشبهات في الدين بجميل القول وزينته، وتزيد بجملة من المؤثرات الشكلية لإخراج منتجها بأبهى صورة تسحر بها العقول، وتستأثر بالقلوب عديمة الإيمان بالآخرة، أو ضعيفته. ففي عقيدة أهل السنة يتفاوت الناس في منازل الإيمان، فحتى بين المسلمين من تخيل عليه تلك الحيل وتأسره تلك الزخارف حين يضعف إيمانه بالآخرة؛ فيناله نصيب من هذه التغرير والخداع.

 

 

إنه، إن كان ثمة شياطين؛ فإن هناك متلقين لهذا التأثير، وبحسب قوة إيمانهم بالآخرة، وبوعد الله، وبعاقبة الأمور تصبح مناعتهم قوية، ومقاومتهم لهذا الزيف شديدة، وبالعكس؛ فكلما هانت في قلوبهم الآخرة، اجتالتهم الشياطين، واستحوذ عليهم المبطلون. إن التضليل الذي ينال من الناس في شتى أنحاء المعمورة ليس الشياطين وحدهم هم المسؤولون عنه، بل أيضاً أولئك الذين جعلوا من أنفسهم مطية ومادة غضة يمكن تشكيلها بأيدي الشياطين.. ليس ثمة ضحايا للتضليل، بل مشاركون به بنسيان الآخرة واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة. بعدوا عن الإيمان بالآخرة فغرر بهم فمالوا ثم رضوا ثم اقترفوا جرائمهم وغرقوا في أوحال الشبهات والشهوات والاستعباد. 
 



3 + 11 =