في نور آية كريمة.. "هو أهل التقوى وأهل المغفرة"
29 رمضان 1438
أمير سعيد

"وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ" (56) المدثر

 

الآية خاتمة جليلة لسورة المدثر، وهي تختم عدة آيات تتحدث عن موضوع واحد، هي قوله تعالى:

"فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)"

 

 

الآية الكريمة تتحدث مذكرة المعرضين عن سبيل الله وذكره سبحانه والمقبلين أيضاً بأنهم واقعون جميعهم تحت مشيئته، فلا يكون في ملكه عز وجل إلا ما يشاء، وهو جدير بأن يتقى، جدير بأن يغفر تبارك وتعالى.

 

 

وبعد أن تحدثت الآيات عن القرآن بأنه "تذكرة"، وعن أن للعبد مشيئة في أن يذكر أو لا يذكر، حاثةً على ذكره سبحانه وتعالى، أو ذكر كتابه، عقب سبحانه بقوله: "وما يذكرون إلا أن يشاء الله"، قال الطاهر بن عاشور: "والمعنى: أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطا بمشيئة الله أن يتذكروا. وقد تكرر هذا في القرآن تكررا ينبه على أنه حقيقة واقعة كقوله "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" وقال هنا "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره" فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف الشرعية والجزاء في الدنيا والآخرة (...) وأن لله تعالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر".

 

 

"هو أهل التقوى وأهل المغفرة":
التقوى من الوقاية، وهي فرط الصيانة، وقيل: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، كقوله تعالى: "فوقاهم الله شر ذلك اليوم"، ويسمى الخوف تارة بالتقوى، و"لعلكم تتقون" أي لعلكم أن تجعلوا ما أمركم الله به وقايةً بينكم وبين النار. هكذا مختصراً عن السمين الحلبي في عمدة الحفاظ.
وأما المغفرة، فالمقصود ستار للذنوب، قال ابن منظور في لسان العرب: "أصل الغفر التغطية والستر: غفر الله ذنوبه، أي: سترها".

 

 

فالله سبحانه وتعالى أهل لأن يتقى بحفظ النفس مما يؤثم، وترك المحرم، وبالاستبراء للدين والعرض بترك المشتبهات. وأهل لأن يستر عيوب وذنوب التائبين متى شاء سبحانه وتعالى. قال الزجاج في معاني القرآن: "هو أهل أن يُتقَى عقابه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته". وقد أورد الماوردي في النكت والعيون ثلاثة أوجه ذكرها الفراء في تفسير الآية:
"أحدها: هو أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب، قاله قتادة.
الثاني: هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له، وهذا معنى قول رواه أنس مرفوعاً.
الثالث: هو أهل أن يتقى عذابه، وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته.

 

وزاد الماوردي: ويحتمل رابعاً: أهل الانتقام والإنعام".
وربط الثعالبي في الجواهر الحسان بين التقوى والمغفرة بقوله: "أنه بفضله وكرمه أهل أن يَغفر لعباده إذا اتقوه".

 

قال صاحب التفسير الواضح: "وقيل المعنى: وما يذكرون في حال من الأحوال إلا حال أن شاء الله لهم ذلك إذ الأمر كله له، هو الله أهل لأن يتقى ويحذر عقابه فلماذا لا تتقون؟ وهو أهل للمغفرة فلماذا لا تصلحون أعمالكم. وتتوبون لربكم وتثوبون لرشدكم؟".

 

 

بالجملة، هذا من الخطاب الذي يوضح مزية الاختيار التي يمنحها العبد، والواقعة تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، ويحبب المتلقي في الإيمان والتذكرة والارتباط بالقرآن وذكره وتذكره والتزام أوامره ونواهيه، تنويهاً إلى عظمة الخالق عز وجل، الجدير بأن يسير إليه المؤمنون على خلال الصورة البغيضة التي صور عليها القرآن المعرضين عن الذكر، الفارين كما تفر الحمر من الأسد أو من القناصين، فيما الذكر الذي يفرون منه هو النافع لهم في الدارين؛ فما كان لهم أن يفروا، وفرارهم مفض إلى هلاكهم؛ فاتقاء العذاب هو بالأوبة لله سبحانه وتعالى والالتفات إلى مصدر ما يفرون منه عن جهل وجهالة، فهو عز وجل يغفر للأوابين إليه لا الفارين من قرآنه كالحمر والبهائم التي تركض لا تألو على شيء!

3 + 10 =
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر