في نور آية كريمة.. "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم"
17 رمضان 1438
أمير سعيد

"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" (28) الكهف

 

 

تضع الآية العظيمة مبدأ عاماً، يرسم إطاراً للعلاقات التي تحكم المؤمنين، ومعياراً واضحاً للتفاضل بين الناس، يقدم الولاء لله ودينه على ما سواه من أوجه التفاضل الدنيوية، كالوجاهة والسلطان والغنى ونحو ذلك.

 

 

ولقد نزلت الآية بسبب طلب وجهاء قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد جلسائه من فقراء وضعفاء المسلمين، أو يقوم عنهم إن رفض طردهم، وقد روى مسلم عن سعد رضي الله عنه أنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل. وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه".

 

 

"واصبر نفسك" أي: احبسها وثبتها، و"مع" تقتضي الصحبة والموافقة، والأمر بالصبر هنا يظهر منه كبير اعتناء بهؤلاء الذين أمر أن يصبر نفسه معهم، وهي أبلغ من التي في الأنعام "ولا تطرد الذين يدعون" الآية، قاله أبو حيان الأندلسي.  

 

 

"الذين يدعون ربهم"، وقد أورد الطبرى معانٍ لـ"يدعون"، منها الدعاء، وصلاتا الصبح والعصر، وذكر الله، وتلاوة القرآن، والعبادة.

وقال الشوكاني في فتح القدير: "ذكر الغداة والعشي كناية عن الاستمرار على الدعاء في جميع الأوقات. وقيل: في طرفي النهار، وقيل: المراد صلاة العصر والفجر، ومعنى يريدون وجهه أنهم يريدون بدعائهم رضا الله سبحانه، والجملة في محل نصب على الحال".

 

 

"ولا تعد عيناك عنهم"، أي لا تتجاوزهم، قال الرازي: "وإنما عدي بلفظة عن؛ لأنها تفيد المباعدة، فكأنه تعالى نهى عن تلك المباعدة"، وقال أبو حيان: "لا تصرف عيناك"، وذكر القرطبي ما روي عن الحسن: "لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء الدنيا طلبا لزينتها، (قال القرطبي) حكاه اليزيدي. وقيل: لا تحتقرهم عيناك"، وقال الزجاج : لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.

 

 

"تريد زينة الحياة الدنيا"، قال الشوكاني في فتح القدير: "أي: مجالسة أهل الشرف والغنى، والجملة في محل نصب على الحال، أي: حال كونك مريدا لذلك، هذا إذا كان فاعل "تريد" هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان الفاعل ضميرا يعود إلى العينين، فالتقدير: مريدة زينة الحياة الدنيا، وإسناد الإرادة إلى العينين مجاز، وتوحيد الضمير للتلازم".

 

 

"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا": قال الحافظ ابن كثير: "أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا "واتبع هواه وكان أمره فرطا" أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعا له ولا محبا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه". يقول ابن عطية: "و"الفرط" يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، أي أمره وهواه الذي هو بسبيله، وقد فسر المتأولون بالعبارتين، أعني التضييع والإسراف، وعبر عنه خباب بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى".   

 

 

ويبسط د.ناصر العمر في كتابه النفيس إشراقات سورة الكهف عدداً من الوقفات التدبرية في هذه الآية، يمكن اختصارها فيما يلي:

الوقفة الأولى: أهمية الرفقة الصالحة:
أمر الله نبيه عليه السلام أن يحبس نفسه مع من يدعونه سبحانه من أهل الإيمان، وأمته تبع له ما لم يقم دليل على الخصوصية (...) فمن صاحب الأخلاق تخلق بأخلاقهم والعكس؛ فإن كثيراً من الشباب عرفوا الحق والتزموا به بتوفيق الله أولاً ثم بالرفقة الصالحة التي تعينهم على الخير وتثبتهم عليه، و(العكس)؛ فالإنسان بحاجة لأعوان على الحق.. ويخطئ من يثق في حفظ دينه وسط فتن تموج موج البحر.. فالذئب يأكل من الغنم القاصية.

 

 

الوقفة الثانية: الفرق بين الاجتماع على الخير والتحزب:
أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاجتماع مع أصحابه على الطاعة وهو أمر للأمة من بعده، وفرق بين الاجتماع على الخير، وبين التعصب والتحزب المذموم، فالأول محمود وليس من التعصب والثاني مذموم، وبهذا أفتى شيخنا ابن باز.

 

 

الوقفة الثالثة: لا تترفع على أهل الخير:
في هذه الآية درس بليغ؛ فالمرء مهما بلغ من علو الشأن لا ينبغي أن يترفع عن أهل الخير، أو يعرض عنهم إن كانوا فقراء أو ضعفاء؛ فإن كانت هذه وصية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فكيف من هو دونه؟ والعجيب أن المعرَض عنهم هم أكثر أتباع الأنبياء، روى البخاري الحديث: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء"

 

 

الوقفة الرابعة: الحذر من زينة الدنيا:
نبهت الآية إلى أن من خالط أصحاب الجاه قد يميل إلى الدنيا، ولهذا نهى السلف عنه (...) وليس فيما تقدم صداً عن المناصحة، لكن لابد من تصحيح النية والتجرد والمرا5قبة والتضرع إلى الله بحفظ قلبه.

 

 

الوقفة الخامسة: ذكر اللسان وذكر القلب:
لطيفة: قال الله سبحانه: "من أغفلنا قلبه"، ولم يقل لسانه؛ فقد تجد ذاكراً لا أثر لذكره في معاملاته غفلة عن غاية الذكر، وهو تصفية القلب وربطه بالله عز وجل.

 

 

الوقفة السادسة: لا إفراط ولا تفريط:
يلزم أن نقف وقفة في ضوء الآية لنراجع ما مضى من العمر، فنعرف كم منه كان ضائعاً بلا هدف (وذلك المعنى من قوله تعالى "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً"، فكما التفريط مذموم فالإفراط كذلك) ولابد من الاعتدال والتوسط في الأمور كلها.

 

 

الوقفة السابعة: موازنة المصالح والمفاسد، بين الحقيقة والوهم:
من قواعد الشرع: تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. وقد علم الله سبحانه أن أولئك الكفرة لا يؤمنون إيماناً حقيقياً، ومثله لا يرتكب له إسقاط حرمة أولئك الفقراء الأبرار، فلذا جاء النهي عن الإطاعة. ويحتمل أن الله علم أن طرد أولئك الفقراء السابقين إلى الإيمان المنقطعين لعبادة الرحمن، يوجب نفرة القلوب وإساء الظن برسوله صلى الله عليه وسلم، وربما يرتد من هو قريب عهد بإسلام، ويقل الداخلون في دينه.
وإن الإسلام يقرر مبادئ عامة، ويصلح ميزان القيم في المجتمع؛ فالتفاضل لا يكون بناء على الغنى والرياسة، بل بالتقوى (...) والإسلام عزيز لا يتملق أحداً؛ فليس بحاجة لإسلام هؤلاء ولا غيرهم.

 

 

الوقفة الثامنة: معالجة الآية لميزان القيم المختل:
تضمنت الآية تصحيحاً لميزان القيم، وهو ميزان مختل قديماً وحديثاً، لا يقيس الإنسان بقيمته الحقيقية، إيمانه، وأعماله، بل بحسب بلدانهم وأنسابهم وما شابه ذلك، وهي أقدار لا حيلة للمرء فيها، فلا يصح عند العقلاء أن تكون ميزاناً (...) وإن على المرء أن يحاذر أن يكون قلبه مما يقوم الناس (بناء على هذه المعايير الفاسدة).

 

 

وقد ذكر المصنف حفظه الله فوائد أخرى مهمة استخلصها من تلك الآية العظيمة، أجملها بما يلي:
1 – الصبر على طاعة الله أعلى أنواع الصبر، ولا ينجح داعية أو طالب علم إلا بالصبر.
2 – الحث على إدامة طاعة الله آناء الليل وأطراف النهار.
3 – أهمية الإخلاص الذي لا تقبل أعمال كالجبال إلا به.
4 – النهي عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا.
5 – لا طاعة لغافل عن ذكر الله أو تقدم من دون أهل الإيمان.  ا.ه

 

 

ولا يفوت في ذكر الآية هذا البيان البديع لاستخدامات "النفس" و"العين" و"القلب"، كل في محله وبتعبير لا يخلو من أبعاد دقيقة في تناسق فريد؛ فقياد النفس بالكلية للصبر مع الصالحين، وعدم تعدي العين عن طريقهم لضمان عدم حيودها ودقتها، والتوكيد على القلب كمحل الذكر لا اللسان، تعبيرات بليغة لا يخلو القرآن الكريم من روعتها في مبنى ومعنى.

 

 



4 + 1 =