في نور آية كريمة.. "ولله خزائن السماوات والأرض"
28 رمضان 1438
أمير سعيد

"هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ" (7) المنافقون

 

 

إنها علاقة المال بالإيمان، والصورة التي ترتسم في مخيلة المنافقين عن نفعية أهل الخير من إيمانهم، وعلى الرغم من نفي الأنبياء عليهم السلام المتكرر بأنه "وما أسألكم عليه من أجر" إلا أن المنافقين يطمعون كثيراً في الأتباع.

 

 

القصة كانت في غزوة بني المصطلق، حينها قيلت هذه المقولة الآثمة من رأس المنافقين، أخرج الترمذي وصححه وجماعة عن زيد بن أرقم قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا ناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه؛ فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض ويجعل حوضه حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه فانتزع حجرا، ففاض فرفع الأعرابي خشبة؛ فضرب رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين، فأخبره وكان من أصحابه فغضب، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل".

 

 

"هم الذين يقولون": أي المنافقين. قال الألوسي: "والقائل رأس المنافقين ابن أبي وسائرهم راضون بذلك"، وعزا ابن عاشور إسناد هذا القول إلى ضمير المنافقين "لأنهم تقبلوه منه إذ هو رأس المنافقين أو (لأنه) فشا هذا القول بين المنافقين فأخذوا يبثونه في المسلمين".

 

 

"لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا": يقول الطاهر بن عاشور: "ومن عند رسول الله من كانوا في رعايته مثل أهل الصفة ومن كانوا يلحقون بالمدينة من الأعراب كان يمونهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق (...) حتى ينفضوا من حوله وهذا كلام مكر لأن ظاهره قصد الرفق برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلفة إنفاق الأعراب الذين ألموا به في غزوة بني المصطلق، وباطنه إرادة إبعاد الأعراب عن تلقي الهدي النبوي وعن أن يتقوى بهم المسلمون أو تفرق فقراء المهاجرين لتضعف بتفرقهم بعض قوة المسلمين". وينفضوا أي يتفرقوا ويبتعدوا. من نفض إناءهم قاله الزمخشري.

 

 

"ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون"، يقول ابن الجوزي: "المعنى: أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، لا أولئك، ولكن المنافقين لا يفقهون أي: لا يعلمون أن الله رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم". وقال القرطبي: "أعلمهم الله سبحانه أن خزائن السماوات والأرض له، ينفق كيف يشاء".

 

 

وفي الآية إشارات عظيمة:

-    فالمنافقون ظنوا أنه لولا أموالهم لما بقيت للدعوة قائمة، وهذا وهم بل "من أعجب العجب، أن يدعي هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى"، كما يقول السعدي. فهؤلاء أداة هدم لا يمكن أبداً أن يكونوا رافعة بناء.

 

 

-    يحاول المنافقون أثناء تضييقهم المتكرر على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال إضعاف قوة دعوته الاقتصادية تزيين ذلك بعنوان آخر، كان هنا بحسب بعض المفسرين من خلال الزعم بأنهم يهدفون إلى عدم إرهاق النبي صلى الله عليه وسلم بتهافت الفقراء عليه وطلبهم النفقة منه! هكذا دوماً تحمل محاولاتهم لافتة زائفة تبدو بظاهرها حسنة.

 

 

-    اللئيم يرى الناس بعين طبعه، كذا المنافق، يرى أن جميع المندفعين نصرة لدين الله هم من المرتزقة أو الزائفين مثله. لكن الواقع أن صدق الدعوة يجذب إليها المخلصون، وهؤلاء لا ينفضون بتقتير المال عنهم وعن مساعدتهم.

 

 

-    غياب إنفاق النفاق – إن حصل - لا يضعف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فالمال الزائف يستقطب أشباهه من الزائفين والمنافقين، وحين يشح المال ينفض المنافقون ويتطهر صف المؤمنين، ويذهب عنهم خبال النفاق.

 

 

-    فقه الابتلاء والاختبار لا يؤتاه المنافقون الماديون، الذين يزنون الأمور بموازينهم الخربة، "ولهذا قال الله ردا لقولهم: ولله خزائن السماوات والأرض فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، ولكن المنافقين لا يفقهون فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم".، كما قال السعدي.

 

 

-    حينما يكون الأصل هو الإيمان، والطارئ هو النفاق؛ فإن حال السائرين لا يتأثر بكيد المنافقين، حين يوجد المخلصون لا يضرهم كيد المخذلين، وتنفتح الخزائن لهم والسبل أمامهم، لكن حين يشرئب النفاق؛ فإن الانفضاض والخذلان والانكسار والهزائم تكون رفيقة المذبذبين.

 

 

-    خزائن الله يرزق منها البر والفاجر، حتى أولئك المستكثرين على المؤمنين وحدتهم، الظانين أنهم مصادر الأرزاق والأموال، ممن لا يفقهون ولا يعقلون. هذا المعنى الذي لا يفقهه المنافقون، تندب الآية من تخاطبهم من المؤمنين على فقهه والتعاطي معه بوعي وإدراك عميقين، حتى من أولئك الفقراء المعدمين، عليهم إدراك أن ما هم فيه ليس لفراغ خزائن الرزاق الوهاب، سبحانه وتعالى، وحاشاه، بل لأنهم قد وضعوا في حيز الاختبار والامتحان، حتى لو حاربهم المنافقون في أقواتهم.

 

 

إن الآية الكريمة تضع فرقاناً بين رؤية وأخرى، بين ما تراه قلوب المؤمنين، وبين ترهات ودعاوى المنافقين الزائفين. وترشد المؤمن إلى أي فريق ينحاز، إذ ذاك هو الذي يطلب رزقه وعنايته ممن بيده خزائن السماوات والأرض.

 

1 + 7 =